منتديات السادة الهوارة

هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.
منتديات السادة الهوارة

د/مصطفى سليمان أبو الطيب الهوارى

د مصطفى سليمان ابوالطيب ابويوسف عايد الهوارى من مواليد محافظة الاسكندرية 8-6-1973 الاصل من محافظه اسيوط مركز صدفا قرية الدوير عايد قبيلة هوارة عايد الهوارى دكتوراة فى التاريخ الاسلامى فى انساب القبائل العربية عام 2015 من اكاديمة مشكاة للدرسات الاسلامية عن القبائل النازحة لمصر عقب الفتح الاسلامى رئيس ومؤسس الجمعية الخيرية لأبناء الهوارة عام 2012 المشهرة برقم 3107 ومؤلف مجلد قاموس القبائل العربية المصرية( مفاتيح الانارة فى انساب قبائل العرب والمرابطين والهوارة) و موسوعه القبائل والعائلات العربية والمصرية وهم1-تاريخ الامارة فى أنساب قبائل وعائلات الهوارة 2- القول السليم فى بطون وعشائر بنى سليم 3- القول المتين فى تاريخ وأنساب قبائل المرابطين وبنى سليم 4-رجال العصر فى أنسابهوازن وبنى هلال وبنى نصر 5-الأقوال الجلية فى أنساب وقبائل سيناء والشرقية -6-القول الشاف فى أنساب قبائل الأنصار والأشراف و الامين العام لمجلس للقبائل المصرية والعربية بالاسكندرية حاصل على درع وشهادة تقدير من المجلس المصرى للقبائل المصرية والعربية رئيس اللجنة العليا لدعم الجيش والشرطة والمصالحات بالمنظمة المصرية لحقوق الانسان بالاسكندرية حاصل على شهادة تفدير من المنظمة المصرية لحقوق الانسان [رئيس الجمعية الخيرية لأبناء محافظة أسيوطفرع عبدالقادرالعامرية الإسكندرية/ وكيل مؤسسين حزب التحرير العربى حزب لم يكتمل امين عام التنظيم بحزب مصر الثورة سابقا مرشح مجلس الشعب بالدائرة الرابعه بالاسكندرية عن الشباب والجمعيات الاهلية عام 2011 حاصل على العديد من شهادات التقدير من الجمعيات الاهلية والمجالس عن دورة فى المجتمع المدنى رئيس لجنة المساعدات الطبية بالجمعيات الاهلية شعبة العامرية وباحث ومؤرخ فى تاريخ القبائل العربية بمصر والوطن العربى موبايل رقم 01224369577 01002920977 01119825377
د مصطفى سليمان ابوالطيب ابويوسف عايد الهوارى من مواليد محافظة الاسكندرية 8-6-1973 الاصل من محافظه اسيوط مركز صدفا قرية الدوير عايد قبيلة هوارة عايد الهوارى دكتوراة فى التاريخ الاسلامى فى انساب القبائل العربية عام 2015 من اكاديمة مشكاة للدرسات الاسلامية عن القبائل النازحة لمصر عقب الفتح الاسلامى رئيس ومؤسس الجمعية الخيرية لأبناء الهوارة عام 2012 المشهرة برقم 3107 ومؤلف مجلد قاموس القبائل العربية المصرية( مفاتيح الانارة فى انساب قبائل العرب والمرابطين والهوارة) و موسوعه القبائل والعائلات العربية والمصرية وهم1-تاريخ الامارة فى أنساب قبائل وعائلات الهوارة 2- القول السليم فى بطون وعشائر بنى سليم 3- القول المتين فى تاريخ وأنساب قبائل المرابطين وبنى سليم 4-رجال العصر فى أنسابهوازن وبنى هلال وبنى نصر 5-الأقوال الجلية فى أنساب وقبائل سيناء والشرقية -6-القول الشاف فى أنساب قبائل الأنصار والأشراف و الامين العام لمجلس للقبائل المصرية والعربية بالاسكندرية حاصل على درع وشهادة تقدير من المجلس المصرى للقبائل المصرية والعربية رئيس اللجنة العليا لدعم الجيش والشرطة والمصالحات بالمنظمة المصرية لحقوق الانسان بالاسكندرية حاصل على شهادة تفدير من المنظمة المصرية لحقوق الانسان [رئيس الجمعية الخيرية لأبناء محافظة أسيوطفرع عبدالقادرالعامرية الإسكندرية/ وكيل مؤسسين حزب التحرير العربى حزب لم يكتمل امين عام التنظيم بحزب مصر الثورة سابقا مرشح مجلس الشعب بالدائرة الرابعه بالاسكندرية عن الشباب والجمعيات الاهلية عام 2011 حاصل على العديد من شهادات التقدير من الجمعيات الاهلية والمجالس عن دورة فى المجتمع المدنى رئيس لجنة المساعدات الطبية بالجمعيات الاهلية شعبة العامرية وباحث ومؤرخ فى تاريخ القبائل العربية بمصر والوطن العربى موبايل رقم 01224369577 01002920977 01119825377
د مصطفى سليمان ابوالطيب ابويوسف عايد الهوارى من مواليد محافظة الاسكندرية 8-6-1973 الاصل من محافظه اسيوط مركز صدفا قرية الدوير عايد قبيلة هوارة عايد الهوارى دكتوراة فى التاريخ الاسلامى فى انساب القبائل العربية عام 2015 من اكاديمة مشكاة للدرسات الاسلامية عن القبائل النازحة لمصر عقب الفتح الاسلامى رئيس ومؤسس الجمعية الخيرية لأبناء الهوارة عام 2012 المشهرة برقم 3107 ومؤلف مجلد قاموس القبائل العربية المصرية( مفاتيح الانارة فى انساب قبائل العرب والمرابطين والهوارة) و موسوعه القبائل والعائلات العربية والمصرية وهم1-تاريخ الامارة فى أنساب قبائل وعائلات الهوارة 2- القول السليم فى بطون وعشائر بنى سليم 3- القول المتين فى تاريخ وأنساب قبائل المرابطين وبنى سليم 4-رجال العصر فى أنسابهوازن وبنى هلال وبنى نصر 5-الأقوال الجلية فى أنساب وقبائل سيناء والشرقية -6-القول الشاف فى أنساب قبائل الأنصار والأشراف و الامين العام لمجلس للقبائل المصرية والعربية بالاسكندرية حاصل على درع وشهادة تقدير من المجلس المصرى للقبائل المصرية والعربية رئيس اللجنة العليا لدعم الجيش والشرطة والمصالحات بالمنظمة المصرية لحقوق الانسان بالاسكندرية حاصل على شهادة تفدير من المنظمة المصرية لحقوق الانسان [رئيس الجمعية الخيرية لأبناء محافظة أسيوطفرع عبدالقادرالعامرية الإسكندرية/ وكيل مؤسسين حزب التحرير العربى حزب لم يكتمل امين عام التنظيم بحزب مصر الثورة سابقا مرشح مجلس الشعب بالدائرة الرابعه بالاسكندرية عن الشباب والجمعيات الاهلية عام 2011 حاصل على العديد من شهادات التقدير من الجمعيات الاهلية والمجالس عن دورة فى المجتمع المدنى رئيس لجنة المساعدات الطبية بالجمعيات الاهلية شعبة العامرية وباحث ومؤرخ فى تاريخ القبائل العربية بمصر والوطن العربى موبايل رقم 01224369577 01002920977 01119825377
د مصطفى سليمان ابوالطيب ابويوسف عايد الهوارى من مواليد محافظة الاسكندرية 8-6-1973 الاصل من محافظه اسيوط مركز صدفا قرية الدوير عايد قبيلة هوارة عايد الهوارى دكتوراة فى التاريخ الاسلامى فى انساب القبائل العربية عام 2015 من اكاديمة مشكاة للدرسات الاسلامية عن القبائل النازحة لمصر عقب الفتح الاسلامى رئيس ومؤسس الجمعية الخيرية لأبناء الهوارة عام 2012 المشهرة برقم 3107 ومؤلف مجلد قاموس القبائل العربية المصرية( مفاتيح الانارة فى انساب قبائل العرب والمرابطين والهوارة) و موسوعه القبائل والعائلات العربية والمصرية وهم1-تاريخ الامارة فى أنساب قبائل وعائلات الهوارة 2- القول السليم فى بطون وعشائر بنى سليم 3- القول المتين فى تاريخ وأنساب قبائل المرابطين وبنى سليم 4-رجال العصر فى أنسابهوازن وبنى هلال وبنى نصر 5-الأقوال الجلية فى أنساب وقبائل سيناء والشرقية -6-القول الشاف فى أنساب قبائل الأنصار والأشراف و الامين العام لمجلس للقبائل المصرية والعربية بالاسكندرية حاصل على درع وشهادة تقدير من المجلس المصرى للقبائل المصرية والعربية رئيس اللجنة العليا لدعم الجيش والشرطة والمصالحات بالمنظمة المصرية لحقوق الانسان بالاسكندرية حاصل على شهادة تفدير من المنظمة المصرية لحقوق الانسان [رئيس الجمعية الخيرية لأبناء محافظة أسيوطفرع عبدالقادرالعامرية الإسكندرية/ وكيل مؤسسين حزب التحرير العربى حزب لم يكتمل امين عام التنظيم بحزب مصر الثورة سابقا مرشح مجلس الشعب بالدائرة الرابعه بالاسكندرية عن الشباب والجمعيات الاهلية عام 2011 حاصل على العديد من شهادات التقدير من الجمعيات الاهلية والمجالس عن دورة فى المجتمع المدنى رئيس لجنة المساعدات الطبية بالجمعيات الاهلية شعبة العامرية وباحث ومؤرخ فى تاريخ القبائل العربية بمصر والوطن العربى موبايل رقم 01224369577 01002920977 01119825377

الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

مصطفى سليمان أبوالطيب
مصطفى سليمان أبوالطيب
مدير عام

عدد المساهمات : 8782
السٌّمعَة : 27
تاريخ التسجيل : 02/09/2010
العمر : 47

الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام Empty الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

مُساهمة  مصطفى سليمان أبوالطيب الثلاثاء يونيو 18, 2019 3:12 pm

ومن قبائل "قضاعة"، "بنو عامر الاجدار". ومن رجال "بني وبرة" غير كلب، "بنو القيس بن جسر"، و "بنو مصاد بن مذعور" و "بنو زهير بن عمرر بن فهم". ومن قبائل "جرم بن ربان": "بنو اعجب" و "بنو طرود" و "بنو شميس". ومن بطون "جرم": "بنو خشين"، ومن رجالهم "رأس الحجر"، وقد رأس في الجاهلية وأخذ المرباع. ومن رجال "جرم"، "عصام بن شهبر"، حاجب النعمان. وكان النعمان إذا أراد إن يبعث بألف فارس بعث بعصام.
وقد ذهب وفد من "جرم" إلى المدينة، فيه "الاصقع بن شريح بن صريم" و "هوذة بن عمرو"، فأسلما، وكتب الرسول لهما كتابا. وذهب وفد آخر، اخبر الرسول بإسلام حواء من جرم، كان عليه "سلمة بن قيس الجرمي" ومعه ابنه "أبو زيد عمرو بن سلمة بن قيس الجرمي".
وقد ساعد الغساسنة الروم في حروبهم مع المسلمين، وكان على رأسهم "جبلة ابن الايهم الغساني"، الذي حارب مع مقدمه جيش الروم في مستعربة الشام من غسان ولخم وجذام وغيرهم يوم اليرموك. ثم انحاز "جبلة" إلى المسلبين، وأظهر الإسلام، ثم عاد، ففر إلى بلاد الروم، واستقر بها، وبها مات. وقد استمر "المستعربة" يناصرون الروم، فلما تراجع قوادهم نحو الشمال لضغط المسلمين عليهم، التحق بهم هؤلاء "المستعربة" من غسان وتنوخ وإياد، وقد التحموا بالمسلمين في "درب بغراس".
ويذكر الأخباريون إن "دمشق" كانت منازل ملوك غسان. وبها آثار لآل جفنة. والظاهر، انهم كانوا قد اشتروا وابتنوا بها قصورا، عاشوا فيها، ومنها كانوا يتصلون بكبار الموظفين الحاكمين البيزنطيين. فإذا أرادوا الاتصال بقومهم الغساسنة عادوا إلى قصورهم بين قومهم. وكانت الغوطة: غوطة دمشق من المناطق التي سكن بها الغساسنة.

(1/2078)


ويظهر من رواية يرجع سندها إلى "محمد بن بكر الغساني" عن قومه "غسان" إن الغساسنة لم يقبلوا على الإسلام إقبال غيرهم من العرب، وانهم لم يسلموا إلا بعد فتوح الشام. ولما. ذهب ثلاثة نفر منهم إلى المدينة، وأسلموا وبايعوا الرسول، لم يستجب قومهم لهم في دعوتهم إلى الإسلام، فكتموا أمهرهم عنهم، خوفا من بطش قومهم بهم.
وورد في أخبار الرسل الذين أرسلهم الرسول إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، إن الرسول أرسل "شجاج بن وهب" إلى "الحارث بن أبي شمر الغساني" من غسان، وكان يقم إذ ذاك بغوطة دمشق في قصر منيف، ليدعوه إلى الإسلام، فلما دفع "شجاع" كتاب رسول الله إلى "الحارث" رمى به، ولم يدخل في الإسلام وبقي على النصرانية حتى توفي عام الفتح.
وكان "جبلة" مع الروم يوم "اليرموك" ومعه "المستعربة" من غسان وقضاعة وذلك سنة "15" للهجرة، "وكان قد انضم إلى المسلمين بعض لخم وجذام، فلما وجدوا جد القتال فروا ونجوا إلى ما كان قربهم من القرى وخذلوا المسلمين.
وقد كان "جبلة بن الأيهم" على رأس "العرب المتنصرة" يحارب مع الروم، لمنع المسلمين من التقدم نحو "قنسرين"، ويذكر أهل الأخبار إن محاورات جرت بينه وبين المسلمين في موضوع اشتراكه مع الروم، وعنا محاورات مع "خالد بن الوليد" صاغوها بأسلوب قصصي منمق، وذكروا انه كان جالسا "على كرسي من ذهب أحمر وعليه ثياب الديباج الرومي وعلى رأسه شبكة من اللؤلؤ وفي عنقه صليب من الياقوت. وكان ذلك بعد ارتداده عن الإسلام، فلما غلب الروم، "كان جبلة أول من انهزم والعرب المتنصرة أثره".

(1/2079)


ومن الغساسنة "شرحبيل بن عمرو الغساني"، الذي قتل رسول رسول الله "الحارث بن عمير الأزدي"، الذي كان الرسول قد بعثه إلى ملك "بصرى". فما نزل "مؤتة" قتله "شرحييل". فأمر رسول الله بإرسال حملة عليه، سنة ثمان للهجرة جعل أمرها "زيد بن حارثة". ولما سمع بها "شرحبيل" جمع جمعا من قومه وتقدم نحوهم، وكانوا قد نزلوا "معان". وبلغ المسلمين إن "هرقل" كان قد نزل "مآب" من أرض البلقاء في جمع من بهراء ووائل وبكر ولخم وجذلم والقين، عليهم "مالك بن رافلة" الاراشي من "بلي"، فانحازوا إلى "مشارف"، ولما دنا العدو انحازوا إلى "مؤتة"، وقتل فيها في فيها "جعفر بن أبي طالب"، و "عبد الله بن رواحة" و "ثابت بن رواحة" و "ثابت بن أرقم"، ثم "زيد بن حارثة"، ثم تراجعوا إلى المدينة. وقتل من العرب الذين كانوا مع الروم "مالك بن رافلة" "زافلة". واعتزل بعض "حدس" وهم "بنو غنم" الحرب، لإشارة كاهنتهم عليهم بذلك، فأخذوا بقولها، فاعتزلوا عن "بني لخم" وصلم الحرب بعض منهم، وهم "بنو ثعلبة".
وكان بقرب "حلب" حاضر، عرف ب "حاضر حلب"، جمع أصنافا من العرب من تنوخ، فصالحهم "أبو عبيدة" على الجزية. ويرجع هذا الحاضر إلى أيام الجاهلية، فقد كان العرب قد توغلوا إلى هذه الديار قبل ظهور الإسلام، وأقاموا في الحواضر بظواهر المدن يتعيشون من اتصالهم بأهل تلك المدن.

(1/2080)


ولم تكن الرابطة الدينية التي ربطت بين أكثر عرب بلاد الشام والبيزنطيين، هي العامل الوحيد الذي جعل أولئك العرب ينضمون إلى صفوف الروم في الدفاع عنهم وفي مقاومة جيوش المسلمين، بل كانت هنالك عوامل أخرى، مثل المنافع المادية التي كان يجنبها سادات الأعراب من البيزنطيين، حيث كانوا ينالون هدايا ورواتب منهم في مقابل حماية الحدود والمحافظة عليها من غارات الأعراب وفي مقابل الغارات التي كان البيزنطيون يكلفونهم بها لغزو حدود العراق لازعاج أعدائهم الفرس وقت الحاجة والضرورة، ومثل التسهيلات التي كانوا ينالونها من البيزنطيين في الإتجار مع مدن الشام وفي معاملات البيع والشراء والرواتب السخيفة التي تدفع للأعراب إذا خدموا في صفوف العساكر المتطوعة، وهي رواتب سخية إذا قيست بالنسبة لحالة أهل البادية المنخفضة من الناحية المادية كثيرا بالنسبة إلى حالة سكان بلاد الشام.
وكان "الحيار": "حيار بني القعقاع" بلدا معروفا قبل الإسلام. وبه كان مقبل "المنذر بن ماء السماء" اللخمي، ملك الحيرة. فنزله "بنو القعقاع" من "عبس بن بغيض".
وكانت البلقاء في أيدي قبائل من العرب مثل لخم وجذام وبلقين وبهراء وبلي، وهي قبائل يطلق عليها المؤرخون اسم "المستعربة". وكانوا على النصرانية في الغالب، لذلك كان هواهم إلى جانب الروم. فكانوا معهم في غزوة "مؤتة" يقاتلون مع "هرقل" ضد المسلمين وعليهم "مالك بن رافلة" وهو من "بلي" ثم أحد إراشة. وكان المسلمون إذ ذاك في "معان". وهي من أعمال البلقاء يستعدون للروم. وكان صاحب هذه المدينة في أيام الرسول رجلا من "جذام"، هو "فروة بن عمرو الجذامي". وكان عاملا للروم على من يليهم من العرب، ومنزله بمعان. فلما أرسل فروة رسولا عنه إلى الرسول يبلغه بإسلامه، قبض الروم عليه وحبسوه، ثم ضربوا عنقه وصلبوه.

(1/2081)


ومن "لخم" "بنو السار بن هانىء". وقد قدم وفد منهم على رسول، الله منصرفه من "تبوك"، فيه" "تميم بن أوس بن خارجة الداري" و "نعيم ابن أوس بن خارجة"، و "يزيد بن قيس بن خارجة"، و "الفاكه بن النعمان بن جبلة بن صفارة"، و "جبلة بن مالك بن صفارة"، و"أبو هند" و "الطيب" إبنا "ذر". وهو "عبد الله بن رزين بن عميت بن ربيعة در اع"، و "هانىء بن حبيب" و "عزيز" و "مرة" إبنا "مالك بن سواد بن جذيمة"، فأسلموا، وأهدى "هانىء بن حبيب" لرسول الله، راوية خمر وأفراسا وقباءا مخوصا بالذهب. فقيل الأفراس والقباء. وقال تميم: لنا جيرة من الروم لهم قريتان يقال لإحداهما "حبرى" والأخرى "بيت عينون"، فإن فتح الله عليك الشام فهبهما لي. فوهبهما رسول الله له. فلم توفي الرسول وقام أبو بكر أعطاه ذلك وكتب له كتابا.
ولما أمر الرسول "أسامة بن زيد بن حارثة" إن يوطىء الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، تجهز معه المهاجرون الأولون، ولكن وفاة الرسول لم تمكنه من السفر، فكان أول ما فعله خليفته "أبو بكر" إن أمره بتنفيذ. ما أمره به رسول الله. ولكنه لم يتقدم كثيرا، بل بلغ الموضع الذي قتل أبوه زيد بن حارثة فيه، وهو من أرض الشام فرجع، لأن الرسول أمره في حياته بالمسير إليه.
و "الداروم" قلعة بعد غزة للقاصد إلى مصر. يجاورها عربان بني ثعلبة بن سلامان بن ثعل من بني طيء. وهم درماء وزريق.
وكانت "جذام" نازلة في "حسمى" عند ظهور الإسلام. وهي من مواطن "ثمود". و "جدام" من نسل "جذام" شقيق "عاملة" و "لخم" أبناء "عدي بن الحارث بن مرة بن كهلان". واسم "جذام" الحقيقي في رأيهم "عمرو".وتقع أرض جذام في الأقسام الجنوبية من بلاد الشام، وتصل إلى "أيلة" ثم تمتد مع الساحل حتى تبلغ "ينبع".

(1/2082)


ويرجع بعض النسابين نسب جذام إلى اليمن، ويرجها بعض آخر إلى مضر، وتوسط قوم فقالوا إنهم كانوا من مضر في الأصل، ثم غادروا ديار مضر، فذهبوا إلى اليمن، وعاشوا بين قبائل قحطان، فنسوا أصلهم بتقادم العهد، وعدوا في القحطانيين. ويظهر إن هذا الرأي هو محاولة للتوفيق بين الرأيين السابقين.. أما الذي عليه غالبية جذام، فهو إنها من قحطان.
وقد وفد رجال من "جذام" على رسول الله، منهم "رفاعة بن زيد بن عمير بن معبد الجذامي" ثم أحد "بني الضبيب"، فأسلم وكتب الرسول له كتابا. أما "فروة بن عمرو بن النافرة" الجذامي، فقد كان كما سبق إن ذكرت عاملا الروم على ما يليهم من العرب، وكان منزله "معان" وما حولها أو على "عمان"، فلما بلغهم انه كاتب الرسول وانه أسلم أخذوه فحبسوه، ثم ضربوا عنقه. ويذكر أهل الأخبار إن "فروة" كتب إلى الرسول كتابا أرسله مع "مسعود بن سعد"، وبعث إليه ببغلة وفرس وحمار، وأثواب لين، وقباء سندس مخوص بالذهب. وان الرسول كتب إلى فروة جواب كتابه. ويذكر أهل الأخبار إن الروم لما قبضوا على "فروة"، قال شعرا يذكر فيه نفسه والرسول، وقال مثل ذلك لما نقله الروم إلى موضع يقع على ماء لهم بفلسطين اسمه "عفراء"، فلما أرادوا ضرب عنقه، قال بيتا من الشعر في إسلامه وفي إيمانه.
وقد انتشرت النصرانية بين كلب، كما انتشرت بين أكثر القبائل النازلة بديار الشام. والظاهر إنها كانت على مذهب القائلين بالطبيعة الواحدة "Monophysities".
وفي جوار "الحجر" وفي شرق "حرة ليلى"، أقامت بنو عذرة، وهي من قبائل قضاعة، وتنسب إلى "عذرة بن سعد بن هذيم بن زيد بن ليث بن أسلم بن الحاف بن قضاعة". ولا نعلم من تأريخ هذه القبيلة في الجاهلية شيئا يذكر. ولم يرد اسمها كثيرا في الأيام، والظاهر إن ذلك لقلة شعرائها، فإن شعر الشعراء هو الذي خلد أسماء القبائل عند الأخباريين. ويظن إنها قبيلة "Abritai" "Abraetai" التي ذكرها "بطلميوس".

(1/2083)


أما ديار هذه القبيلة، فكانت في وادي القرى وتبوك. ولكنها امتدت حتى بلغت قرب أيلة ويذكر الأخباريون إن هذه القبيلة هاجرت مع من هاجر من قبائل قضاعة بعد حربها مع حمير، فنزلت في هذه الديار ه. وتعاهدت مع قوم من يهود على مجاورتهم، وإلا تتحرش بهم وبنخيلهم وبساتينهم. وتجاور ديار عذرة ديار قبائل أخرى من قضاعة مثل نهد وجهينة وبلي وكلب، كما جاورت من الشمال قبيلة غطفان.
ولعذرة حلف مع عدد من بطون سعد هذيم، مثل بني ضنة، ويعدهم النسابون بطنا من عذرة، وكذلك مع بني سلامان. وقد عرفوا بصحار. وكان لهم حلف مع جهينة، ويرجع الأخباريون عهد هذا الحلف إلى أيام حرب قضاعة، وهي الحرب المسماة ب "حرب القريض".
وهنالك جملة قبائل ذكر الأخباريون أربعا أو خمسا قالوا إنها كانت تعرف ب "عذرة". وقد سبسب تعدد هذه الأسماء للنسابين بعض التشويش.
ويظهر من روايات الأخباريين انه كان لهذه القبيلة صلة بقريش، فزعموا إن أم "قصي" تزوجت رجلا من "بني عذرة"، وان أخاه من أمه "رزاح ابن ربيعة بن حرام" اشترك مع قريش في الدفاع عن الكعبة وفي طرد خزاعة عنها. ورووا أيضا انه كان لها صلة بالأوس والخزرج كذلك، لأن أم القبيلتين، وهي "قيلة بنت كاهل أو بنت هالك"، كانت من هذه القبيلة.
ولما قدم وفد "عذرة" على الرسول في صفر سنة تسع، وفيه "حمزة بن النعمان العذري" و "سليم" و "سعد" ابنا مالك، و "مالك بن أبي رباح"، سلموا على الرسول "بسلام أهل الجاهلية، وقالوا" نحن إخوة قصي لأمه، ونحن الذين أزاحوا خزاعة وبني بكر عن مكة، ولنا قرابات وأرحام". وكان من رجال عذرة الذين وفدوا على الرسول: "زمل بن عمرو العذري".
وذكر "ابن سد" إن الرسول كتب إلى "عشرة" في "عسيب"، وبعث به مع رجل من "بني عذرة"، فعدا عليه "ورد بن مرداس" أحد "بتي سعد هذيم"، فكسر العسيب وأسلم واستشهد مع "زيد بن حارثة" في غزوة وادي القرى أو غزوة القردة.

(1/2084)


وكانت مواطنها عند ظهور الإسلام في منطقة مهمة جدا تقع بين الحجاز وبلاد الشام ومصر، فتمتد من منازل "كلب" في الشمال حتى منطقة المدينة. وكانت بطونها منتشرة في "وادي القرى" وحول "تبوك" وعند "أيلة" وفي طور سيناء. ولمرور طريق القوافل منها، تولى رجالها حراستها وجباية رسوم المرور منها. ولما رأى بعض المستشرقين إنها تقطن منطقة كان يسكنها "أهل مدين" وكذلك النبط، ذهبوا إلى إنها من نسل "مدين" أو من بقايا "النبط".
ومن المستشرقين من يرى إن "بني النضير" هم فرع من جذام، دخلوا في دين يهود، ودليلهم على ذلك انتشار اليهودية بين بعض بطون جذام التي تقع منازلها على مقربة من "يثرب". وكانت النصرانية قد وجدت لها سبيلا بين جذام، وذلك باتصالها ببلاد الشام ومصر. وقد، كانت مع "المستعربة" أي النصارى العرب، تحارب المسلين مع الروم في حروب بلاد الشام.
وفي أرض جذام موضع يقال له "السلاسل"، وقعت غزوة عرفت ب "ذات السلاسل". وقد قام بها "عمرو بن العاص"، وكان الرسول قد بعثه إلى أرض "بلي" و "عذرة" يستنفر الناس إلى الشام.
ومن جذام "رفاعة بن زيد الجذامي" ثم "الضبيبي"، وكان قد قدم إلى الرسول فأسلم، وكتب الرسول له كتابا، وذهب إلى قومه، ونزل الحرة: حرة الرجلاء. و "ضبيب" بطن من جذام. ولما أغار "الهنيد بن عوص"، وهو من "الضليع"، بطن من جذام على "دحية بن خليفة الكلبي"، حين قدومه من بلاد الشام، وكان رسول الله بعثه إلى "قيصر" صاحب الروم ومعه تجارة له، فأصاب كل شيء كان مع "دحية" نفر "رفاعة" وقومه ممن أسلم، إلى "الهنيد"، فاستنقذا ما كان في يده، فردوه على "دحية". وكان المعتدون يقيمون بحسمى.

(1/2085)


ومن "جذام" "زنباع بن روج بن سلامة بن حداد بن حديدة"، وكان عشارا، مر به "عمر بن الخطاب" في الجاهلية تاجرا إلى الشام، فأساء إليه في اجتيازه وأخذ مكسه، فقال "عمر" فيه شعرا يتوعده ويهجوه، فبلغ ذلك "زنباعا" فهجز جيشا لغزو مكة، فنهي عن ذلك وأشر عليه بعدم تمكنه منها، فكف عنها.
وكانت "أيلة" في أيام الرسول، في أيدي "يوحنا بن رؤبة" "يحنة بن رؤبة". ولما سمع "يوحنا" بمجيء الرسول مع جيشي إلى "تبوك"، جاء إليه، وصالحه على الجزية، وصالحه أهل "جرباء" و "اذرح" على الجزية أيضا. كما صالح أهل "مقنا" على ربع كروعهم وغزولهم وحلفتهم وعلى ربع ثمارهم، وكانوا يهودا. وقد دون "ابن سعد" صورة كتاب ذكر إن الرسول كتبه ل "يحنة بن رؤبة" "يحنة بن روبة" وأهل ايلة "لسفنهم وسيارتهم في البر والبحر... ولمن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر".
وأورد "ابن سعد" نص كتاب أرسله الرسول إلى "يوحنا بن روبة" "يحنة ابن روبة" و "سروات" أهل ايلة" جاء فيه إن رسول الله قد أرسل إليه رسلا هم" "شرحبيل" و "أبي" و "حرملة"، و "حريث بن زيد الطائي". و "أن حرملة" قد شفع له ولأهل ايلة لدى الرسول وأن عليه إن يكسو "زيدا" كسوة حسنة. وأنه قد أوصى رسله بهم. ويظهر من هذا الكتاب، إن حامله كان "زيدا، وجاء فيه "وجهزوا أهل مقنا إلى أرضهم".
وكتب الرسول كتبا إلى أهل "اذرح" و "جربا" ولأهل مقنا، وذكر إن أهل مقنا، كانوا يهودا على ساحل البحر. وأهل جربا وافرح يهود أيضا.
إما "كلب" التي كانت ديارها تتاخم ديار جذام، فينسبها النسابون إلى "كلب بن وبرة"، وهي من القبائل التي كانت تنزل ديار الشام عند ظهور الإسلام. غير إننا لا نعرف من تأريخها شيئا يذكر قبل الإسلام.
وتتصل بديار كلب من الشرق أرض الحيرة وديار "بني بكر"، ومن الجنوب ديار طيء، ومن الغرب ديار "بنو بلي" و "جذام"، ومن الشمال "بنو بهراء" وقبائل غسان.

(1/2086)


ويرجع نسب "كلب" في عرف النسابين إلى قبائل "قضاعة". ومن كلب الأسبع" وهي بطون ثعلب وفهد ودب والسيد والسرحان وبرك. ومن قبائلها: ثور وكلب ورفيدة وعوذي وعرينة وقبائل أخرى يذكرها النسابون.
وينسب إلى هذه القبيلة "زهر بن جناب الكلبي"، وهو في جملة من يذكرهم الأخباريون من المعمرين. ويذكرون انه كان رئيسا من رؤساء هذه القبيلة، وانه كان شاعرا، وأنه كان في أيام "كليب وائل" و "المهلهل بن ربيعة"، ومعنى ذلك انه عاشر في القرن السادس للميلاد.
وقد ذكر الأخباريون أسماء رجال برزوا في الجاهلية، ينتمون إلى بطون هذه القبيلة، منهم "هوذة بن عمرو"، نعتوه ب "رب الحجاز"، وهذا النعت يدل على منزلة الرجل ومكانته التي كان عليها قبل الإسلام. وهو من "حر دش" وقد مدحه "النابغة "لذبياني". وقد نسب الأخباريون هوذة إلى "عص" أو "عيثر بن لبيد"، وهو في زعمهم من المعمرين في الجاهلية.
وقد وفد رجل من "كلب" على الرسول اسمه "عبد عمرو بن جبلة بن وائل بن الجلاح الكلبي"، ومعه "عاصم"، من "بني وقاش" من "بني عامر"، فأسلم. ووفد "حارثة بن قطن بن زائر بن حصن بن كعب بن عليم الكلبي" و "حمل بن سعدانة بن حارثة بن مغفل بن كعب بن عليم"، فأسلما. وكتب الحارثة بن قطن، كتابا، لأهل دومة الجندل وما يليها من طوائف كلب، دون فيه أوامره لهم ونواهيه وشروطه إن أرادوا الدخول في الإسلام.

(1/2087)


وأورد "ابن سعد" صورة كتاب، ذكر إن الرسول كتبه "لبني جناب" من كلب وأحلافهم ومن ظاهرهم. وقد بين فيه الأمور التي يجب عليهم مراعاتها من حقوق وإحكام. وأشهد عليه فيه: سعد بن عبادة، وعبد الله بن انيس، ودحية الكلبي 60 ولعذرة عدة بطون، منها" بنو الجلحاء، وبنو جلهمة، وبنو زقزقة، وبنو ضنة، وبنو حردش، وبنو حن، وبنو مدلج. ويظهر من ابيات للشاعر النابغة إن "النعمان بن حارث الغساني" لما هم بغزو "بني حن" في موضعهم ب "برقة صادر"، نهاه عن ذلك، غير انه لم ينته، فأصيب غزوه بهزيمة. وحن، هم الذين قتلوا "الجلاس بن وهب بن قيس بن عبيد" من طيء، في الحجر. وكان الجلاس ممن اجتمعت عليه جديلة طيء.
وتبوك هي من جملة مواضع بني عذرة، وهي موضع "Thapaua" الذي ذكره "بطلميوس"، ولا نعرف من أمرها قبل الإسلام شيئا يذكر. وقد ذكرت في الفتوح، اذ وصل الرسول إليها، وصل الرسول، وصالح أهلها على الجزية، مما يدل على إن سكانها كانوا من أهل الكتاب.
وكان غزو الرسول لها سنة تسع للهجرة، اذ بلغه إن الروم قد جمعت جموعا كثيرة بالشام، وانهم قد جمعوا إليهم جمعا من لخم وجذام وعاملة وغسان وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء، فأراد الرسول مباغتتهم قبل إن يباغتوه، فلما وصل إليها، وجد إن الروم بعيدون عنه فرجع.
ويذكر أهل الأخبار إن "بني عذرة" نصروا قصيا وساعدوه، لوجود صلة له بهم. ويظهر انه قد كان عند القدامى من "بني عذرة" كتاب في أخبارهم كانوا يرجعون إليه إذا احتاجوا إلى الوقوف على خبر يخص هذه القبيلة. فقد ذكر "أبو عمرو بن حريث العذري"، انه رجع إلى كتاب من كتب آبائه في أمر "وفد عذرة" الذي ذهب إلى الرسول .

(1/2088)


وتقع ديار "غطفان" جنوب "طيء"، وشمال "هوازن" و "خيبر" والى الغرب من بلي وديار سعد. وهم من القبائل الكبيرة التي يرجع النسابون نسبها إلى "سعد بن قيس بن مضر". فهي من القبائل المضرية في اصطلاح أهل الأنساب. وهم قبائل: منهم: ريث وبغيض وأشجع، ومن بغيض ذبيان، وهو والد عبس، وأنما أجداد قبائل كبيرة. وتقع ديار أشجع على مقربة من المدينة، وأما ديار "بغيض" فتقع عند شربة والربذة، وتجاورها "خصفة بن قيس عيلان"، وسليم الذين تقع ديارهم في جنوبهم.
ومن رجال "أشجع" "مسعود بن رخيلة بن نويرة بن طريف"، وقد وفد على الرسول على رأس وفد قوامه مئة رجل، وادعوا رسول الله، ثم أسلموا.
وقد كانت بين "غطفان" وبين "بني عامر بن صعصعة" وهم بطن من هوازن حوادث وأيام. من ذلك "يوم النفراوات"، وفيه قيل خالد بن جعفر ابن كلاب العامري زهير بن جذيمة سيد عبس. وكانت هرازن تخضع لزهير. وتقدم له الإتاوة كل سنة في سوق عكاظ. فلما استبد بهم زهير، ولم يرع لهم حرمة، ولم ينصفهم، نقموا عليه. وأقسم جعفر ليقتلنه، وقد وفى بقسمه في يوم "النفراوات".
وقد غزا الرسول قوما من "غطفان"، هم من "بني محارب" و "بني ثعلبة"، حتى نزل نخلا فلقي جمعا من "غطفان"، ولم تقع بينهم حرب، وعرفت الغزوة ب "غزوة ذات الرقاع". وكانت هذه الغزوة في أول السنة الثالثة من الهجرة. وعرفت أيضا ب "غزوة ذي أمر" ناحية "النخيل". وكان قد جمعهم رجل يقال له: "دعثور بن الحارث" من "بني محارب"، وهم من الأعراب، فلما وصل الرسول إليهم، هربوا في رؤوس الجبال، ثم أسلم "دعثور" ودعى قومه إلى الإسلام.
وقد تجمع جمع من غطفان بالجناب، وأرادوا مباغتة المسلمين، فوصلت الأنباء بذلك إلى الرسول، فأرسل سرية عليهم فلت ذلك الجمع.

(1/2089)
1/2141


_________________
مصطفى سليمان أبوالطيب الهوارى
مصطفى سليمان أبوالطيب
مصطفى سليمان أبوالطيب
مدير عام

عدد المساهمات : 8782
السٌّمعَة : 27
تاريخ التسجيل : 02/09/2010
العمر : 47

الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام Empty رد: الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

مُساهمة  مصطفى سليمان أبوالطيب الثلاثاء يونيو 18, 2019 3:13 pm

وقد استجابت "غطفان" لدعوة سادات "بني النضير" أمثال: "سلام ابن أبي الحقيق"، و "حيي بن أخطب" و "كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق"، ودعوة نفر من "بني وائل"، فيهم "هوذة بن قيس الوائلي" و "أبو عمار الوائلي"، ولزعماء مكة وعلى رأسهم "أبو سفيان"، فخرجت وقائدها "عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري" في بني فزارة، و "الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري" في "بني مرة" و "مسعود "مسعر" بن رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة الأشجعي" فيمن تابعه من أشجع. واستجابت لهم "بنو سليم"، يقودهم "سفيان بن عبد شمس" وهو أبو "أبي الأعور السلمي"، وانضمت إليهم "بنو أسد" يقودهم "طليحة بن خويلد الأسدي"، وكونوا الأحزاب. وساروا باتجاه المدينة، فوجدوا المسلمين وقد حفروا خندقا حولها، حال بينهم وبين اقتحامها، ووقعت مناوشات، انتهت برجوع الأحزاب. ونجاح المسلمين في الدفاع عن أنفسهم.
ومن رجال "عبس" الذين وفدوا على الرسول "ميسرة بن مسروق" و "الحارث بن ربيع" وهو الكامل، و "قنان بن دارم"، و "بشر بن الحارث بن عبادة" و "هدم بن مسعدة"، و "سباع بن زيد"، و "أبو الحصن بن لقمان"، و "عبد الله بن مالك"، و "فروة بن الحصين بن فضالة". وذكر إن رسول الله سأل نفرا من "عبس" عن "خالد بن سنان"، فقالوا: لا عقا له، فقال: نبي ضيعه قومه، ثم أنشأ يحدث أصحابه حديث خالد.
وقد كتب الرسول إلى "بني زهير بن أقيش" كتابا، أمنهم فيه على أنفسهم وأموالهم. و "بنو أقيش" هم حي من "عكل". و "عكل" من "الرباب". وهم "تيم" و "عدي" و "عكل" و "مزينة" .وذكر إن الرسول كتب لبني اقيش في ركية بالبادية.
ومن ديار "هوازن"، "تربة"، وهي ناحية "العبلاء" على طريق صنعاء ونجران. وتقع في "عجز هوازن". وقد أرسل الرسول عليهم سرية بقيادة "عمر" وذلك سنة سبع للهجرة. وتقع ديار هوازن بغور تهامة إلى إلى بيشة والسراة وحنين وأوطاس.

(1/2090)


وفي جنوب شرقي "حسمى" أقامت بطون "فزارة"، وتنسب إلى "فزارة بن ذبيان بن بغيض بن غيث بن غطفان". وقد اشتركت في حرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان، وفي معارك أخرى، وتعاونت مع يهود خيبر ضد الرسول. ومن رجال "فزارة" "خارجة بن حصن"، وكان فيمن وفد على التي من وفد "بني فزارة" سنة تسع للهجرة.
ومن "بني فزارة" في أيام الرسول "عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر"، أغار على لقاح رسول الله وهي ترعى بالغابة، وهي على بريد من المدينة، فوجه رسول الله جمعا عليه، قتل "مسعدة بن حكمة بن مالك بن حذيفة بن بدر الفزاري" و "حبيب بن عيينة"، ثم لحقهم الرسول ب "ذي قرد"، فوجدهم قد مضوا. وقد نعت النبي "عيينة" ب "الأحمق المطاع في قومه". ومن بني فزارة الذين وفدوا إلى الرسول بعد رجوعه من تبوك سنة تسع للهجرة، "خارجة بن حصن" و "الحر بن قيس بن حصن. وذكر إن "عيينة بن حصن" كان من المؤلفة قلوبهم. شهد حنينا والطائف. وكان أحمق مطاعا دخل على النبي بغير إذن وأساء الأدب، فصبر النبي على جفوته وأعرابيته. وقد ارتد وآمن بطليحة،. ثم أسر، فمن عليه الصديق، ثم لم يزل مظهرا للإسلام. وكان يتبعه عشرة آلاف قناة. وكان من الجرارة. واسمه حذيفة ولقبه عيينة لشتر عينه.
ولما خرج "زيد بن حارثة" في تجارة له إلى الشام، ومعه بضائع لأصحاب رسول الله، وكان دون "وادي القرى" لقيه ناس من "فزارة" من "بني بدر"، فضربوه وأخذوا ما كان معه، فعاد "زيد" إلى المدينة وأخبر الرسول بما حدث. فأعاده مع سرية لغزوهم، فحاصرهم، ولكنهم كانوا قد هربوا، فأسر منهم "فاطمة بنت ربيعة بن بدر" وابنتها "جارية بنت مالك بن حذيفة ابن بدر"، وقتل "النعمان" و "عبد الله" ابنا "مسعدة بن حكمة بن مالك ابن بدر".

(1/2091)


وعلى السنة الجارية بن القبائل، تشتت شمل عشائر غطفان بسبب الحروب التي نشبت بينها من جهة، وبينها وبن بطون خصافة من جهة أخرى. ونعني بخصافة هوازن وسليما. وقد استمر التنافس بين عشائر غطفان وعشائر خصافة إلى ظهور الإسلام، وتميز بحوادث الفتك والاغتيالات، وبرز في هذا النزاع اسم "دريد بن الصمة" وهو من هوازن، ومعاوية وصخر أخوي الخنساء وهما من سليم.
ولما انتقل الرسول إلى جوار ربه، ارتد كثير من غطفان، وأيد بعضهم طليحة، ولم يرجعوا إلى الإسلام إلا بعد انتصاره على المرتدين.
وكان من وجوه "بني عامر بن صعصعة"، عامر بن الطفيل، وأريد بن قيس بن مالك بن جعفر، "أريد بن ربيعة بن مالك بن جعفر"، وجبار بن سلمى بن مالك، وكان هؤلاء رؤوس القوم وشياطينهم. وقد وفدوا على الرسول. ولم يسلم "عامر بن الطفيل"، بل رجع كافرا ومات على الشرك. وكان معجبا بنفسه، جريئا على الناس، من الفرسان. طلب من الرسول إن يجعل الأمر له من بعده في مقابل إسلامه، أو إن يقتسم معه الحكم على الناس مناصفة، فيكون الرسول حكم أهل الوبر، وله حكم أهل الوبر. فما قال له الرسول: " لا، ولكني أجعل لك أعنة الخيل فإنك امرؤ فارس" قال: أوليست لي? لأملأنها خيلا ورجالا. ثم ولى، فلما كان في طريقه إلى منازله مرض وهلك.

(1/2092)


وكان "أبو براء عامر بن مالك بن جعفر" المعروف ب "ملاعب الأسنة الكلابي"، بعث إلى رسول الله إن ينفذ إليهم قوما يفقهونهم ويعرضون عليهم الإسلام وشرائعه، فبعث إليهم قوما من أصحابه. فعرض لهم "عامر بن الطفيل" يوم بئر معونة فقتلهم أجمعين. واغتم "أبو براء" لاخفار عامر بن الطفيل ذمته في أصحاب رسول الله، ثم تود بعد ذلك بقليل. وكان سيد "بني عامر ابن صعصعة" في أيامه. و "بئر معونة"، أرض بين أرض "بني عامر" و "حرة بني سليم"، وهي إلى حرة بني سليم أقرب. وقد استصرخ "عامر بن الطفيل" جماعة من "بني سليم" و "عصية" و "رعلا" و "ذكران" فنفروا معه على المسلمين.
ولما أرسل "أبو بكر" "خالد بن الوليد" إلى "بني عامر بن صعصعة"، لم يقاتلوه ودفعوا الصدقة. وكان "قرة بن هبيرة" القشري امتنع من أداء الصدقة، وأمد "طليحة الأسدي"، فأخذه خالدا، فحمله إلى "أبي بكر" فحقن أبو بكر دمه.
ومن بني "عامر بن صعصعة "، بنو "رؤاس بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة". ومنهم "عمرو بن مالك بن قيس" الذي وفد على الرسول فأسلم. ومنهم "بنو البكاء". ووفد وفد من "بني البكاء" على الرسول كان فيه "معاوية بن ثور بن عبادة بن البكاء" و "الفجيع بن عبد الله بن جندح بن البكاء" و "عبد عمر البكائي"، وهم الأصم.
وتقع ديار "بني عامر بن صعصعة" في الأقسام الغربية من نجد وتمتد إلى الحجاز. وذكر انهم كانوا يصيفون بالطائف لطيب هوائها، فلما اشتد عود ثقيف وقوي أمرهم، منعوهم منها، واستقلوا بها وحدهم.

(1/2093)


ويرجع نسب "بني سليم" إلى "قيس عيلان"، وتقع منازلها في مواطن حرار ذات مياه ومعادن عرفت ب "معدن سليم". وكانوا يجاورون عشائر غطفان وهوازن وهلال. ولخيرات أرضهم ووقوعها في منطقة مهمة تهيمن على طرق التجارة، صارت بنو سليم من القبائل الغنية. وكانت صلاتها حسنة بيهود يثرب، كما كانت صلاتها وثيقة بقريش.. وقد تحالف عدد كبير من رجالات مكة مع بني سليم، واشتغلوا معهم في الاستفادة من المعادن والثروة في أرض سليم.
وقد قدم رجل من "بني سليم" اسمه "قيس بن نسيبة"، على الرسول فأسلم، ذكر انه كان على علم بلسان الروم وبهينمة الفرس، وبأشعار العرب، وانه كان ذا حظ بثقافة ذلك اليوم. فلما رجع إلى قومه، وكلمهم بالإسلام، اقتنعوا بحديثه فأسلم منهم عدد كبير، وذهب وفد عنهم إلى الرسول، فيه "العباس بن مرداس" و "أنس بن عياض بن رعل" و "راشد بن عبد ربه"، فأسلموا على يديه. وكان "راشد" يسدن صنما لبني سليم. وكان اسمه "غاوي"، وكان قد رأى ثعلبين يبولان على صنمه فشد عليه فكسره، ثم جاء مع الوفد إلى الرسول فأسلم، وسماه الرسول "راشدا" على طريقته في تغييره أمثال هذه الأسماء. وأعطاه الرسول "رهانا"، وفيها عن ماء.
ويذكر أهل الأخبار، إن سيدا من سادات "بني شليم"، اسمه "قدر ابن عمار"، كان قد قدم على النبي بالمدينة فأسلم، وعاهده على إن يأتيه بألف من قومه، فلما ذهب إلى قومه، وعاد ليأتي إلى للرسول برجاله، نزل به الموت، فأوصى إلى رهط من "بني سليم" بالذهاب إلى الرسول، هم "عباس ابن مرداس" و "جبار بن الحكيم" و "الأخنس بن يزيد" وأمر كل واحد منهم على ثلاثمائة، ليقدموا على الرسول، ثم جاء من بعدهم "المنقع بن مالك ابن أمية" وهو على مائة رجل، فصار عددهم ألفا.

(1/2094)


وكتب الرسول إلى "سلمة بن مالك بن أبي عامر" السلمي" من "بني حارثة"، انه أعطاه مدفوا لا يحاقه فيه أحد. وأعطى "العباس بن مرداس" "مدفوا"، لا يحاقه فيه أحد، كتبه له العلاء بن عقبة، وشهد عليه. ويظهر إن "سلمة بن مالك السلمي"، الذي ذكر "ابن سعد" إن الرسول "أعطاه ما بين ذات الحناظى إلى ذاتا الأساور"، هو "سلمي بن مالك بن أبي عامر" المتقدم.
وكان العباس بن مرداس يهاجي "ضاف بن ندبة السلمي" أحد الشعراء المعروفين. ثم تمادى الأمر إلى إن احتربا، وكثرت القتلى بينهما، ولما تماديا في هجائهما، ولم يسمعا نصيحة "الضحاك بن عبد الله السلمي"، وهو يومئذ صاحب أمر بني سليم، ولجا في السفاهة، خلعتهما بنو سليم. ثم أتاهما "دريد ابن الصمة" و "مالك بن عوف النصري" رأس، هوازن، وأصلحا بينهما. واستراح منهما بنو سليم.
وأسلم "العباس بن مرداس" قبل فتح مكة وحضر مع النبي يوم الفتح في جمع من "بني سليم" بالقنا والدروع على الخيل. وله ولد اسمه جلهمة، روى عن النبي. ويروى إن العباس بن مرداس، شهد حنينا على فرسها العبيد، فأعطاه التي أربع قلايص، فقال العباس: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع، فقال النبي: "اقطعوا عني لسانه، فأعطوه ثمانين أوقية فضة". وكان فيمن اشترك مع العباس بن مرداس من قومه في فتح مكة. "أنس بن عباس بن رعل" و "راشد بن عبد ربه"، وقد طلب العباس وقومه من الرسول، إن يجعل لهم لواء أحمر. وشعارا مقدما، ففعل ذلك بهم. وكان للعباس أخ اسمه "عمرو بن مرداس"، ويعد مثل أخيه في جملة المؤلفة قلوبهم كذلك.

(1/2095)


وأعطى الرسول "هوذة بن نبيشة السلمي" من "بني عصية". "ما حوى الجفر كله". وكتب للأجب رجل من "بني سليم" "انه أعطاه فالسا"، وكتب كتابه وشهد عليه "الأرقم". وأعطى الرسول "راشد بن عبد السلمي". "غلوتين بسهم. وغلوة بحجر برهاط" "لا يحاقه فيها أحد". كما أعطى "حرام بن عبد عوف" من "بني سليم" "إذاما وما كان له من شواق".
ومن "بني سليم" "نبيشة بن حبيب"، قاتل "ربيعة بن مكدم" الكناني. وكان فارس كنانة.
ويذكر إن الردة لما وقعت بوفاة الرسول، جاءت "بنو سليم" إلى "أبي بكر"، فطلبوا منه إن يمدهم بالسلاح لمقاتلة المرتدين، فأمر لهم بسلاح، فأقبلوا يقاتلون "أبا بكر": فبعث أبو بكر خالد بن الوليد عليهم، وجعلهم في حظائر ثم أضرم عليهم النيران.
ومن ديار "بني سليم" معدن بني سليم، وهو منزل كثير الأهل فيه أعراب بني سليم، وماؤه من "البرك"، وهي قرى قديمة. قد غزا الرسول على رأس ثلاثة وعشرين شهرا من مهاجره "قرقرة الكدر" "قراقرة الكدر"، ناحية معدن "بني سليم" بينه وبين المدينة ثمانية برد، وذلك لما سمع إن بهذا الموضع جمعا من "بني سليم" و "غظفان"، فلما لم يجد أحدا، اخذ ما عثر عليه من جمال تعود إليهم، كانت ترعى هناك، ورجع إلى المدينة. وغزا الرسول في السنة الثالثة من الهجرة موضعا آخر من مواضع "بني سليم" اسمه: "بحران" من ناحية الفرع، وهي قرية من ناحية المدينة، لما بلغه إن بها جمعا كثيرا من "بني سليم".

(1/2096)


وكانت منازل عجز هوازن بموضع شربة. ومن رجال "هوازن" في أيام الرسول "مالك بن عوف النصري" أحد بني نصر. وهو الذي جمع جموع هوازن وثقيف وأقبل عامدا إلى النبي، حتى وافاه ب "حنين" فوقعت غزوة حنين. وقد جمعه نصر وجشم كلها وسعد بن بكر وناس من بني هلال، وهم قليل، ولم يشهدها من قيس عيلان الا هؤلاء وغابت عنها فلم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب. وفي جشم "دريد بن الصمة"، شيخ كبير، ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب. وكان شيخا كبيرا مجربا، وفي ثقيف سيدان لهم في الأحلاف: قارب بن الأسود بن مسعود، وفي بني مالك ذو الخمار سبيع بن الحارث وأخوه الأحمر بن الحارث في بني هلال.
وبنو سليم أيضا قبائل، منها: بنو ذكوان، وبنو بهثة، وبنو سمال، وبنو بهز، وبنو مطرود. وبنو الشريد، وبنو قنفذ، وبنو عصية، وبنو ظفر. وقد نجلت هذه القبائل رجالا عرفوا في الجاهلية والإسلام، منهم: العباس بن مرداس الشاعر الشهير، ممن شهدوا معركة حنين مع الرسول، ومجاشع بن مسعود ممن قاد الجيوش. وهو من المهاجرين، والعباس بن انس الأصم من فرسان الجاهلية، ورجال آخرون. ولسليم شقيق في عرف النسابين اسمه "مازن" 0 إما أبوهما فهو منصور.
و "جهينة" بطن مثل "بلي" و "بهراء" و "كلب" و "تنوخ" من بطون "قضاعة"، كانت ديارها في نجد، ثم هاجرت إلى الحجاز، فسكنت على مقربة من يثرب في المنطقة التي بين البحر الأحمر ووادي القرى، عند ظهور الإسلام. وقد دخلت في الإسلام في حياة الرسول ولم تشترك مع من أشرك في الردة بعد وفاته. وينسب النسابون جهينة إلى صحار والد جهينة، ومن بطونها بنو حميس.

(1/2097)


ومن ديار "جهينة"، موضع "بواط"، وهو من "جبال جهينة" من ناحية "رضوى" قريب من "ذي خشب" مما يلي طريق الشام. وبن "بواط" والمدينة نحو أربعة برد. ويمر به طريق إلى بلاد الشام. ولما سمع الرسول، وهو على رأس ثلاثة عشر شهرا من مهاجره، إن قافلة لعير قريش" فيها أمية بن خلف الجمحي ومئة من رجال قريش وألف وخمسمائة بعير، تمر من هناك، خرج في مئتين لاعتراضها، ولكنها فرت ونجت، فلم تقع في الأسر.
وكان في جملة من وفد على الرسول من جهينة" "عبد العزى بن بدر بن زيد بن معاوية الجهني" من "بني الربعة بن رشدان بن قيس بن قيس بن جهينة"، ومعه أخوه لأمه "أبو روغة". وكان لهم واد اسمه "غوي". ومن "بني جهينة" "بنو دهمان" ومنهم "عمرو بن مرة الجهني"، وكان سادن صنمهم، فأسلم وكسر الصنم، وقدم المدينة، وأعلن إسلامه أمام الرسول.
وقد كتب الرسول كتابا لبني زرعة وبني الربعة من جهينة، أمنهم فيه على أنفسهم وأموالهم. كما كتب لعوسجة بن حرملة الجهني من "ذي المروة"، وقد "أعطاه ما بين بلكثة إلى المصنعة إلى الجفلات إلى الجد جبل القبلة لا يحاقه أحد"، وشهد على صحة الكتاب وكتبه "عقبة" كما كتب الرسول كتابا لقوم آخرين من جهينة، هم من "بني شنخ"، وقد "أعطاهم ما خشوا من صفينة وما حرثوا"، وكتب الكتاب وشهد عليه "العلاء بن عقبة". كما كتب الرسول كتابا لبني الجرمز بن ربيعة، وهم من "جهينة"، كتبه المغيرة. وكتب كتابا ل "عمرو بن معبد الجهني" و "بني الحرفة" من جهينة وبني الجرمز، أهم ما جاء فيه "وما كان من الدين مدونة لأحد من المسلمين قضى برأس المال وبطل الربا في الرهن. وأن الصدقة في الثمار العشر"، ويظهر من ذلك أن هذا الكتاب قد دون بعد نزول الأمر بتحريم الربا.

(1/2098)


وبلي من قبائل قضاعة كذلك، وتنسب إلى بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة. وتقع ديارها على مقرية من تيماء بين ديار جهينة وديار "جذام"، وهي مثل اكثر قبائل قضاعة، لا نعرف من تأريخها في الجاهلية شيئا يذكر. أما في أول ظهور الإسلام، فقد اشتركت مع القبائل النصرانية في جانب الروم ضد المسلمين. ومنهم "مالك بن رافلة"، قائل "زيد بن حارثة" يوم "مؤتة".
وفي سنة ثمان من الهجرة أرسل الرسول "عمرو بن العاص" إلى ارض "بلي" و "عذرة"، فلما بلني موضع "السلاسل" خاف، فبعث إلى رسول الله يستمده، فأمده بجماعة من المهاجرين الأولين، فيهم "أبو عبيدة بن الجراح" و "أبو بكر" و "عمر" وقد عرفت تلك الغزوة ب "ذات السلاسل".
وقد دخل دين يهود فرعت من بلي ينسب إلى "حشنة بن اكارمة"، وسكن على مقربة من تيماء مع يهود، وظل في هذا الدين وفي هذه الديار إلى إن أمر "عمر" باجلائهم عنها في الإسلام.
وقد وفد نفر من "بلي" على الرسول، وكان "شيخ الوفد" "أبو الضباب" "أبو الضبيب" فأسلم وأسلم من كان معه، ثم عادوا إلى ديارهم.
وتقع إلى الجنوب من ديار "بلي" ديار "مزينة"، وهي في الشرق من منازل "جهينة" والى الغرب من ديار "سعد" والى الشمال من بلاد "خزاعة". ويرجع نسب "مزينة" إلى "مضر". وقد وفد قوم منهم إلى الرسول فيهم "خزاعي بن عبد نهم" فبايع الرسول على قومه مزينة، وقدم معه جماعة من أعيان مزينة منهم" "بلال بن الحارث" و "النعمان بن مقرن" و "عبيد الله ابن بردة"، و "عبد الله بن درة"، و "بشر بن المحتقر". و "خزاعي" هو الذي حمل لواء مزينة يوم الفتح، وكانوا يومئذ ألف رجل، وهو أخو المغفل أبي عبد الله بن المغفل وأخو عبد الله ذي البجادين.

(1/2099)


وأما وادي القرى، فهو واد كثرت قراه، لذلك قيل له وادي القرى وأهله عرب ويهود. وهو من المواضع المعروفة بالخصب في جزيرة العرب، وبه عيون وآبار.. لذلك اشتهر بالعمار منذ أيام ما قبل الميلاد. فنزلت به قبائل عديدة، منه قوم ثمود. وقد جلب خصب هذا الوادي أنظار من نزح إليه من اليهود، فحفروا فيه الآبار وأساحوا العيون، وزرعوا فيه النخيل والحبوب، وعقدوا بينهم حلفا وعقدا. ودفعوا عنه قبائل بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وغيرهم من القبائل. وعقدوا لهم أحلافا مع القبائل القوية، لتحميهم ولتدافع عنهم، مقابل جعل سنوي.
وقد غزا الرسول بعد فراغه من خيبر هذا الوادي، فقاتله أهله، ففتحه عنوة، وترك الرسول النخل والأرض في أيدي اليهود، وعاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر.
وكانت "فدك" حكومة مستقلة كسائر الواحات والقرى في أعالي الحجاز، أهلها من اليهود، وعليهم في أيام الرسول "يوشع بن نون اليهودي"، واليه بعث "محيصة بن مسعود" لدعوته ولدعوة قومه إلى الإسلام، وبها قوم من "بني مرة". وقوم من "بني سعد بن بكر".
وكان أهل خيبر من يهود كذلك، يتحكم فيهم رؤساء منهم، ولهم حصون وآطام تحمي أموالهم ومساكنهم، فتحت في أيام الرسول بسبب معاداة أهلها للإسلام واتفاقهم مع المشركين. وكان يظاهرهم "غطفان". ومن حصونهم "حصن ناعم" و "حصن القموص"، حصن "أبي الحقيق"، و "الوطيح" و "السلالم"، وكان آخر حصون خيبر و "الشق" و "النطاة".
وكاتب الرسول "بني غاديا"، وهم قوم من يهود. وكتب كتاب رسول الله إليهم: "خالد بن سعيد". وكتب "خالد" كتابا آخر إلى "بني عريض" وهم أيضا قوم من يهود، حدد لهم الرسول ما افرضه عليهم، يؤدونه لحينه في كل عام.

(1/2100)


_________________
مصطفى سليمان أبوالطيب الهوارى
مصطفى سليمان أبوالطيب
مصطفى سليمان أبوالطيب
مدير عام

عدد المساهمات : 8782
السٌّمعَة : 27
تاريخ التسجيل : 02/09/2010
العمر : 47

الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام Empty رد: الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

مُساهمة  مصطفى سليمان أبوالطيب الثلاثاء يونيو 18, 2019 3:13 pm



وكان يهود "بنو قينقاع"، قد تحالفوا مع الأوس والخزرج، تحالفوا مع "عبد الله بن أبي سلول"، كما تحالفوا مع "عبادة بن الصامت"، وكانوا صاغة، ولهم سوق عرف ب "سوق بني قينقاع"، وكانوا أشجع يهود. فلما كانت وقعة "بدر"، اظهروا ميلا إلى قريش، فحاصرهم الرسول، ثم غلبهم فأجلاهم عن ديارهم ولحقوا بأذرعات ومن منازل "بني لحيان" موضع "غزان"، واد بين أمج و عسفان إلى بلد يقال له "ساية". وهو موضع مرتفع غزاه الرسول غزوته التي عرفت ب "غزوة بني لحيان" في سنة ست للهجرة. وكان بنو لحيان ومن لأفهم من غيرهم قد استجمعوا، فلما بلغهم إقبال الرسول إليهم هربوا، فلم يلق كيدا. واعتصموا في رؤوس الجبال، فلم يقدر منهم على أحد. ولم تستطع السرايا إن تقبض على أحد منهم، فرجع الرسول.
وأقام "القرطاء"، وهم ". بنو قرط"، "قريط" من "بني. كلاب"، بناحية "ضرية"، فبعث رسول الله عليهم "محمد بن مسلمة"، فاستاق إبلا وغنما منهم، وهرب القرطاء. وقد أرسل الرسول "أبا بكر" لغزو "بني كلاب" بنجد، وذلك سنة سبع للهجرة، وذكر انه غزا "بني فزارة". وأرسل عليهم سنة تسع "الضحاك بن سفيان الكلابي"، ومعه "الأصيد بن سلمة بن قرط"، فلقيهم "بالزج" موضع بنجد، وتغلب على "القرط".
ولما غزا الرسول غزوة "الأبواء"، وهي غزوة "ودان"، وكانت أول غزوة غزاها الرسول، وادعه "مخشي بن عمرو الضميري"، وكان سيد "بني ضمير" "بني الضمير" في ذلك الوقت. والأبواء قرية من أعمال "الفرع" من المدينة، بينها وبين "الجحفا" مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلا.
وتقع ديار "بني مدلج" بناحية "ينبع"، ومن أرضهم "ذو العشيرة"، وهو لبني مدلج. وقد غزاهم الرسول غزوته المعروفة ب "ذي العشيرة" على رأس ستة عشر شهرا من مهاجره، فوادعهم ووادع حلفاءهم من "بني سمرة". ويظهر إن هذا الموضع إنما سمي ب "ذي العشيرة"، نسبة إلى الصنم "ذو العشيرة"، كان له معبد في هذا المكان، فعرف به.

(1/2101)


ومن القبائل التي أقامت على مقربة من مكة "خزاعة"، ومن رجالهم عند ظهور الإسلام، "عمرو بن الحمق" الكاهن، صحب النبي وشهد المشاهد مع "علي" وقتله "معاوية" بالجزيرة. وكان رأسه أول رأس نصب في الإسلام. و "عمرو بن سالم الخزاعي"، الذي جاء إلى الرسول يشكو تظاهر "بنو بكر ابن عبد مناة بن كنانة" وقريش على خزاعة، ونكث قريش عهدهم الذي قطعوه للرسول ألا يظاهروا أحدا على خزاعة، فكان ذلك من عوامل فتح مكة.
ومن رجال خزاعة "بديل بن ورقاء بن عبد العزى"، شريف كتب إليه النبي يدعوه إلى الإسلام، وكان له قدر في الجاهلية بمكة. ومن بطون خزاعة "بنو المصطلق"، وعرفوا ب "بلمصطلق" أيضا، وقد كانوا ينزلون ب "المريسيع"، وهو ماء لهم، من ناحية "قديد" إلى الساحل. وقد كان . قائدهم وسيدهم "الحارث بن أبي ضرار"، أبو "جويرية"، التي تزوجها النبي بعد إن خرج إليهم في غزوة "بني المصطلق" من سنة ست. وهم من "خزاعة". وكان "الحارث" قد سار في قومه ومن قدر عليه من العرب، ودعاهم إلى حرب الرسول. فلما وصل الرسول إلى "المريسيع"، تفرق من كان مع الحارث من العرب. وتغلب الرسول على "بني المصطلق" وأخذ منهم أسرى وغنائم، وكانت "جويرية" في جملة من وقع في الأسر فتزوجها الرسول. ومن بطون خزاعة "بنو الملوح"، وكانوا ب "الكديد".
وكان في جمله من يقيم بتهامة "بنو جذيمة بن عامر بن عبد مناة"، ومن مياههم "الغميصاء". ولما توفي الرسول تجمعت بتهامة جموع من مدلج، تأشب إليهم شذاذ من خزاعة وأفناء من كنانة، عليهم جندب بن. سلمي، أحد "بني شنوق"، من بني مدلج، فحاربهم "خالد بن أسيد" وشتت شملهم، وأفلت جندب، ثم ندم على ما صنع.

(1/2102)


وكتب الرسول لقوم من "أهل تهامة"" بديل وبسر وسروات بني عمرو، ذكر فيه انه لم يأثم مالهم، ولم يضع في جنبهم، ثم قال لهم: "وان أكرم أهل تهامة علي وأقربهم رحما مني أنتم ومن تبعكم من المطيبين". ثم أخبرهم إن "علقمة بن ثلاثة" قد أسلم. وأسلم "ابنا هوذة وهاجرا وبايعا على من تبعهم من عكرمة".
وينقل "ابن سعد" صورة كتاب كتبه "أبي بن كعب" وجهه "لجماع كانوا في جبل تهامة قد غصبوا المارة من كنانة ومزينة والحكم والقارة ومن اتبعهم من العبيد"، فلما ظهر رسول الله، وقوي أمره، وفد منهم وفد على النبي، فكتب لهم كتابا جاء فيه: "هذا كتاب من محمد النبي رسول الله لعباد الله العتقاء. انهم إن آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فعبدهم حر ومولاهم محمد. ومن كان منهم من قبيلة لم يرد إليها. وما كان فيهم من دم أصابوه أو مال أخذوه، فهو لهم. وما كان لهم من دين في الناس رد إليهم، ولا ظلم عليهم ولا عدوان".
ويظهر من مضمون هذا الكتاب، ومن بيان أهل الأخبار عن الذين كانوا قد اعتصموا في جبل تهامة، انهم كانوا من الخارجين على الأعراف، ومن الرقيق الآبق، تجمعوا في هذا المكان المرتفع وتحصنوا وأخذوا يغتصبون منه المارة. وبقوا على ذلك حتى ظهر الرسول على أعدائه، فوجدوا إذ ذاك انهم لن يتمكنوا بعد ظهور الرسول من الاستمرار في التحرش بالمارة والتحرز بهذا الجبل، وان ظروفا جديدة قد ظهرت، ستؤمن لهم سبل العيش، وان الرسول سيعفو عنهم ويغفر لهم ما وقع منهم قبل الإسلام، فجاؤوا إليه وأسلموا عند. وكتب لهم كتاب أمان بذلك.
ومنازل "كنانة" بتهامة، وهم فيها قبل الإسلام بأمد طويل.
و "علقمة بن علاثة"" هو "علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب". وهو الذي نافر "عامر بن الطفيل" عند "هرم بن قطبة بن سنان".
وأما "ابنا هوذة" فهما: العداء وعمرو ابنا خالد بن هوذة من بني عمرو ابن ربيعة بن عامر بن صعصعة.

(1/2103)


وأما "عكرمة"، فعكرمة بن خصفة بن قيس عيلان. وذكر إن مراد الرسول ب "ومن تبعكم من المطيبين"، "بنو هاشم" وبنو زهيرة، وبنو الحارث بن فهر، وتيم بن مرة، وأسد بن عبد العزى.
وكتب الرسول إلى "العداء بن خالد بن هوذة"، ومن تبعه من "عامر ابن عكرمة"، انه "أعطاهم ما بين المصباعة إلى الزح ولوابة". يعنى لوابة الخرار. وكتب لهم الكتاب: خالد بن سعيد.
ومن منازل "هذيل" "الرجيع"، وهو ماء لهم. ويقع إلى الشرق من "هذيل" ديار "ضبة" وديار "عبد مناة"، وأما في جنوبها فتقع ديار "خثعم" وثقيف، وتمتد ديارها في الشمال حتى تتصل بديار "بني سليم"، ومن "هذيل" "سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي"، وكان قد جمع جمعا ليغزو به الرسول، وكان قد نزل "نخلة" أو "عرنة"، موضع بقرب عرفة، أو قرية بوادي عرفة، فأرسل رسول الله إليه "عبد الله بن أنيس" فقتله. ومن القبائل المجاورة لهذيل: "فهم" و "عدوان" وكانت ديارهم بالسراة.
وممن كتب إليهم الرسول، ودون "ابن سعد" صور كتبه إليهم: "سعيد ابن سفيان الرعلي"، وقد أعطاه الرسول "نخل السوارقية وقصرها، لا يحاقه فيها أحد". وكتب الكتاب وشهد عليه "خالد بن سعيد". و "عتبة بن فرقد"، وقد أعطاه الرسول موضع دار بمكة، يبنيها مما يلي المروة.

(1/2104)


على هذا النحوا كان الوضع السياسي في جزيرة العرب عند ظهور الإسلام وفي أوائل أيامه" قوى مستقلة تخشى القبائل المحيطة بها. وأذواء وأقيال في اليمن وحضرموت ورؤساء قبائل يتحكمون في مناطق نفوذ قبائلهم، ويعيشون على ما يأخذونه من أتباعهم من حق الرئيس على المرؤوس في السلم وفي الحرب، وهم فيما بينهم في خصام وتنافس، لم تتركهم الخصومة من الانصراف إلى شؤون رعيتهم، وهم أنفسهم لم يفكروا في الانصراف إلى ذلك. فتدهورت الأحوال، وظهر أفراد ينادون بإصلاح الحال، وبالتفكير في تحسين الأوضاع وبالتعقل. وكان الصراع بين الفرس والروم، قد جسر الأعراب على الدولتين. وأخذت النصرانية ترسل المبشرين إلى العرب، لنشر النصرانية بينهم. وتغلب القلم المتصل الحروف، الذي صار قلم العرب والإسلام على القلم المنفصل الحروف، قلم العرب القدم، القلم المسند. وانتشر في مكة ويثرب. ونادى الأحناف بنبذ الوثنية والأوثان. ونزل الوحي على الرسول في أول العشر الثاني من القرن السابع للميلاد. وظهر الإسلام داعيا العرب وغيرهم إلى الإيمان بإله واحد خالق لهذا الكون. وبرسالة رسوله وبما جاء به من أوامر وأحكام. فكان ظهوره نهاية للجاهلية، وبداية لعهد جديد، عهد الإسلام.
وبظهور الإسلام على أعداثه في جزيرة العرب، وبقضائه على أهل الردة، أوجد لجزيرة العرب وجها جديدا. من وجوه الحياة، لم تشهده في حياتها ولم تعرفه. فقد أوجد الإسلام لأهلها موارد غنية من موارد الرزق، وبسط لهم الأرض من الصين إلى المحيط "الاطلانطي" وأخرج سكانها من ديارهم الفقيرة وأنزلهم في ديار غنية كثيرة السكان. وعرفوا بذلك نظما لم تكن مألوفة عندهم، وأمما لم يسمع أكثرهم بها، وخرج المؤمنون الأولون والمؤلفة قلوبهم ومن دخل الإسلام وقلبه غير مطمئن به، إلى خارج جزيرة العرب يحكمون باسم الإسلام. حدث كل ذلك في مدة لا تعد طويلة بالنسبة إلى ما وقع فيها من أحداث.

(1/2105)


فالإسلام، إذن نهاية حياة قديمة، وبداية حياة جديدة، تختلف عن الحياة الأولى كل الاختلاف.
الفصل الخامس والأربعون
المجتمع العربي
المجتمع العربي: بدو وحضر. أهل وبر وأهل مدر، يتساوى في هذه الحال عرب الشمال وعرب الجنوب وعرب جميع أنحاء جزيرة العرب الأخرى.
وقسم بعضهم عرب الجاهلية إلى ملوك وغير ملوك. وقسموا سائر الناس بعد الملوك إلى طبقتن: أهل مدر وأهل وبر. فأما أهل المدر، فهم الحواضر وسكان القرى، وكانوا يعيشون من الزرع والنخل والماشية والضرب في الأرض للتجارة. وإما أهل الوبر، فهم قطان الصحارى يعيشون من ألبان الإبل ولحومها، منتجعين منابت الكلأ، مرتادين لمواقع القطر، فيخيمون هنالك ما ساعدهم الخصب وأمكنهم الرعي، ثم يتوجهون لطلب العشب وابتغاء المياه، فلا يزالون في حل وترحال.
ويعرف الحضر، وهم العرب المستقرون ب "أهل المدر"، عرفوا بذلك لأن أبنية الحضر إنما هي بالمدر. والمدر: قطع الطين اليابس. قال "عامر للنبي، صلى الله عليه وسلم: لنا الوبر ولكم المدر"، فعنى به المدن أو الحضر. ومن هنا قيل للحضر: بنو مدراء. وورد في حديث "الجساسة والدجال": "تبعه أهل الحجر وأهل المدر، يريد أهل البوادي الذين يسكنون مواضع الأحجار والرمال، وأهل المدر، أهل البادية". ويظهر من روايات أخرى إن "أهل، المدر" هم أهل البادية. ولكن أكثرها إن "أهل المدر"، هم الحضر، لأن اتخاذ بيوت المدر لا يكون في البادية، بل في الحضر.
وورد أن أهل البادية إنما قيل لهم "أهل الوبر"، لأن لهم أخبية الوبر. تمييزا لهم عن أهل الحضر الذين لهم مبان من المدر، ومن هنا قيل للقرية "المدرة"، لأنها مبنية بالطين واللبن، وذكر إن "المدرة" القرية والمدينة الضخمة أيضا، لأن المدن تبنى بالمدر أيضا. ومن هنا قيل للحضر عموما: بنو مدراء.

(1/2106)


ويذكر علماء اللغة إن الحضر والحاضرة والحضارة خلاف البادية والبداوة والبدو. والحضارة الإقامة في الحضر. والحاضر والحضر هي المدن والقرى والريف، سميت بذلك لأن أهلها حضروا الأمصار ومساكن الديار التي يكون لهم بها قرار. وقد عرفوا بأهل القارية، وذلك في مقابل أهل البادية،. لأهل البدو.
و "أهل القرار"، هم الحضر، لأنهم اختاروا القرار وأحبوا الاستقرار والإقامة في مكان واحد. ولأن الطبيعة حبتهم بكل شيء يغري على الارتباط بالأرض، ولو ولد الأعرابي بين الحضر وتوفر لديه ما يؤمن له رزقه الدائم في مكانه الذي ولد فيه، لما تنقل وارتحل، ولصار حضريا من دون شك مثل سائر أهل الحضر. ولكن الطبيعة حرمته من نعم الاستقرار، فصار بدويا يتتبع العشب والماء. فالطبيعة هي المسؤولة عن البداوة وعن انتشارها في جزيرة العرب.
ومن هنا قيل للحضري الذي لا ينتجع ويكون من أهل الأمصار "القراري". ولما كان أكثر "أهل القرار"، هم من الصناع، قبل لكل صانع "قراري". وذكر بعض علماء اللغة إن "القراري": الخياط. واستشهدوا على ذلك ببيت شعر للأعشى، هو: يشق الأمور و يجتابها كشق القراري ثوب الردن
وذكر بعض آخر انه القصاب. وقد تجوز الناس فيما بعد، فقالوا" خياط قراري، ونجار قراري.
ويقال لساكن القرية القاري، كما يقال لساكن البادية البادي. والقارية سكنة القرى أي خلاف. البادية والأعراب. والقرية كل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ قرارا. وتقع على المدن وغيرها. و سكانها من الحضر. ويذكر علماء اللغة إن "المدينة من مدن، بمعنى أقام بمكان. ويراد بها الحصن يبنى في اصطمة الأرض. و تقابلها لفظة "مدينتو" في الارمية. و "هكرن" "هكر" "هجر" في العربية الجنوبية. وأما "البلدة"، فذكر علماء اللغة إنها كل موضع أو قطعة من الأرض مستحبزة عامرة أو عامرة ؛ خالية أو مسكونة. فالبلدة، إذن من مواطن الحضر أيضا.

(1/2107)


وقد كان من الصعب التمييز عند الشعوب القديمة بين القرى والبلدان والمدن. وكل بلدة أو مدينة كانت قرية في الأصل، أي مستوطنة صغيرة غير محصنة، وعندما ازداد عدد سكانها، وكثر عمرانها ومالها لأسباب عديدة، توسعت وحصن أهلها أنفسهم بحصون وبأطم أو بسور وخندق يحيط به لمنع العدو من الدنو منها. و بهذه التحصينات و بكثرة عدد. السكان تميزت هذه المستوطنات السكنية بعضها عن بعض، و لهذا كانت الشعوب القديمة لا تطلق لفظة "مدينة" إلا على القرى المحصنة المسورة، وفي ضمن هذه الشعوب العرب.
وتطلق لفظة "عرب" على أهل المدر خاصة، أي على الحضر و "الحاضر" و "الحاضرة" من العرب، أما أهل البادية، فعرفوا ب "أعراب". مع إن كلمة "العرب" قد أطلقت في لغتنا لتشمل العربين" عرب الحاضرة وعرب البادية ويظهر إن هذا الإطلاق إنما وضع قبيل الإسلام. فقد سبق لي أن بينت في الجزء الأول من هذا الكتاب تاريخ كلمة "عرب"، وبينت كيف تطورت اللفظة إلى ظهور الإسلام، وقد رأينا إنها كانت تعني أهل البادية، أي الأعراب في الأصل. أما الحضر فعرفوا بأسماء أماكنهم أو قبائلهم، وآية ذلك أن التوراة والكتابات الآشورية والبابلية بل والجاهلية، أي الكتابات العربية التي تعود إلى ما قبل الإسلام، كانت كلها إذا ذكرت الحضر، ذكرتهم بأسمائهم، ولم تطلق عليهم لفظة "عرب، أما إذا ذكرت أهل البادية، فأنها تستعمل لفظة "عرب" و "عربي"، أي أعراب وأعرابي مع أسمائهم، وذلك مثل "جندب"، وهو رئيس قبيلة، وقد حارب الآشوريين، فقد دعي في الكتابات الآشورية ب "جندب العربي"، أو " جندب الأعرابي" بتعبير أصح، ومثل "جشم" الذي نعت في سفر "نحميا" من أسفار التوراة بي "جشم العربي" اشارة إلى كونه من الأعراب، لا من الحضر، وهو من الملوك كما سبق أن تحدثت عنه في الجزء الأول من هذا الكتاب إلى غير ذلك من أمثلة تحدثت عنها في أثناء حديثي عن لفظة عرب.

(1/2108)


أما "يقطن" وهو "قحطان" ونسله مثل" سبأ وحضرموت. و أما "إسماعيل" ونسله، وأما أهل "تيماء" و "مدين" وأمثالهم، فلم تطلق التوراة عليهم لفظة "عرب"، لأنهم لم يكونوا أعرابا، بل كانوا حضرا، ولهذا ذكرتهم بأسمائهم، فاستعمال "عرب" إذن بمعنى أهل الحاضر والحاضرة، أو أهل المدر، هو استعمال متأخر، ظهر بعد الميلاد.
لقد ذهب علماء العربية كما سبق إن بينت في الجزء الأول من هذا الكتاب، إلى إن العربية هي لغة "يعرب"، وهو أول من أعرب بلسانه على حد قولهم، وذهبوا إلى إن العدنانيين متعربون، ولم يكونوا عربا في الأصل، ثم تعلموا واختلطوا بالعرب حتى صاروا طبقة خاصة منهم. وذهبوا إلى إن التبابعة كانوا عربا ينظمون الشعر بالعربية التي نظم بها الشعراء الجاهليون شعرهم. ثم ذهبوا إلى إن "حمير" كانت تتكلم بلسان غريب عده بعض العلماء غير عربي مع إنها من لب العرب الصرحاء على حسب رأيهم، ولم يبينوا كيف وقع ذلك عندهم، إلى آخر ما نراه عندهم من آراء، لم تبن على دراسات تأريخية أصلية ونصوص جاهلية.

(1/2109)


ولو كان المذكورون أحياء في هذا اليوم، ولو كانوا قد وقفوا على النصوص الجاهلية المختلفة و قرأوها، لغيروا رأيهم حتما من غير ريب، ولقالوا قولا آخر غير قولهم المتقدم في العربية وفي سبب تسميتها. فعربية القرآن الكريم هي عربية أهل مكة وما والاها، وهي عربية الأعراب، أي عربية أهل البادية. أما عربية أهل اليمن، وهم صلب القحطانية، فعربية أخرى. وان اردت قولا اصح تعبيرا وأدق تحديدا، فقل: عربيات أخرى. فعربية يعرب إن تجوزت وجاريت رأي أهل الأنساب والأخبار وقلت قولهم في وجود جد وهو يعرب، يجب إن تكون عربية أخرى، بل عربيات مخالفة لعربية أهل مكة، وذلك استنادا إلى النصوص الجاهلية المدونة بأقلام أبنائه وحفدته والواصلة إلينا. ولما كانت اللغة العربية، هي عربية القرآن الكريم في رأي علماء اللغة، وهي عندهم وحدها اللغة الفصحى، وأشرف لغات العرب، إذن فلغة يعرب على هذا القياس لغة أعجمية غير عربية، أو عربية من الدرجات الدنيا إن أردنا التساهل في القول. وعندئذ يكون يعرب هو العربي المتعرب، و يكون نسله على وفق هذا المنطق، هم العرب المستعربة، لا العرب العدنايين.
ويكون العدنانيون هم أصل العرب ولبها والعرب العارية الأولى، أي عكس ما يراه و يزعمه أهل الأخبار. أحكي هذا القول بالطبع متجوزا أو مجاريا رأي أهل الأخبار ولا أحكيه لأني أراه، فأنا لست من المؤمنين بمثل هذه الأقاصيص التي يقصها علينا القصاص، ولا سيما قصاص أهل اليمن من أمثال وهب بن منبه وابن اخته، أو ابن الكلبي، وبعض القصاص الذين هم من اصل يهودي مثل وهب المذكور ومحمد بن كعب القرظي. فرأيي أن كل لغات العرب الجاهلية هي لغات عربية، وأنها كانت متباينة عديدة، وبعضها لغات وصلت مرحلة التدوين مثل المعينية والسبئية والقتبانية والحضرمية وغيرها. ولغات تصل إلى درجة التدوين عند المتكلمين بها، لا يمكن أن تعد لغات سوقة ولهجات عامة.

(1/2110)


وبعد فلست أرى أن لين "يعرب" المزعوم، وبين لفظة "العربية" والعرب أية رابطة أو صلة، وأن الصلة المزعومة المذكورة التي يذكرها أهل الأخبار في تفسر اللفظة، هي صلة خلقت خلقا وصنعت صنعا، لكي يجد صانعوها لهم مخرجا في تفسيرها، وليس تفسيرهم هذا هو أول تفسير أوجدوه، فلدينا مئات من التفاسير المصنوعة، لألفاظ أشكل أمرها على الرواة وأهل الأخبار، فوضعوا لها تفسيرات على هذا النمظ، ليظهروا أنفسهم مظهر العالمين بكل شيء.
هذا وقد قلنا إن العربية هي بمعنى الأعرابية، أي البداوة في لغة الأعاجم وفي لغات أهل جزيرة العرب أنفسهم، وهي نسبة إلى العرب، والعرب هم الأعراب في البدو في لغات المذكورين. فتكون العربية أذن بمعنى عربية الأعراب: أي لغة أهل الوبر، وقد نسبت إليها، لا إلى يعرب بن قحطان. وهي بالطبع لم تكن لهجة واحدة، أي عربية واحدة، بل كانت لهجات. قيل لها عربية، لأن الأعراب وان كانوا قبائل، تجمع بينهم رابطة واحدة، هي رابطة البداوة، فكأنهم طبقة واحدة، تقابلهم طبقة "أهل المدر"، وهم الحضر. لذلك نعت لسانهم بلسان عربية ولما كانت البداوة أعم من الحضارة في بادية الشام وفي طرفي الهلال الخصيب وفي والحجاز والعربية الشرقية، صار لسانها اللسان الغالب في هذه الأرضين، وبلسانها نظم الشعراء شعرهم؛ وبلسان عرب الحجاز نزل القرآن الكريم، فصار لسانهم لسان الوحي والإسلام.

(1/2111)


ومن ثم صار اعتماد أوائل علماء العربية في دراستهم لقواعد اللغة من نحو وصرف ومن استشهاد بشواهد على "العرب"، أي أهل الوبر من أبناء البادية، من الأعراب المعروفين بصدق لسانهم وبصحة أعرابينهم وبعدم تأثر ألسنتهم بألسنة الحضر من أهل الحواضر، بل لم يكتف أولئك العلماء بألسنة هؤلاء الأعراب القادمين عليهم من البوادي، لأسباب لا مجال لذكرها هنا، فركبوا ابلهم وذهبوا بأنفسهم إلى صميم البوادي البعيدة عن الحضر، ليأخذوا اللغة صافية نقية من أفواه رجالها الأصلاء الذين لم يتعلموا خدع أهل الحاضرة وغشهم وكذبهم، ولم تنحرف ألسنتهم عن ألسنة اجسادهم، ولم تتأثر بأحرف للأعاجم المندسين في القرى والمدن و الأرياف. فكان "سيبويه" مثلا إذا استشهد بشاهد نظر إلى أنه من "العرب الذين ترضى عربيتهم" أو من "العرب الموثوق بعربيتهم"، أو من "العرب الموثوق بهم"، أو من "فصحاء العرب". وكان يرى أن لسان أهل الحجاز هو "الأول والأقدم". وكان علماء اللغة إذا اختلفوا في شيء من لغة من ألفاظ أو قواعد، حكموا أهل البادية، أي الأعراب فيما شجر بينهم من خلاف، حتى ولن كان أولئك العلماء من أوثق الناس علما بعلم العربية، فحكموا الأعراب مثلا في المناظرة اللغوية التي وقعت بين سيبويه والكسائي والأخفش في حضرة "يحيى بن خالد" مع أنهم أعلم الناس بعلوم العربية. وقد أورد "ابن النديم" أسماء عدد من "الأعراب" كان علماء العربية يلجؤون إليهم في الملمات، ويأخذون عنهم، و يحكمونهم فيما يقع بينهم من خلاف. فهم "حكام" ذلك للزمن وقضاته، يحكمون في منازعات الناس في اللغة.

(1/2112)


والحد الفاصل بين الحضارة والبداوة، هو طراز الحياة ونوعها، فالحضر أهل قرار. و الأعراب ينتجعون ويتتبعون مساقط الغيث يرعون الكلأ والعشب إذا أعشبت البلاد، ويشربون "الكرع" وهو ماء السماء، فلا يزالون في النجع إلى إن يهيج العشب من عام قابل و تنش الغدران، فيرجعون إلى محاضرهم على إعداد المياه. و حياتهم على الإبل فلا يعتنون بتربية ماشية غيرها. ومن هنا أقرنت البداوة بالبادية وبتربية الإبل، التي تنفرد عن غيرها من الحيوانات بقابليتها على المعيشة في البادية وبقوة صبرها على محمل الجوع والعطش أياما، بينما تقصر همم الحيوانات الأخرى عن مجاراتها في هذا الباب. ومن هنا نقصد بالأعراب: البدو الحقيقيين أبناء البادية وأصحاب الجمال الذين ينتجعون ويتتبعون مساقط الغيث ويشربون الكرع ويكون تماسهم بالحضارة والحضر قليلا.

(1/2113)


وما أقوله يخص أعراب نجد و بادية الشام بالدرجة الأولى. أما أعراب العربية الجنوبية، فإن وضعهم يختلف عن وضع هؤلاء الأعراب. فهم وان عدوا أعرابا ونص عليهم ب "اعرب" "أعراب" في نصوص المسند، لكنهم لم يكونوا أعرابا نقلا، يعيشون على تربية الإبل والغارات وعلى بعض الزراعة وكره الاشتغال بالحرف، بل كانوا شبه مستقرين سكنوا خارج المدن والقرى في مستوطنات متجمعة مؤلفة من بيوت وأكواخ وعشش من طين. ومارسوا تربية الإبل والماشية الاخرى، واشتغلوا بالزراعة وبالحرف اليدوية لم يجدوا في ذلك بأسا. وكانوا يغيرون على الحضر إن وجدوا فرصة مؤاتية ولم يكونوا أقوياء بالنسبة إلى الحضر، لوجود حكومات منظمة، في استطاعتها ضربهم إن تحرشوا بأهل المدن والقرى. ولهذا لا نجد للأعراب ذكرا في نصوص المسند القديمة ولم يظهر اسمهم فيها كقوة ضاربة إلا بعد الميلاد و قبيل الإسلام. حين ارتبك الوضع السياسي في العربية الجنوبية، وتدخل الحبش في شؤونها، و ولع بعض ملوكها مثل الملك "شمر يهرعش" في إثارة الحروب. مما أفسح المجال للأعراب فجربوا حظهم بالدخول في لعب الحروب. فلما وجدوا لهم حظا حسنا وربحا طيبا، مارسوها مع هذا الحاكم أو ذاك، وظهر اسمهم عندئذ في المسند. بل دخل في اللقب الرسمي الذي حمله الملوك فصار اللقب: "ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت وأعرابها. في الهضاب وفي التهائم". وطمع أعراب نجد في الحصول على مغانم في العربية الجنوبية فارتحلوا نحوها، وزاد بذلك عدد الأعراب. ومن هؤلاء. كندة الذين تركوا ديارهم بنجد. بعد نكبتهم وانضموا إلى إخوانهم في العربية الجنوبية فصار لهم فيها شأن كبير، حتى ذكروا في النصوص، ومنها نصوص أبرهة.

(1/2114)


ومعاش الحضر، على الأرض يزرعونها ويعيشون عليها، أو على التجارة أو على الحرف اليدوية ونحوها. ومن طبيعة أهل الحضر الاستقرار في أرض تكون وطنا ثابتا لهم، ومقاما يقيمون فيه فيحمونه ويموتون في سبيله. أما أهل الوبر، فهم رحل، يتنقلون طلبا للماء والكلأ والامتيار، فموطنهم متنقل قلق غير مستقر. الأرض كلها وطنهم، ولكنها الأرض التي يكونون فيها، فإذا ما ارتحلوا عنها، صارت الأرض الجديدة وطنا لهم جديدا. أما الأرض القديمة فتكون وطنا لمن يحل فيها من طارئ جديد أو طارئ قديم.
والمشهور عن? العرب وعنه الأعاجم، أن العرب قوم يكرهون الزراعة والاشتغال بالحرف والصناعات، ويستخفون بشأن من يشتغل بها ويزدرونه، فلا يتزوجون منه ولا يزوجونه منهم. وينطبق هذا القول على الأعراب وعلى بعض الحضر إلى حد ما. لكنه لم ينطبق على كل العرب. فالعرب الحضر، الذين وجد الماء بغزارة عندهم، غرسوا الأشجار أيضا وزرعوا، لم يجدوا في ذلك خسة ولا دناءة. والعرب الذين توفرت لهم مواد العمل و ظروف العمل، اشتغلوا بالحرف وبالصناعات، كما هو شأن الطائف والعربية الجنوبية بل وبعض رجال مكة أيضا. أما الذين ازدروها وكرهوها فهم الذين لم تتوفر لهم الأسباب التي تغريهم على الاشتغال بالحرف والصناعات، ولم تتوفر لديهم المواد الأولية ولا الظروف المساعدة على قيام الحرف. لذلك كرهوها كره من يكره شيئا لأنه لا يملكه ولا يناله، أو لأن يده لا تصل إليه، ولو ملكه لغير حكمه عليه من غير شك.
وقد أشار "أمية بن خلف الهذلي" إلى اشتغال أهل اليمن بالحرف، بقوله: يمانيا يظل يشد كيرا وينفخ دائبا لهب الشواظ
وقد أفد أهل اليمن الحجاز وأماكن أخرى من جزيرة العرب بالسيوف وبمصنوعات المعادن وبالبرد والأنسجة الأخرى. كما عرفوا بإتقانهم البناء والتجارة وغير ذلك من حرف الحضر، التي أتشير إليها في الشعر الجاهلي.

(1/2115)


_________________
مصطفى سليمان أبوالطيب الهوارى
مصطفى سليمان أبوالطيب
مصطفى سليمان أبوالطيب
مدير عام

عدد المساهمات : 8782
السٌّمعَة : 27
تاريخ التسجيل : 02/09/2010
العمر : 47

الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام Empty رد: الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

مُساهمة  مصطفى سليمان أبوالطيب الثلاثاء يونيو 18, 2019 3:15 pm

(1/2115)


وقد عيب على أهل اليمن اشتغالهم بالحرف: كالحدادة والحياكة والصياغة وما شاكل ذلك من حرف،على نحو ما تحدثت عن ذلك في فصل: "طبيعة العقلية العربية". ولكن من عابهم كان عالة عليهم وعلى غيرهم من أهل الحرف في أكثر الأمور التي كانت نخص شؤون حياتهم اليومية، كالسيوف والخناجر الجيدة مثلا التي هي عماد المحافظة على حياة الإنسان في البادية. كما اعترف لهم بالتفوق على من كان يزدري الصناعة والحرف. فكانوا يخافونهم في الحروب، و يهابونهم عند القتال، لامتلاكهم أسلحة لا يملكونها هم. وكانوا يلجئون إليهم لتنصيب رئيس منهم عليهم. تهابه القبائل لصعوبة انصياع القبائل لقيادة رئيس منها، بسبب التحاسد القبلي، كما كانوا يخضعون لحكم أهل اليمن بسبب تفوقهم عليهم في السلاح وفي الثقافة إلى غير ذلك من أسباب ترجع في الواقع الطبيعية التي عطفت على اليماني وعلى العربي الجنوبي، ففوقته على الأعراب.
ولما كانت طبيعة الجفاف، هي الغالبة على جزيرة العرب، كان هذه الطبيعة أثرها في حياكة العرب، فغلبت البداوة على الاستقرار، و أثرت في النظم بالآراء السياسية والاجتماعية و الاقتصادية والحربية وفي سائر نواحي ا?حياة الأخرى. لقد حالت دون قيام المجتمعات الكبرى القائمة على الاستقرار والاستيطان واستغلال الأرض، وجعلت من الصعب قيام الدول الكبيرة في هذه البلاد، وتكوين حكومات تقوم على احترام حقوق جميع أبناء الحكومة دون نظر إلى البيوتات والعشائر و القبائل و الرئاسات.

(1/2116)


وفي الأماكن التي توافرت فيها المياه، المياه النابعة من الأرض أو النازلة بن السماء، نشأت مجتمعات مستقرة، وظهرت حكومات، غير أنها حكومات اختلف طابعها وشكلها باختلاف المحيط الذي ظهرت فيه، و الأحوال الطبيعية التي ألمت بها، والقدرة المادية التي تميزت لديها. فيها الحكومات الصغيرة التي قد تكون حكومات "قرية"، أو رئاسات عشائر، وفيها ما يمكن أن يعبر عنه بحكومات مدن، إن جاز إطلاق مصطلح "المدن" عليها، وفيها حكومات أكر وأوسع مثل حكومات الحرة و الغساسنة، وفيها حكومات مثل حكومات العرب الجنوبيين، وهي حكومات كبيرة إذا قيست إلى الحكومات التي كونها سادات القبائل في أنحاء أخرى من جزيرة العرب، ولم تعمر طويلا، بل كانت مثل رغوة الصابون، لا تكاد تنتفخ حتى تزول، وذلك لأسباب وعوامل لا يتسع لها صدر هذا المكان.
فالطبيعة هي التي صيرت العرب على هذا الحال، وهي التي غلبت عليهم البداوة. إذ حرمتهم من الماء وجادت عليهم برمال تلفح الوجوه، وبسموم مؤذية وبحرارة شديدة، وبأرض متسعة تظهر وكأنها بحر من رمل لا حد له، صيرت من ولد فيها إنسانا قلقا هائما على وجهه، يتنقل من مكان إلى مكان بحثا عن ماء وأكل. خلا الأماكن السخية التي خرجت منها دموع جرت فوق الأرض بقدر وبمقدار، أو مواضع قرب الماء فيها من سطح التربة فاستنبطه الإنسان، أو أماكن انهمرت من سمائها العاشقة للأرض دموع حبها في مواسم من السنة فأصابت الأرض بطل، فاستهوت الإنسان، واستقر بها وتحضر. وصار العرب من ثم بدوا وحضرا، أهل بادية وأهل حاضرة.

(1/2117)


ومن آيات ذلك، أننا في قبيلة واحدة، فيها بادية وفيها حاضرة، استقرت وتحضرت وسكنت في بيوت ثابتة، لا يهمنا أكانت بيوتها من صخر أو من حجر أو من مدر أو من بيوت شعر، إنما المهم إنها بيوت ثابتة ارتبطت بالأرض، شعر قطانها إن لهم صلة بهذه الأرض وان لهم بها رابطة، لا يحل عقدها إلا الموت أو الضرورات القصوى. فقريش حاضرة و بادية. وجهينة حضر، أقاموا بينبع وقرية "الصفراء"، و أعراب هبطوا رضوى و "عزور" ?. و "همدان" حاضرة وبادية.. ونهد حضر، وهم من سكن الصفراء منهم، وأهل وبر، وهم من سكن دون المدر في جبلي رضوى وعزور. وتنوخ حضر، وتنوخ أهل بادية وتنقل. إلى في ذلك من قبائل، استقرت أحياء منها، وتبدت أحياء أخرى منها.
ثم إننا نجد قرى منتشرة في موضع من العربية الغربية وفي نجد و العربية الشرقية أو العربية الجنوبية، وقد سكنها قوم عرب حضر زرعوا وحفروا لهم الآبار وتعهدوا العيون بالرعاية ليستفيدوا من مياهها، وجائوا بأشجار من الخارج لزرعها هناك. وفي كتب "الهمداني" و "عرام"، وكتب غيرهما ممن بحث عن جزيرة العرب أسماء قرى و مدن جاهلية، كانت ذات مزارع وحدائق، أما اليوم، فبعضها أثر، وبعض منها. قد زال وذهب مع الذاهبين، لم يترك له حتى بقية من أثر. وتلك المواضع هي دليل في حد ذاته على أن الماء إذا وجد في مكان ما أكره سكانه على الاستقرار به، وأجر قسما من أهله على الاشتغال بالزرع. ولم ينضب الماء من تلقاء نفسه عن المواضع التي اندثرت وماتت وإنما وقعت أحداث لا مجال لي للبحث عنها في هذا المكان، ومنها الهجرة إلى خارج جزيرة العرب بالفتح وتحول الطرق التجارية العامة و إعراض الحكومات عن الاهتمام بشؤون جزيرة العرب ونحوها، فكرهت السكان على الارتحال عنها، فأهملت آبارها و ترستها الرمال فجفت وذهب مائها عنها.

(1/2118)


وفي تلك المواضع التي. توفرت فيها المياه من مطر وعيون وآبار ومياه جوفية قريبة من سطح الأرض ظهرت الحضارة على شكل قرى ومستوطنات وأسواق موسمية، كان لها كلها أثر خطير في حياة العرب عموما من عرب وأعراب. لما كان يقع فيها من اتصال ومن تبادل آراء بين الحضر والبدو، وبين هؤلاء جميعا وبين الأعاجم الذين كانوا يؤمونها للاتجار بها بصورة مؤقتة أو دائمة، حيث كانوا يقيمون بها إقامة طويلة أو أبدية، وبالأعاجم الذين كانوا يقيمون فيها رقيقا مملوكا لمن اشتراهم من الملاكين. وبذلك حدث نوع من التلقيح في الآراء والأفكار وفي شؤون الحياة: تلقيح مهما قيل فيه وفي درجته، فإنه تلقيح على كل حال. وهذه المواضع هي التي كونت وخلقت تأريخ العرب فيما قبل الإسلام.
وقد نبه "الجاحظ" إلى الاختلاف بين البدوي والحضري، والسهلي والجبلي، فأشار إلى اختلاف ما بين الطائي الجبلي والطائي السهلي، والى اختلاف ما بين من البطون وبين من نزل الحزون، و بين من نزل النجود وبين من نزل الأغوار، ثم إلى ما ترك هذا الاختلاف في المواضع والمكان من أثر في اختلاف اللغة، فتحالفت عليا تميم، وسفلى قيس، وعجز هوازن وفصحاء الحجاز في اللغة. وهي في أكثرها على خلاف لغة حمير، وسكان مخاليف اليمن. "وكذلك في الصورة والشمائل والأخلاق. وكلهم مع ذلك عربي خالص". وأشار إلى ما تركه هنا السكن من أثر في أخلاق العرب، حتى ليقال: "إن هذيلا أكراد العرب". بسبب طباعهم وصبرهم على تحمل القتال.
كما أشار "الجاحظ" إلى إن هذا الاختلاف ظاهر في العرب جميعا، قحطانيين و عدنانيين. ومع ذلك فهم كلهم عرب، لأنهم استووا في التربة وفي اللغة والشمائل والهمة وفي الأنفة والحمية، وفي الأخلاق والسجية، فسبكوا سبكا واحدا، وافرغوا إفراغا واحدا.

(1/2119)


وكان من أثر اختلاف طبيعة الجو والأرض والضغوط الجوية في أهل جزيرة العرب، إن صار لأهل المدر مجتمع يختلف في شكله وتكوينه عن مجتمع أهل الوبر، وان صار مجتمع أهل المدر جملة مجتمعات اختلفت في تكوينها باختلاف الظروف المؤثرة التي تحدثت عنها، وباختلاف المؤثرات الخارجية المحيطة بها أو المجاورة، والقريبة منها في ظروف تلك المجتمعات. و صار من ثم مجتمع العرب الجنوبيين، ولا سيما مجتمع اليمن، مجتمعا خاصا له طبيعة خاصة و شخصية مستقلة متأثرة بظروف اليمن الكلية من طبيعة أرض وطبيعة جو، وصار لأهل مكة وهم أشبه بأهل الحضر مجتمع خاص له طابع متميز، وصار لأهل الحيرة طابع خاص بهم، وصار لأهل برب كذلك مجتمع وطبيعة خاصة متميزة، وهكذا قل عن بقية المجتمعات الحضرية.
فمجتمع اليمن مثلا مجتمع خاص نجد فيه صفات المجتمع الحضري أكثر مما نراه في أي مجتمع حضري آخر في جزيرة العرب، مجتمع يختلف حتى "عربه" أي بدوه وهم الطبقة الثانية من هذا المجتمع، عن أعراب بقية جزيرة العرب. فهم بالقياس إلى بدو الجزيرة.
شبه أعراب، ووسط بن البداوة الصرفة وبين أدنى درجات الحياة الحضرية الساذجة، المستندة إلى الاستقرار والتعلق بالأرض. ومجتمع اليمن الحضري مجتمع استغل عقله ويده في سبيل تكييف حياته و إسعاد أيامه في الدنيا، فاستغل الأرض وكيفها بحسب قدره واستعداده في إنتاج الغلة الزراعية وفي إنتاج المعادن وفي تربية الحيوان، وأقام له قصورا وحصونا، واستورد آلات حبة يستعملها وتيسر له ما يحتاج إليه - استوردها من كل الأنحاء من الشمال ومن العراق ومن بلاد الشام، واستوردها من إفريقية. وسخرها في استغلال الأرض وفي إقامة الأبنية وفي أداء الأعمال اليدوية التي تحتاج إلى حنق ومهارة، فتفوق هذا المجتمع من ثم وبمزايا إقليمه من جو وأرض على المجتمعات العربية الأخرى، وأنتج حضارة لا تجد لها مثيلا في بقية أنحاء جزيرة العرب.

(1/2120)


فعرف اليمن في جاهليته واشتهر بمهارته وبحذقه بحرف وبمنتجات بقي ذكرها خالدا إلى الإسلام، وتميز عن غيره محسن الذوق و بالبراعة في استعمال أنامله. و حين برع بقية عرب الجزيرة في التعبير عن أحاسيسهم بكلام منظوم، نجد عرب اليمن و بقية العربية الجنوبية يعبرون عن أحاسيسهم بنقشها على المرمر وعلى بقية الأحجار وعلى المعادن والخشب، نجد السيوف اليمانية، و لها شهرة وخبر، ونجد بسط " اليمن و برودهم و أكسيتهم مشهورة لها صيت في كل مكان، لا يدانيه صيت أي صنف مما ينتج في مكان آخر من أمكنة جزيرة العرب، ونجد لهم ذكرا في الصياغة وفي سوق الأحجار الكريمة والعطور، وغير ذلك من المنتجات التي تحتاج إلى يد وفكر.
و مجتمع اليمن المتحضر، مجتمع طبقي، تكون من طبقات: طبقات رفيعة ذات منزلة ومكانة عالية، تتلوها طبقات أخرى أقل درجة ومنزلة حتى تنتهي بالطبقات الدنيا التي تكون قاعدة لهرم هذا المجتمع وسواد الناس. وهي طبقات تكاد تكون مقفلة، لو شبه مقفلة إن صح هذا التعبير، ولا سيما بالقياس إلى الطبقات الدنيا، التي تجنبت الطبقات التي هي فوقها للتصاهر معها و الاتصال بها، للفروق المنزلية التي تشعر بوجودها فيما بينها. ثم إن الناس فيها يرثون منازل آبائهم ودرجاتهم، فابن النجار نجار، وابن الحداد حداد في الغالب، وابن التاجر يرث عمل والده، ويستطيع تغيير حرفته وتحسين حاله، إذ ليس لديهم قوانين إلزامية تجبر الناس على البقاء في طبقتهم إلى أبد الآبدين، ولكن مثل هذا التغير لا يقع إلا إذا كان الشخص ذا استعداد وكفاية وطموح، فيشق طريقه بنفسه هاتكا ستور الأعراف والعادات.

(1/2121)


وما زالت الحياة الاجتماعية في العربية الجنوبية، تستمد قوتها وحياتها من جذور الحياة الاجتماعية القديمة التي كانت عليها قبل الإسلام. ففد نشأت هذه الحياة ونبتت من حاصل ظروف ذلك المجتمع الذي تحدثت عنه، و حافظ على خصائصه إلى هذا اليوم، لأنه عاشر في عزلة عن العالم الخارجي، أو في شبه عزلة، ولهذا بقي يعيش على ما تغذيه به بقايا جذور تلك الأيام من غذاء.
والحضر، وان استوطنوا واستقروا في أماكن ثابتة، لم يكونوا حضرا بالمعنى المفهوم من اللفظة عندنا، فلم يكونوا على شاكلة حضر الروم أو الفرس، ولا على شاكلة حضر العراق أو حضر بلاد الشام من غير العرب. انهم ضر من ناحية السكنى والاستقرار، أي من ناحية تعلقهم بالأرض ونزولهم بها واستيطانهم فيها، وعدم ارتحالهم عنها على نحو ما يفعل الأعراب، واتخاذهم مساكن دائمة في مكان ما. أما من ناحية التفكير وطراز المعيشة ونظم الحيلة الاجتماعية. فقد بقوا مخلصين لمثل البوادي ولطبيعتها في الحياة. فهم في قراهم ومدنهم "بيوت" و "بطون"، يقيمون في "شعاب" ولهم عصبية. وهم مثل الأعراب في أكثر مألوف حياتهم. وما زال هذا الطابع الأعرابي باديا على حياة من نسميهم الحضر في جزيرة العرب وفي خارجها، مؤثرا في حياتهم السياسية و الاجتماعية بل في عقلية من نسميهم "المثقفين" الدارسين من مدنيين وعسكريين، ذلك لأن عقول هؤلاء المثقفين وإن حشيت بالمعلومات وبالعلوم، لم تتمكن مع ذلك من التخلص من إرث البداوة المستمدة من طبيعة المجتمع وأثرها في الناس، في الماضي السحيق و في الحاضر، ومن طبيعة المجتمع الذي خلقته هذه الطبيعة وجبلت الناس عليه. ومن أهم صفاته: العنجهية، و التغني بذكريات الماضي: والابتعاد عن الواقع وعن مشكلات الحياة العلمية، واللجوء إلى العواطف والخيال، والاسراف في تمجيد النفس إلى حد أدى إلى ازدراء كل ما هو غير عربي من إنسان ومن نتاج إنسان. أضف إليها "العصبية" بأنواعها: العصبية

(1/2122)


للأهل و العصبية للعشيرة ثم القبيلة فالحلف في حالة الأعرابية، والعصبية للآهل والبيوت والشعاب ثم للقرية أو للمدينة والقبيلة التي يرجع أهل القرى نسبهم إليها في الأخر، وذلك بالنسبة إلى أهل المدن. ثم الفردية المفرطة التي جعلت من الصعب على الفرد الانقياد لغيره. والخضوع لأحد إلا إذا وجد نفسه أمام مصلحة خاصة أو أمام لا قوة، ذلك لأنه يرى نفسه أشرف الناس، وان من المذلة خضوعه لحكم أحد، ولا سيما إذا كان من يحكمه من أناس هم دون أهله، ومن عشيرة دون عشيرته. ثم ليس هو من أهل الجاه ولا من أهل المال، فكيف يسلم أمره إليه?
الرعاة
وندخل في الحضر الرعاة: رعاة الغنم والمعز والبقر، ذلك لأنهم اضطروا بحكم طبيعة حياة حيواناتهم إلى شيء من الاستقرار، والى عدم التنقل مسافات بعيدة طويلة في البوادي على نحو ما يفعل الأعراب. ثم انهم يعيشون على الآبار و برك الماء وعلى مقربة من الحضر، وفي وضع بجعلهم شبه مستقرين في أكثر أيام حياتهم. وهم "أعراب الضواحي"، وعنصر مهم من عناصر تكون القرى والمستوطنات، إذ إن قربهم من الحضر واعتماد حياتهم عليهم، يحملانهم على التأثر بهم، وعلى التقرب منهم ومن مستوطناتهم. فتصير "الخيمة" بيتا مستقرا، ثم تصير "كوخا" من طين أو من أغصان شجر، ثم تتحول بيتا من بيوت قرية أو حي من أحياء مدينة، لما في المدينة من وسائل معاشية تستهوي الناس، لا تتوافر في الضواحي البعيدة، فتحول الرعاة قطان مدن.

(1/2123)


ولا يشترط في الرعاة الاقتصار في حياتهم على تربية الغنم، إذ فيهم من يربي الإبل أيضا، وهم "رعاة الإبل". والفرق الوحيد بينهم وبين الأعراب وهل رعاة الإبل، إن الرعاة يلازمون أرضهم و إذا تنقلوا طلبا للماء والكلأ فلا يذهبون إلى مسافات بعيدة ولا يمعنون في اختراق البوادي، لأنهم لا يستطيعون الابتعاد عن الماء كثيرا ولا يستطيعون الاكتفاء بكلأ البادية لوجود ماشية أخرى عندهم لا تستطيع الصبر على الجوع طويلا، كما إن اتصالهم بالحضر أكثر من اتصال الأعراب بهم. ومنازلهم هي في الغالب خليط من بيوت مدر ومن بيوت وبر. ولكنها ثابتة على العموم وحياتهم وسط بين البداوة والحضارة. والأرض التي يقيمون بها تكون ذات آبار وعيون ومتجمعات أمطار، وهم لا يبتعدون عنها كثيرا ولا يفارقونها لارتباط معيشتهم بها. بينما تكون حياة الأعراب على الغيث في الغالب، وعلى الآبار والتنقل.
وفي العربية لفظة "جشر". ذكر علماء اللغة إنها تعني القوم يبيتون مع الإبل في المرعى لا يأوون بيوتهم. والقوم يخرجون بدوابهم إلى المرعى ويبيتون مكانهم لا يأوون إلى البيوت. والمال الذي يرعى في مكانه لا يرجع إلى أهله بالليل. وان تخرج بخيلك فترعاها أمام بيتك. إلى آخر ذلك من معان تدل على إن الجشر رعاة يخرجون إلى المجاشر، أي المراعي لرعي إبلهم أو خيلهم بعض الوقت، إذا شبعت إبلهم واكتفت، عادوا بها إلى بيوتهم فأقاموا بها.
الأعراب
أما أهل الوبر، وهم الأعراب، فحياتهم حياة تنقل وارتحال، وعماد حياتهم "الإبل"، ولولا هذا الحيوان الصبور لما تمكن الأعرابي أن يقهر البوادي، وأن يوسع تنقله في أنحائها، وأن يعيش في هذه الأرضيين المقفرة الشحيحة التي يشح فيها سقوط المطر، ويضطر الإنسان فيها إلى ضرب الأرض بأرجل جمله بحثا عن الكلأ والماء. ولهذا صار "الجمل" "المال" الوحيد الذي يملكه الأعرابي، به يقدر الأسعار، و به يقدر "الصداق" و ثراء الإنسان.

(1/2124)


وقد سبق لي أن تحدثت عن معنى "عرب"، وعن المراد منها إلى قبيل الإسلام، فلا حاجة لي هنا إلى إعادة الكلام عن شيء سبق إن تكلمت عنه.
أما مصطلح أهل الوبر"، فمعناه "عرب"، أي أعراب بالمعنى الجاهلي القديم. وذلك لأن الأعراب قوم نقل، يتنقلون من مكان إلى مكان، حاملين بيوتهم وما يملكونه معهم، وبيوتهم هي الخيام، وهي مصنوعة من "الوبر" وبر الإبل في الغالب، ولذلك عرفوا بها. وعرفوا في الموارد اليونانية ب "أهل الخيام" و ب "سكنة الخيام"، وقد استعمل أعراب العراق وبادية الشام وأعراب بلاد الشام الخيام المصنوعة من شعر الماعز، وهي خيام لونها السواد، وقد أشير إليها في التوراة وفي موارد تأريخية أخرى.
وذكر علماء اللغة إن العرب: سكان القرى والمدن أي الحضر، أهل الحاضرة. أما الأعراب، فهم سكان البادية من هذا الجيل. ويقال للرجل أعرابيا إذا كان بدويا همه البحث عن الكلأ وتتبع الغيث والرعي. وأما من ينزل الريف ويستوطن القرى والمدن، فهو عربي، وان كان دون الأعراب في الفصاحة وفي سلامة اللغة. ويقال للأعراب "الأعاريب"، وذلك جمع الأعراب. فالأعرابي البدوي، وهو صاحب نجعة وانتواء وارتياد للكلأ، وتتبع لمساقط الغيث، وسواء كان من العرب أو من مواليهم. ومن نزل البادية، أو حاور البادين وظعن بظعنهم، وانتوى بانتوائهم: فهم أعراب. ومن نزل بلاد الريف واستوطن المدن والقرى العربية وغيرها مما ينتمي إلى العرب: فهم عرب، وان لم يكونوا فصحاء.
ويذكر علماء اللغة إن البادية من البروز والظهور. قيل للبرية لكونها ظاهرة بارزة. وان البادية اسم للأرض التي لا حضر فيها، وهي خلاف الحاضرة والحضارة. وقيل لسكان البادية البدو والبداة. ومن هذا الأصل جاءت لفظة "Bedouin" في الإنكليزية وفي عدد من اللغات الأوربية الأخرى، بمعنى أعراب.

(1/2125)


والأعرابي بالمعنى العلمي المفهوم من اللفظة، هو - كما قلت قبل قليل - المتبدي، أي الذي قطن الباديه و عاش معظم حياته فيها وانقطع معظم حياته عن القرى والمدن. مكتفيا باتخاذ الإبل شريكة له في حياته هذه. قاطعا البوادي الجافة التي يقل معدل سقوط الأمطار فيها عن "4" عقد في السنة، للبحث عن الكلأ والماء. قانعا بحياته التي يحياها والتي أحبها وتعلق بها على ما فيها من قساوة وضراوة وفقر وشح في العيش. حتى صار لا يفارقها لأنه ولد بها. فهو لا يعرف دنيا غيرها، ولا يعرف إن في الدنيا مكانا أطيب من وطنه الذي يعيش فيه. وكل مورد على ما يولد عليه.
وتعيش بين الحضر والبادية قبائل، صيرتها إقامتها بين العالمين عالما وسطا، لا هو مجتمع حضري ولا هو بدوي أصيل، حافظ على خصائصه البدوية الموروثة من البادية، و اكتسب باحتكاكه بالحضر ما يلائم طبعه وما فرضه عليه محيطه الجديد من حياة أهل الحضر. فصار يزرع بعض الزرع ويرعى البقر والخيل والأغنام والمعز ويأتي إلى القرى والمدن للامتيار، و يستخدم مواد لا يستخدمها الأعراب لعدم وجود حاجة لهم بها، ولفقرهم الذي لا يسمح لهم بشرائها، وأخذ يبيع لأهل الحضارة ما يفيض عن حاجته من الألبان والزبد والجلود والأصواف والحيوانات. فأهل هذا العالم إذن. هم عالم وسط عالمين، وقنطرة تربط بين العتبة الأولى من عتبات الحضارة والدرجة الأولى من درجات البداوة. وخير مثل على هؤلاء هم عرب مشارف الشام، وعرب مشارف العراق. ويراد بالمشارف القرى والمستوطنات والمضارب القائمة على ما بين بلاد الريف وبين البوادي.
و "الريف" في رأي بعض علماء اللغة الخصب. والسعة في المأكل والمشرب وما قارب الماء من الأرض. أو حيث يكون الخضر والمياه والزرع. ولهذا قيل: "تريف" إذا حضر القرى وهي المياه، و "راف البدوي" يريف إذا أتى الريف. ومن هنا عرف البدوي بأنه جواب بيداء، لا يأكل البقل ولا يريف.

(1/2126)



_________________
مصطفى سليمان أبوالطيب الهوارى
مصطفى سليمان أبوالطيب
مصطفى سليمان أبوالطيب
مدير عام

عدد المساهمات : 8782
السٌّمعَة : 27
تاريخ التسجيل : 02/09/2010
العمر : 47

الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام Empty رد: الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

مُساهمة  مصطفى سليمان أبوالطيب الثلاثاء يونيو 18, 2019 3:15 pm


وورد في الحديث: "كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف. أي إنا من أهل البادية لا من أهل المدن". ولكن المفهوم من لفظة "ضرع"، إنها لفظة تطلق على الماشية ذوات الظلف والخف، أو للشاء واليفر، ولهذا فيجب تفسيرها، بإنا من أهل ذوات الظلف والخف، أي من الرعاة لا أهل الزرع، والرعاة هم قطان المشارف، القريبين من القرى والريف، ولا يقيمون في البادية، لأن الشاء والبقر وبقية الماشية باستثناء الإبل لا تعيش في البادية وإنما ترعى الأماكن الخصبة من الماء والريف.
والحاضرة خلاف البادية، وهي القرى والمدن والريف، سموا بذلك لأن أهلها حضروا الأمصار ومساكن الديار التي يكون لهم بها قرار. وذكر إن كل من نزل على ماء عد ولم يتحول عنه شتاء ولا صيفا، فهو حاضر، سواء نزلوا في القرى فالأرياف وبيوت المدر أو بنوا الأخبية عند المياه فقروا بها ورعوا ما حوليها من الكلأ. ولهذا قالوا: الحاضر: المقوم نزول على ماء يقيمون به ولا يرحلون عنه. وقد يكون ذلك في البوادي. إذ يقيمون حول بر أو ماء دائم، ولا يرتحلون عنه. فهذا نوع من أنواع الحاضرة في جزيرة العرب. وهم بهذا حضر جزيرة العرب، فهم سكان مستوطنات صغيرة ظهرت في مواضع الماء وعند مفترق الطرق، في هذه البوادي الجافة الواسعة.

(1/2127)


وفي هذه الحواضر التي أسعفها الحظ بالماء، ظهرت مجتمعات متحضرة، أي مستقرة، استفادت من الماء فبنت بعض البيوت وزرعت بعض النخيل والأشجار. ومقياس هذه الحواضر، هو الماء. فإذا وجد بغزارة أو كان قريبا من سطح الأرض توسعت فيه رقعة الحضارة، بمقدار سعة الماء وسعد الناس بالعيش في بيوت مستقرة دائمة ثابتة، أما إذا كانت الأرض شحيحة بخيلة، لا تسعف من يعيش فوقها بماء، فان الإنسان يتحاشاها بالطبع ويبتعد عنها خلال أيام الغيث. وحواضر البوادي هي المواضع التي يجب أن نوجه إليها أنظارنا للبحث فيها عما قد يكون الدهر قد خبأه فيها من كنوز وآثار. وهي منتشرة في مواضع عديدة من جزيرة العرب، لا سيما عند الأودية وقرب الحسي والجعافر والعيون.
و "عرب الضاحية" أو "عرب الضواحي"، هم العرب النازلون بظواهر الريف والحضارة وبظواهر البادية. و "الضاحية" الظاهرة الخارجة من الشيء التي لا حائل دونها، و "الضامنة" ما أطاف بالشيء مثل سور المدينة، أي ما كان داخل شيء. وضواحي الروم: ما ظهر من بلادهم وبرز. ويراد ب "عرب الضاحية"، عرب مشارف العراق وعرب مشارف الشام، لأنهم أقاموا ضواحي العراق وبلاد الشام، وعلى تخوم البادية. وقد تأثر أكثر الأعراب الساكنين بأطراف الحضارة وبأخلاق الحضر، ودخلوا مثلهم في النصرانية، بحكم تأثرهم بهم وبعوامل التبشير والسياسة، إلا أن نصرانيتهم كانت. نصرانية أعرابية مكيفة بالعقيدة الوثنية الموروثة من السنين الماضية التي كونتها طبيعة البداوة في عقلية أهل الجاهلية.

(1/2128)


وسوف نجد في بحثنا عن اللغة، أن لغة "أهل المشارف" أو "أهل الضواحي" و "عرب الأرياف"، م قد تأثرت بلهجات "إرم" العراق وبلاد الشام، فظهرت في لغتهم رطانة، وبرزت فيها ألفاظ ارمية وأعجمية، و انحازت في النطق بعض الانحياز عن عربيات أهل البوادي، وكتبوا بقلم نبطي وبلهجات عربية، لا تقرها عربية القرآن الكريم، التي صارت لسان الإسلام. ولهذا حذر علماء اللغة من الاستشهاد بشعر شعراء القرى والريف وأهل المشارف والضواحي، لاعوجاج لسانهم بالنسبة إلى لسان الإسلام.
فأعراب الضواحي، أو عرب الضاحية، هم أعراب أيضا، لكنهم لم يعزلوا أنفسهم عن العالم الخارجي، و إنما عاشوا على مقربة منه ومن مواطن الحضر، فصار حالهم أحسن من حال الأعراب الأقحاح، وارتفع مستواهم العقلي عن أولئك المعنيين في حياة الأعرابية. بسبب اتصالهم بالأجانب وأخذهم عنهم واحتكاكهم بالحضر، الذين هم أرقى من الأعراب بكثير. فأخذوا عنهم وتعلموا منهم أشياء كثيرة، من مادية ومعنوية. سأتحدث عنها في المواضع المناسبة من أجزاء هذا الكتاب.
وقد عرفت الأرض التي تقع بين الفرات وبين برية العرب ب "العبر". قال علماء اللغة: "والعبر بالكسر ما أخذ على غربي الفرات إلى برية العرب" لأنها المعبر الذي يعبر عليه للوصول إلى البادية، أو الدخول من البادية إلى الفرات. وقد تكونت بها قرى عربية لعبت دورا مهما في تأريخ العراق لموقعها العسكري المهم، ولأنها الخط الأمامي الذي كان يواجه الأعراب الغزاة ومن كان يحكم بلاد الشام من حكام. ولكونه المنطلق الذي تنطلق. منه الجيوش التي تريد غزو بلاد الشام، أو صد القوات الزاحفة على العراق من الغرب.
والبداوة هي التي أمدت العراق وبلاد الشام وسائر جزيرة الغرب بالحضر، فقد كان الأعراب يأتون الحواضر وينيخون هناك، ويستقرون ثم يتحولون إلى حضر. لذلك تكون البادية المنبع الذي يغذي تلك الارضين بالعرب الحضر.
عبية الجاهلية

(1/2129)


ولقد تحدثت في الجزء الأول من هذا الكتاب عن العقلية العربية بصفة عامة: عقلية العرب أي الحضر وعقلية الأعراب. وأعود في هذا الموضع إلى الحديث عن عقلية الأعراب وما رماهم به أهل الحضر من الغلظة والجفاء والجهالة والعنجهية والكبر إلى غير ذلك من نعوت عرفت عند العلماء ب "عبية الجاهلية". وذلك لما هذه العبية من صلة بهذا الموضوع في هذا المكان.
و إذا أردت الوقوف على عنجهية الجاهلية وتكبر سادات القبائل وعلى نظرتهم إلى من هم دونهم في ذلك الوقت، فخذ ما روي من قصة وقعت لمعاوية بن أبي سفيان على ما يرويه أهل الأخبار. فقد روي أن الرسول أمر معاوية بإنزال "وائل بن حجر" الحضرمي منزلا بالحرة، فمشى معه ووائل راكب وكان النهار حارا شديد الحرارة. فقال له معاوية: ألق الي نعلك، قال: لا، أني لم اكن لألبسها وقد لبستها. قال فأردفني، قال: لست من أرداف الملوك.: قال: إن الرمضاء قد أحرقت قدمي، قال: لا يبلغ أهل اليمن أن سوقة لبس نعل ملك. ولكن إن شئت قصرت عليك ناقتي فسرت في ظلها. فأتى معاوية النبي، فأنبأه. فقال: "إن فيه لعبية من عبية الجاهلية".
و "العبية" الكبر والفخر. "وعبية الجاهلية: نخوتها. وفي الحديث: إن الله وضع عنكم عبية الجاهلية، وتعظمها بآبائها، يعني الكبر". وقد وصفت "قريش" و نعتت بتكبرها حتى قيل: "هذه عبية قريش". وتجد في القرآن الكريم إشارات إلى عبية زعماء قريش وفخرهم على غيرهم بالآباء و بالأحساب وبأمور لا تستوجب فخر مفاخر، لانها لا تتناول عمل إنسان ليحمد أو ليذم عليه.وقد ذمها الإسلام ونهى المسلمين عن عبية الجاهليين.

(1/2130)


ونظرا إلى ما للبداوة من فقر و قساوة و غلظ في المعاشى، ومن ضيق أفق في المدارك وقصر نظر في شؤن هذا العالم الخارجي وفي فهم الحياة - نظر العربي إلى الأعرابي نظرة استجهال وازدراء، ونظر إلى نفسه نظرة فيها علو واستعلاء. فورد أن الأعرابي إذا قيل له: يا عربي. فرح بذلك وهش له، والعربي إذا قيل له: يا أعرابي! غضب له. لما بين الحياتين من فروق وتضاد. فقد جبلت البادية أبناءها على أن يكونوا غرباء عن العالم الحضر وعن عقلية أهل القرى والمدن. متغطرسين مغرورين على فقرهم وفقر من يحيط بهم. فخورين بأنفسهم إلى حد الزهو والإعجاب والخروج عن الحد، فكانوا إذا تكلموا رفعوا أصواتهم، و ظهرت الخشونة في كلماتهم، و إذا تعاملوا مع غيرهم ظهر الحذر عليهم، خشية الغدر بهم. ولهذا قال الحضر: "أعرابي جلف"، أي جاف. وفي الحديث: "من بدا جفا"، أي غلظ طبعه لقلة مخالطة الناس. وقالوا: "أعرابي قح" و "أعرابي قحاح"، و هو الذي لم يدخل الأمصار ولم يختلط بأهلها. و لهذه الخشونة التي خلقتها طبيعة البادية في الأعرابي، وهو لا دخل له بها بالطبع، كما انه لا يشعر بها ولا يرى أن فيه شيئا منها، كان العرب، إذا تحدثوا عن شخص فيه عنجهية وخشونة، قالوا عنه: فيه أعرابية. كالذي ذكروه مثلا عن "عيينة بن حصن الفزاري"، من أنه كان أحمق مطاعا، دخل على النبي من غير إذن وأساء الأدب فصبر النبي "على جفوته و أعرابيته". إلى غير ذلك من نعوت تصف الأعرابي بالغلظ والقسوة والأنانية وما شاكل ذلك من نعوت تحدثت عنها في الجزء الأول من هذا الكتاب. وهي حاصل هذا المحيط الذي ولد فيه وعاشى، والظروف التي ألمت به، فعزلته عن العالم الخارجي، وأبعدته عن التحسس بتنوع مظاهر الطبيعة وبتغيرها، فلم ير الثلج في حياته وهو يتساقط من السماء. ولم يتعود على رؤية الأمطار وهي تتساقط عليه على نحو ما يقع في عالم أوربة أو في البلاد الحارة ذات الأمطار الموسمية الواضحة، حتى يستفيد

(1/2131)


منها في استغلال ارضه، ولم تعطه الطبيعة انهارا ومياها جارية، إلى غير ذلك من أمور تحدثت عنا أثناء كلامي على العقلية العربية في الجزء الأول من هذا الكتاب.
و وصف الأعرابي بالجهل، بل بالجهل المطبق. فهو وثني ولكنه لا يفهم شيئا من أمور الوثنية، وهو نصراني، لكنه نصراني بالاسم، لا يعرف عن النصرانية في الغالب شيئا، وهو مسلم ولكنه لا يعرف عن الإسلام إلا الاسم. ونجد في كتب آهل الأخبار والأدب قصصا مضحكا بمثل هذا الجهل الذي رمي به الأعراب في بعضه حق وفي بعضه باطل لأنه موضوع حمل عليهم حملا للانتقاص منهم وليكون قصصا وتفكهة وتسلية يتسلى بها الحضر في مجالسهم في أثناء قتلهم للوقت.
وهو حقود، لا يرى إن يغفر ذنب من أساء إليه. بل يظل في نفسه حاقدا عليه حتى يأخذ بثأره منه. "قيل لأعرابي: أيسرك أن تدخل الجنة ولا تسيء إلى من أساء إليك ? فقال: بل يسرني أن أدرك الثأر وأدخل النار".
ويذكر إن الرسول كان يميز بين الأعراب وبين البادية، وهم الذين كانوا ينزلون أطراف القارة "القارية" وحولهم. فما أهدت "أم سنبلة" الأسلمية لبنا إلى بيت رسول الله، أبت عائشة قبوله، لأن الرسول قد نهى أهله عن قبول هدية أعرابي. وبينما كانت أم سنبلة في بيته، دخل رسول الله، فقال: ما هذا ? قالت عائشة: يا رسول الله، هذه أم سنبلة أهدت لنا لبنا، وكنت نهيتنا إن نقبل من أحد من الأعراب شيئا. فقال رسول الله: خذوها، فان أسلم ليسوا بأعراب، هم أهل باديتنا. ويفهم من هذا الخبر، إن الرسول فرق بين العرب البادية المقيمين حول "القارية" أهل الحاضرة، الذين هم على اتصال دائم بالحضر، وبين الأعراب. وهم البادون البعيدون عن أهل الحواضر. وهم الذين نهى الرسول عن قبول هدية منهم. وذلك بسبب جفائهم على ما يظهر ولأنهم لا يهدون شيئا إلا طمعوا في رد ما هو أكثر منهم. لغلظ معاشهم وضيق تفكيرهم. وآية ذلك ما ورد عنهم في القرآن الكريم.

(1/2132)


فأهل البادية المجاورون للحضر أخف على النفس، من الأعراب، لتأثرهم بحياة الحضر. ولعل منهم من شارك أهل الحضر في التعاطي والتعامل. ونرى آهل الأخبار يروون إن أهل القرى كانوا أصحاب زرع ونخيل وفواكه وخيل وشاء كثير وإبل، يقيم حولهم أناس بادون. كالذي كان حول مكة ويثرب والطائف وقرى الحجاز واليمن وغير ذلك، فان هؤلاء لم يكونوا أعرابا أي بدوا صرفا، هجروا الحواضر و أقاموا في البوادي البعيدة، بل هم وسط بن الحفر وبين الأعراب. فأخلاقهم ألين من أخلاق الأعراب وطباعهم أرق.. ويمكن الاعتماد عليهم نوعا ما، بينما لا يمكن الركون إلى قول أعرابي.
وقد بلغ من استعلاء الحضر على أهل البادية، إن الأعراب لما أرادوا التسمي بأسماء المهاجرين قبل أن يهاجروا، منعوا من ذلك، فأعلموا إن لهم أسماء الأعراب لا أسماء المهاجرين، وعليهم التسمي بها.
والأعراب أهل منة، إذا فعلوا معروفا بقوا يتحدثون عنه، ويمنون بصنعه على من قسموه له. وهم يريدون منه صنع أضعاف ما صنعوه له. وهم خشنون إذا تكلموا رفعوا أصواتهم. وقد وبخهم القرآن وأنبهم لفعلهم هذا. فجاء فيه: "يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض، أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون. إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم". وأمر المسلمين بالتأدب بأدب الإسلام. فقال: "واقصد في مشيك واغضض من صوتك. إن أنكر الأصوات لصوت الحمير". وقد كانوا يجهرون له بالكلام ويرفعون اصواتهم، فوعظهم الله ونهاهم عن ذلك، يقول تعالى ذكره "يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت رسول الله تتجهموه بالكلام وتغلظون له في الخطاب".

(1/2133)


و كان من خشونتهم و أعرابيتهم إن أحدهم إذا جاء الرسول فوجده في حجرته نادى: يا محمد يا محمد? وذكر إن وفدا من "تميم" وفد على رسول الله، فوجده في حجرته، ونادى مناديه:. اخرج إلينا يا محمد? فان مدحنا زين وذمنا شين. أو: يا محمد ! إن مدحي زين وان شتمي شين. فأنزل الله: )إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون. ولو انهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم. والله غفور رحيم(.
وقد اتهم الأعرابي بماديته المفرطة وبطمعه الفظيع. فهو يحارب معك، ثم ينقلب عليك ويصير مع خصمك، إذا وجد إن في الجانب الثاني حلاوة، وانه مستعد لإعطائه أكثر مما أعطيته. حاربوا مع الرسول ثم صاروا عليه و انتهبوا عسكره، و جاؤوا إليه فعرضوا عليه الإسلام، فلما أرادوا العودة إلى بلادهم وهم مسلمون، وجدوا رعاء للرسول، فانتهبوه وقتلوا حماته مع علمهم بأنه له، وان انتهاب مال المسلم حرام، فكيف بهم وهم ينتهبون مال رسول الله. وقد ندد القرآن الكريم بطمعهم في الآية: )قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا، ولكن قولوا أسلمنا(. فهؤلاء قوم من بوادي العرب قدموا على النبي، صلى الله عليه وسلم، المدينة، طمعا في الصدقات، لا رغبة في الإسلام، فسماهم الله تعالى الأعراب.. و مثلهم الذين ذكرهم الله في سورة التوبة، فقال: )الأعراب أشد كفرا ونفاقا(. وذكر عن "قتادة" قوله: "قالت الأعراب آمنا، قل: لم تؤمنوا، ولعمري ما عمت هذه الآية الأعراب. إن من الأعراب من. يؤمن بالله واليوم الاخر، ولكن إنما أنزلت في حي من أحياء الأعراب إمتنوا بإسلامهم على نبي الله، صل الله عليه وسلم، فقالوا: أسلمنا ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان. فقال الله تعالى: )لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا(". "وقال أخرون: قيل لهم ذلك لأنهم منوا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بإسلامهم. فقال الله لنبيه، صلى الله عليه وسلم، قل لهم لم تؤمنوا ولكن استسلمتم خوف السباء

(1/2134)


والقتل".
ولا يعرف الأعرابي شيئا غير القوة ولا يخضع إلا لسلطانها. وبموجب هذه النظرة بنى أصول الحق والعدل، وما يتبعهما من حقوق. كما سأتحدث عن ذلك فيما بعد. وهو فخور بنفسه متباه بشجاعته، لكنه لا يصبر إذا طال القتال وجد، ولا يتحمل الوقوف طويلا في ساحة المعركة، لا سيما إذا شعر إن للقتال غبر متوازن، وان أسلحة تصمه أمض و أقوى في القتال من أسلحته، فيولي عندئذ الأدبار، و لا يرى في هروبه هذا من المعركة شيئا ولا عيبا. وفي تأريخ معارك الجاهلية ولا سيما في معاركهم مع الأعاجم ومع القوات النظامية العربية أمثلة عديدة من هذا القبيل. ففي الحروب التي وقعت بين المسلمين والفرس أو الروم، خذلت بعض القبائل المسلمين، وتركتهم لما رأت جد القتال وان لا، فائدة مادية ستحصل عليها منه. "وقد كان انضم إلى المسلمين حين ساروا إلى الروم ناس من لخم وجذام، فلما رأوا جد القتال فروا ونجوا إلى ما كان قربهم من القرى، و خذلوا المسلمين". فروا وهربوا لأنهم وجدوا إن القتال قد طال وانه قتال جد، ولا قبل للقبائل على القتال الطويل للشديد الجد. فاختاروا الهروب دون إن يفكروا، في شدهم الذي عقدوه مع إخوانهم في الجنس على القتال معهم والاستمرار فيه حتى النهاية، فإما نصر وإما هزيمة وموت وهلاك. ولكن طبيعة الأعراب لا تقيم وزنا ولا تعطي أهمية للعقود في مثل هذه المواقف. إن رأت هواها في القتال قد تغير وتحول، وان الأمر في كسب مغنم قد تضاءل، انسحبت منه بعذر قد يكون تافها وبغير عذر أيضا. وقد لا تنسحب، وإنما تبدل الجبهة، بأن تذهب إلى الجانب الآخر فتحارب معه، وتقاتل عندئذ من كانت تقاتل معه. لأنها وجدت إن الربح من هذا الجانب مضمون، وان ما ستناله منه من فائدة أكثر. وذك بعد مفاوضات سرية تجرى بالطبع. وهذا ما أزعج الروم والفرس، وجعلهم لا يطمئنون إلى قتال العرب معهم وفي صفوفهم.، فرموهم بالغدر. فكانوا إذا كلفوهم بالحرب معهم عهدوا إليهم

(1/2135)


القيام فيها بأعمال حربية ثانوية، أو الانفراد بحرب الأعراب الأعداء الذين هم من أنصار الجانب الآخر. فقد حدث مرارا إن هرب الأعراب من ساحة القتال حين سعرت نار الحرب، وارتفع لهيبها، فأحدث هروبهم هذا ارتباكا في جانب من كان يقاتلون معه أدى إلى هزيمته هزيمة منكرة، لما أحدثه فرارهم هذا من فجوة في صفوف المقاتلين. وقد أشارت إلى هذه الحوادث مؤلفات الكتاب اليونان و اللاتين.
وهو صارم عبوس، إذا ضحك ضحك بقدر، وكأنه يسقع بضحكته هذه ضريبة فرضت عليه. يكره الدعابة، ويرى فيها تبذلا لا يليق صدوره من إنسان كريم. بقي هذا شأنه حتى في الإسلام. فما وصف "أبو عبد الله المصعب بن عمد الله بن المصعب الزبيري" "عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر-الصديق" قال عنه: "كان امرءا صالحا، وقد كانت فيه دعابة". حتى إن من العلماء من عد "الدعابة" من الشوائب التي تنقص المرومة، وتؤثر في صاحبها، وتطعن فيه، فلا تجعله أهلا لأن يؤخذ عنه الحديث. أي جعلوه شخصا غير موثوق به.
و قد بحث "غوستاف لبون" و "رينان" و "الأب لامانس" في عقلية الأعرابي. وما رأوه فيه من وجود "فردية" متطرفة عنده، إلى درجة تجعله يقيس كل شيء بمقياس الفائدة التي يحصل عليها من ذلك الشيء. ثم ما وجدوه فيه في الوقت نفسه من خوفه من الإمعان في القسوة، ومن الإمعان في القتل، لما يدكه من رد الفعل الذي سيحدث عند أعدائه ضده إذا تمكنوا منه، ومن نتائج الأخذ بالثأر. كما بحثوا عن ميل الأعرابي إلى المبالغة. المبالغة في كلامه. والمبالغة في إعطائه إذا أعطى، والمبالغة في مدح نفسه، والتباهي بشجاعته و بكرمه و بشدة صبره إلى غير ذلك، مع وجود تناقض فيه بالنسبة إلى دعاويه هذه. وهو يحب المديح كثيرا، وهو على حد قولهم. إذا أعطى، صور ذلك غاية الجود، وبالغ فيه، ويظل يذكره في كل وقت ويحب إن يطرى عليه، لا سيما إذا كان من شاعر وهو صحافي ومذيع ذلك الوقت.

(1/2136)


وللفوارق الموجودة بين العرب والأعراب، بين الحضر وبين أهل البوادي رأى "الأزهري" وجوب التفريق بين الاثنين. إذ قال: "والذي لا يفرق بين العرب والأعراب والعربي والأعرابي، ربما تحامل على العرب، بما يتأوله في هذه الآية. وهو لا يميز بين العرب والأعراب. ولا يجوز إن يقال للمهاجرين والأنصار أعراب، إنما هم عرب، لأنهم استوطنوا القرى القريبة، وسكنوا المدن. سواء منهم الناشئ بالبدو، ثم استوطن القرى و الناشئ بمكة، ثم هاجر إلى المدينة. فان لحقت طائفة منهم بأهل البدو بعد هجرتهم واقتنوا نعما ورعوا مساقط الغيث بعد ما كانوا حاضرة أو مهاجرة. قيل: قد تعربوا أي صاروا أعرابا بعد ما كانوا عربا. وفي الحديث تمثل في خطبته مهاجر ليس بأعرابي. جعل المهاجر ضد الأعرابي. قال والأعراب ساكنو البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلا لحاجة. وقال أيضا المستعربة عندي قوم من العجم دخلوا في العرب فتكلموا بلسانهم وحكوا هيآتهم وليسوا بصرحاء فيهم. وتعربوا مثل استعربوا". وقد ذهب هذا المذهب "ابن خلدون"، إذ رأى إن الأعراب يختلفون عن العرب. ولذلك فإن ما أشار إليه "ابن خلدون" من إن العرب إذا دخلوا بلدا أسرع إليه الخراب إنما قصد به الأعراب لا العرب الحضر.

(1/2137)


ولكي نكون منصفين في الأحكام عادلن غير ظالمين علينا التفريق بين الأعراب وبين العرب. فما يقال عن الأعراب يجب ألا يتخذ قاعدة عامة تطبق على العرب. لما بين العرب والأعراب من تباين في الحياة وفي النفسية والعقل. ثم علينا لكي نكون منصفين أيضا إن نفرق بين عرب وعرب. لما أصاب عرب كل أرض من أرض العرب من أثر تركه الأجانب فيهم، ومن امتزاج الأعاجم في العرب ودخولهم فيهم واندماجهم بهم حتى صاروا منهم تماما. والامتزاج والاندماج يؤثران بالطبع في أخلاق أهل المنطقة التي وقعا فيها، أضف إلى ذلك عوامل البيئة والمحيط. ولهذا يرى المرء تباينا بينا بين عرب كل قطر، تباينا يلمسه حتى الغريب. فبين أهل العراق وأهل بلاد الشام العرب، تبابين و فروق في الملامح الجسمية وفي المظاهر العقلية والاجتماعية وغيرها، مع انهم جميعا عرب يفتخرون بانتسابهم إلى العروبة. وبين عرب العربية الجنوبية وبين عرب عالية نجد فروق واضحة جلية. وهكذا قل عن بقية بلاد العرب. بل نجد هذا التباين أحيانا بين أجزاء قطر واحد. فإذا كان هذا هو ما نراه ونلمسه في الجاهلية وفي الإسلام، فهل يجوز لأحد التحدث عن عقلية عامة جامعة تشمل كل العرب? وقد أدرك المتقدمون علينا بالزمن اختلاف العرب في الصفات والشمائل، فتحدثوا عن "حلم قريش"، وعن لينها ورقة ذوقها وعن براعتها في التجارة، وتحدثوا عن عمق تفكير أهل اليمن وعن اشتهارهم بالحكمة، حتى قيل: الحكمة يمانية. وورد إن "علي بن أبي طالب"، لما وافق على اختيار "أبي موسى الأشعري" ليكون ممثله في التحكيم، قال له "أبو الأسود الدؤلي": "يا أمير المؤمنين لا ترض بأبي موسى، فإني قد عجمت الرجل وبلوته، فحلبت أشطره، فوجدته قريب القعر، مع انه يمان".
الحنين إلى الأوطان

(1/2138)


ومع فقر البادية وغلظ معاشها وشحها، فإن الأعرابي يحن إليها، ولا يصبر عن فراقها حتى وان أخذ إلى جنان الريف. قال الجاحظ: "وترى الأعراب تحن إلى البلد الجدب، والمحل القفر، والحجر الصلد، وتستوخم الريف". "واعتل أعرابي في أرض غربة، فقيل له: ما تشتهي? فقال: حسل فلاة، و حسو قلات". ويروى إن "ميسون بنت بحدل" الكلبية، زوجة معاوية، كانت تحن إلى وطنها، وقد سمعها زوجها وهي تنشد أبياتا في شوق وحنين إلى البادية، فخيمتها التي تلعب الأرياح بها، خير عندها وأحب لها من العيش في قصر منيف، ورجل من بني عمها نحيف أحب إليها من "علج عليف"، أي حضري سمين من كثرة الأكل. وانتقل أعرابي من البداوة إلى الحضارة، فرأى المكاء في الحضر، فقال يخاطبه: فارق هذا المكان، فإنه ليس لك فيه الشجر الذي تعشش عليه، و أشفق من إن تمرض كما مرضت.
والعربي الذي ألف الحضارة وأمعن في الترف وتفن في العيش بالمدن، لا يفقه سحر البادية الذي يجلب إليه أهل البادية. لأنه يرى إن كل ما فيها ضيق وجوع وحر شمس وفقر. فيسخر من الأعرابي ويضحك عليه لحنينه إلى باديته. ولما استظرف "الوليد بن عبد الملك" أعرابيا واستملحه، فأبقاه عنده وسأله عن سبب حنينه إلى وطنه أجابه جوابا خشنا، مثل جفاء الأعراب وصلفهم. فقال الوليد، وهو يضحك: أعرابي مجنون. ولم يتأثر منه، لأنه أعرابي، والأعرابي في حكم المجانين. وقد سقط حكم القلم عنه.
ويروي أهل الأخبار حديثا لكسرى أنوشروان مع وفد وفد عليه فيه بعض خطباء العرب. فسألهم عن سبب تفضيلهم السكن بالبادية وعن حياتهم بها وعن طبائعهم إلى غير ذلك من أسئلة وأجوبة دونوها على إنها أسئلة كسرى و أجوبة العرب عليها. و فيها أمور مهمة عن حياة الأعراب. وقد يكون الخبر قصة موضوعة، غير إننا لا ننظر إليها من جهة تاريخية، إنما نأخذها مثالا على ما كان يدور في خلد من صنعها عن نفسية الأعراب وعن نظرة الحضر إلى أهل البوادي.

(1/2139)


و للمسعودي كلام في اختيار العرب سكنى البادية وسبب ذلك، كما تحدث عن أثر البوادي في صحة أجسام العرب وفي تكوين أخلاقهم، مما جعلهم يختلفون بذلك عن بقية الناس.
والعرب وإن عرفوا بالترحل والتنقل، بسبب البداوة إلا انهم يحنون إلى أوطانهم، ولا ينسون موطنهم القديم. يستوي في ذلك العربي والأعرابي. وهم يرون إن في الغربة كربة، وان الإنسان إذا صار في غير أهله ناله نصيب من العذل. "وكانت العرب إذا غزت وسافرت حملت معها من تربة بلدها رملا وعفرا تستنشقه عند نزلة أو زكام أو صداع". "وقيل لأعرابي: كيف تصنع في البادية إذا اشتد القيظ وانتعل كل شيء ظله? قال: وهل العيش إلا ذاك، يمشي أحدنا ميلا فيرفض عرقا، ثم ينصب عصاه ويلقي عليها كساءه، ويجلس في فيئه يكتال الريح، فكأنه في إيوان كسرى".
وجاء إن "الوليد بن عبد الملك" استظرف أعرابيا فاحتسبه عنده وحباه، فمرض فبعث إليه "الوليد" بالأطباء، وعالجوه، ورأى من الخليفة كل رعاية. لكن هواه بقي في وطنه، ولم يطق على هذه المعيشة الراضية الطيبة صبرا، فهلك بعد قليل. إلى غير ذلك من قصص وشعر ورد في الحنين إلى الأوطان، وفي تفضيل الوطن على كل منزل آخر، ولو كان آية في الجمال ومثالا من الراحة و الاطمئنان.
وهو يعجب من لغة أهل الحضر، ولا سيما حضر ريف العراق وريف بلاد الشام. ومن الاكرة الذين لا يفهم عنهم ولا يستطيع إفهامهم، فكان يجد نفسه و كأنه في سجن مطبق، يريد الخلاص منه. حدث ذلك حتى في الإسلام، وقد ذكر "أبو عمان الجاحظ"، انه رأى أعرابيا، وكان عبدا حبشيا لبني أسيد، وقد صار "ناظورا"، و كأنه اصيب بمس من الجن، فلما رآه، قال له: لعن الله أرضا ليس بها عرب.
حياة الأعراب

(1/2140)


وحياة الأعراب حياة تكاد تكون حياة واحدة لا تغير فيها ولا تبدل، فهي على وتيرة واحدة. على تعدد القبائل، وابتعاد مواضع بعضها عن بعض. ذلك لأن الظروف المخيمة عليهم، ظروف واحدة لا اختلاف فيها ولا تبدل. إلا ما كان منها بالنسبة إلى أعراب الضواحي والحواضر، فان ظروفهم تختلف عن هؤلاء، ومجال تفكيرهم أوسع من مجال تفكير الأعراب. بسبب نوع المعيشة المتغير، المتصل بالأرض، وقربهم من الحضر. ولو درسنا حياة القبائل في الجاهلية وج معنا دراستنا من المروي عنها في الكتب، وجدنا إن بين الماضي البعيد وبين الحاضر شبها في نمط الحياة، وان ما ذكرته عن قبائل الجاهلية يكاد ينطبق على حياة قبائل البادية في وقتنا هذا، ذلك لأن الظروف والمؤثرات بالنسبة إلى حياة الأعراب الممعنين في البادية لا تزال كما كانت عليه. ولكنها سوف لن تبقى على ما هي عليه و إلى أبد الآبدين بالطبع، لأن التقدم الحضاري والاكتشافات المادية، قد آخذت تغزو الأعراب وتضيق الخناق عليهم، لتغير من حالهم. فبعد إن كان البدو قوم غزو، أكرهتهم الحكومات القوية على الابتعاد عن الغزو ونبذه، حتى اضطروا إلى توديعه إن الأبد أو كادوا وصاروا مغزوين، تغزوهم الحضارة الحديثة والآليات بما لا قبل لهم بمقاومته، لتفوق الغزو الجديد عليهم. وهم سيكونون ولا شك بمرور الوقت على شاكلة النصف الآخر من العرب. أي إخوانهم الحضر. يوائمون أنفسهم مع التطور الجديد. وسوف يبدل هذا من حياتهم ولا شك، ومن أهم ما سيفعله فيهم، تحويل حياتهم من حياة غير مرتبطة بالأرض، إلى حياة ترتبط بها ارتباطا. وثيقا، فتتحول البداوة عندئذ إلى حضارة، وسيشعر الأعرابي عندئذ انه مواطن له ارض ووطن وقوم هم إخوة له يشعرون بشعوره. وأن من يعزل نفسه عن العالم، فلن يعزل بذلك إلا نفسه، ولن يضر إلا بصالحه. وان الإنسان بغير عمل ولا إنتاج، إنسان تافه لا قيمة له. وأن العنتريات و العبية الجاهلية من جملة مؤخرات الحياة


_________________
مصطفى سليمان أبوالطيب الهوارى
مصطفى سليمان أبوالطيب
مصطفى سليمان أبوالطيب
مدير عام

عدد المساهمات : 8782
السٌّمعَة : 27
تاريخ التسجيل : 02/09/2010
العمر : 47

الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام Empty رد: الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

مُساهمة  مصطفى سليمان أبوالطيب الثلاثاء يونيو 18, 2019 3:18 pm

في كل الأزمنة والأوقات.
ملامح العرب
والعرب وان كانوا من الجنس السامي، إلا انهم يختلفون عن بقية "أبناء سام" في الملامح الجسمانية وفي فصائل الدم، وفي أمور أخرى. ذلك لأن السامية، كما سبق إن قلت -جنسية ثقافية، أما من الناحية "البيولوجية" وهي تتعلق بالملامح وبأمور بيولوجية أخرى فليست بجنسية خاصة يمكن تمييزها من بن قبائل الأجناس البشرية، لما نراه فيما بين شعوبها من تباين. ثم إن بين العرب أنفسهم، تباينا واختلافا في الملامح، بسبب قرب العرب وبعدهم من الأعاجم، وأثر فعل الرقيق والأسرى في امتزاج الدم بينهم، ثم اثر فعل الطبيعة و عملها في الإنسان، وما تقدمه له من غذاء ونوع ماء وحر وبرد ومطر وضغط جوي ونوع تربة.
واليهود هم من الجنس السامي، جنس خليط كذلك في القديم وفي الحديث فقد دخل اليهود دم غريب أيضا، وفي في التوراة وفي أسفار المكابيين والكتب العبرانية الأخرى، إكراه اليهود للشعوب التي استولوا على أرضها على التهود. فدخلت في اليهودية، وهي ليست من اصل يهودي، وصارت من يهود وقد دخلت اليهودية في حمير وبني كنانة وبني الحارث كعب و كندة، وهم من العرب. و دخل آخرون في اليهودية، وصاروا يهودا فاليهود مثل غيرهم، فيهم اليهودي الخالص، وفيهم اليهودي الغريب، وفي ملامحهم المتباينة ما هو دليل على وجود الاختلاط في الدم.

(1/2142)


وأنا إذ أتكلم عن ملامح العربي، فإني لا ازعم إن لدي أو لدى الباحثين مقاييس خاصة ثابتة نستطيع إن نقيس بها ملامح العرب، بحيث نحددها في حدود ونرسم لها رسوما، لا تتعداها ولا تتخطاها. فحدود مثل هذه لا يمكن إن توجد ولا يمكن إن ترسم، لان بين العرب تباينا وتنابزا في الصور وفي الملامح بحيث يكون من الصعب علينا وضع حدود ثابتة لملامح العرب، يخضع لها كل العرب أو أكثرهم. وسبب ذلك اتساع جزيرة العرب، ووجود سواحل طويلة جدا تقابل قارتين: قارة سوداء هي إفريقية، وقارة أخرى هي آسية، لون بشرة سكان سواحلها الجنوبية الشرقية السواد والسمرة الغامقة. وهي سواحل مفتوحة غذت جزيرة العرب بعناصر ملونة اختلط دمها بالدم العربي حتى اثر ذلك اللون في سحن الناس هناك فبان السواد أو اللون الداكن على السواحل العربية المقابلة لسيلان والمهند. وظهرت الملامح الأفريقية على سحن الساحل الغربي لجزيرة العرب من تهامة فيما بعد حتى ساحل عمان. وظهرت سحن وملامح أقوام بيض من روم و رومان وأهل فارس في مواضع أخرى من جزيرة العرب، بسبب سياسة الحكومات القاضية بالتهجير نكاية بالمهجرين، أو بسبب تنقلات الجيوش والحروب، أو التجارة، أو الخطط العسكرية القاضية بحماية المصالح الاقتصادية. وذلك بوضع حاميات عسكرية على سواحل الجزيرة لحماية السفن من غارات الأعراب ولصوص البحر. ثم يحدث إن تنقطع الأسباب برجال تلك الحاميات، وتنقطع صلاتهم بالأم لعوامل عديدة، فيستقرون في مواضعهم ويتعربون حتى صاروا عربا. نسوا أصلهم وعدوا من خلص العرب. ولكن العرق دساس كما يقول الناس، فبقي أثره بارزا ظاهرا على الوجوه، نراه حتى اليوم في تغاير وتمايز سحن سكان السواحل فيما بينها، وفي تغايرها عن سحن أهل باطن جزيرة العرب تغايرا. ملحوظا. وقد أشرت في كتابي "تأريخ العرب قبل الإسلام" و في الجزء الأول والثاني من هذا الكتاب إلى أثر المستعمرات اليونانية في سحن العرب، كما

(1/2143)


هو الحال في جزيرة "فيلكة" في الكويت والى أثر الرقيق، التجارة في باطن جزيرة العرب مما يجعلني في غنى عن إعادة الكلام عن ذلك مرة أخرى.
وقد ذكر أهل الأخبار إن الروم سكنت في الجاهلية جبل "ملكان" وهو جبل في بلاد طيء. فلا يستعد بقاء هؤلاء فيه وسكنهم فيه، وتحولهم إلى عرب بتعربهم كما تعرب غيرهم من اليونان ممن نزل المستوطنات اليونانية في بلاد العرب.
ونجد بمكة ويثرب وبمواضع أخرى من جزيرة العرب موالي أصلهم من الفرس أو الروم برز منهم بعض الصحابة مثل: "سلمان الفارسي" و "رومان الرومي"، وهو من موالي الرسول، وغيرهم. وقد ترك هؤلاء الموالي آثرا في ملامح الناس ولا شك.
ثم يلاحظ إن أجسام سكان السواحل اقصر من أجسام أبناء الجبال والنجاد. وان أهل التهائم والسواحل الجنوبية لجزيرة العرب اقصر قامة من أهل نجاد اليمن أو أهل نجد. كما نجد اختلافا بين ملامح القبائل لا زال بارزا حتى اليوم. اختلافا يتحدث عن طبيعة الامتزاج الذي وقع في الدم في أيام الجاهلية أيضا، لاختلاط الدماء وامتزاجها بالعوامل التي ذكرتها.، وان ذهب البعض إلى إن جزيرة العرب كانت في عزلة عن العالم، فهذه العزلة التي يتحدثون عنها، هي عزلة لم تكن عامة و لا يمكن إن نسميها عزلة صحيحة إلا بالنسبة للقبائل المتبدية التي عاشت في صميم البوادي، غير إن تلك القبائل لم تتمكن مع ذلك من عزل نفسها عن الرقيق والأسرى الغرباء.

(1/2144)


ثم نجد فروقا بين العرب والأعراب، سببه اختلاف المحيط والظروف والغذاء. فالعربي ممتلئ الجسم بالقياس إلى الأعرابي الرشيق القليل اللحم، الدقيق العظم. وتظهر هذه النحافة في وجه الأعرابي أيضا، فوجهه ممشوق قليل اللحم، دقيق ممتد ذو ذقن بارز، وأنف دقيق، وعينان براقتان. وتعد الرشاقة في جسم العربي من محاسنه لأنها تجعله معتدل القوام. خفيف الحركة،. وقد مدح "امرؤ القيس" الغعلام الخف، أي الخفيف الجهم، السريع الحركة الذي ينزل، عن صهواته ويلوي بأثواب العنيف المثقل. أي الثقيل الجسم السمين. وقيل: الخفيف في الجسم والخفاف في التوقد والذكاء. ويعد ثقل الجسم من المعيبات. ومن المجاز التخفيف ضد التثقيل والخفيف ضد الثقيل. وقد اعتبروا الثقل ذما في الإنسان. فقبل: هو ثقيل على جلسائه، وهو ثقيل الظل، ويقال مجالسة الثقيل تضني الروح، حتى ألف بعض العلماء في أخبار الثقلاء.
و "الربع" من الرجال، أي المتوسط القامة، النموذج الأوسط للإنسان وحد الكمال في الجسم عند العرب. ويقال له: "ربعة" و "مربوع". وقد نعت رسول الله بأنه "ربعة" من الرجال، وورد أنه كان أطول من المربوع وأقصر من المشذب. والوسط عند العرب هو بين. الجيد والرديء. وأوسط الشيء أفضله وخياره. ومنه الحديث: خيار الأمور أوساطها. وقد هابت العرب أصحاب الطول في الجسم، والكبر في الرأس، واحترموا أصحاب الهيبة والتأثير في النفس، وقد ذكر بعض منهم في كتب أهل الأخبار. وقد رموا القصير بالمكر والخديعة، ولكنهم اعتبروا القصر في الجسم من العيوب، لا سيما إذا كان ذلك القصير غليظ البطن. وقد عرف الإنسان الموصوف بهذه الصفة بالدحداح و بالداح وبالدودح وبالذحذاح. والدودحة القصر مع السمن. وأما "الدرحاية"، فالرجل الكثير اللحم القصير السمين البطين، اللئيم الخلقة. وعرف الرجل المسن الذي ذهبت أسنانه ب "الدردح".

(1/2145)


واعتبر العرب طول العنق من سمات المدح. ولذلك وصف رؤساء العرب بطول العنق. وعبر عن الرؤساء والكبراء والأشراف ب "الأعناق" و "أعناق". وعبر عن الجماعة الكثرة ب "الأعناق" كذلك. وذكر الشاعر "عروة بن الورد" عنق الآرام في شعر له في وصفه للناشئات الماشية بتبختر. إذ قال: والناشئات الماشيات الخوزرى كعنق الآرام أوفى أو صرى
والعرب مثل غيرهم لا يحبون الصلع. ويكثر ظهوره بين العجزة والمسنين والأشراف. وقد ذكر إن أكثر الأشراف من العرب كانوا من الصلع، وتفسير ذلك إن أكر الأشراف هم من ذوي الأسنان، وان الإنسان إذا تقدمت به السن، أخذ الصلع يجد له مكانا في رأسه فيلعب فيه. ومن ذلك قول الناس يوم بدر: "ما قتلنا إلا عجائز صلعا" أي مشايخ عجزة عن الحرب. وأنشد "ابن الأعرابي": "يلوح في حافات قتلاه الصلع" أي يتجنب الأوغاد ولا يقتل إلا الأشراف.
وهم يفضلون "الأفرع" على الأصلع. والأفزع هو الكثير الشعر. وكان "أبو بكر" أفرع، وكان عمر أصلع. وكان رسول الله أفرع ذا جمة. والصلع خير من "القرع"، لأن القرع داء يصيب الرأس، فيؤثر في منظره ويسبب سقوط شعره وحدوث أثر دائم فيه، وقد تنبعث رائحة كريهة منه. وقد ذكر الأخباريون أسماء عدد من الأشراف عرفوا بقرعهم.

(1/2146)


وقد اشتهر بعض العرب بطول القامة، حتى زعم إن بعضا منهم كان إذا ركب الفرس الجسام خطت إبهاماه في الأرض. وذكروا من هؤلاء: "جذيمة ابن علقمة بن فراس"، المعروف ب "جذل الطعان" الكناني، و "ربيعة بن عامر بن جذيمة بن علقمة بن فراس"، وكان يماشي الظعينة فيقبلها، فسمي "مقبل الظعن". و "زيد الخيل بن المهلهل الطائي"، و "أبو زيد حرملة ابن النعمان الطائي"، وعدي بن حاتم بن عبد الله الطائي، وقيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، وأبوه سعد بن عباسة، وسعد بن معاذ، وعبد الله بن أبي ابن سلول، وبشير بن سعد، أخو بني الحارث بن الخزرج، وجبلة بن الأيهم الغساني، وحمل بن مرداس النخعي، ومالك الأشتر بن الحارث النخعي، و عبد الله بن الحصين ذي الغصة الحارثي، وعامر بن الطفيل الجعفري، وقيس ابن سلمة بن شراحيل بن أصهب الجعفي.
العرب أفخر الأمم
يرى الجاحظ إن العرب أفخر الأمم، وأرفعها وأحفظها لأيامها، وينسب ذلك إلى طبيعة بلادهم. إذ "كانوا سكان فياف وتربية العراء، لا يعرفون الغمق ولا اللثق، و لا البخار ولا الغلظ و لا العفن، ولا التخم، أذهان حداد، ونفوس منكرة، فحين حملوا حدهم ووجهوا قولهم لقول الشعر وبلاغة المنطق، وتشقيق اللغة وتصاريف الكلام، بعد قيافة الأثر وحفظ النسب، والاهتداء بالنجوم، والاستدلال بالآفاق، وتعرف الأنواء، والبصر بالخيل وآلة الحرب، والحفظ لكل مسموع والاعتبار بكل محسوس، وإحكام شأن المثالب والمناقب، بلغوا في ذلك الغاية، وحازوا كل أمنية. و ببعض هذه العلل صارت نفوسهم أكبر، وهمهم أرفع من جميع الأمم وأفخر، ولأيامهم أحفظ وأذكر". وهم لطبيعة الأرض التي ولدوا بها صاروا على هذه الحال، ولم يصيروا كاليونان في الحكمة وفي العلوم، ولا كالصين في السبك والصياغة والإفراغ و الإذابة والأصباغ العجيبة، وأصحاب الخرط والنحت و التصاوير، و لا كالهنود أو الفرس.

(1/2147)


وقد وصف الأعرابي بالتفاخر وبالتباهي، فهو فخور معجب بنفسه مترفع عن غيره حتى لكأنه النمر، مع انه من أفقر الناس. ولهذا صاروا إذا أرادوا وصف شخص متغطرس متجبر مع انه لا يملك شيئا يفوق به نفسه على غيره، قالوا عنه: "نبطي في حبوته. أعرابي في نمرته، أسد في تامورته".
العجم
ويطلق العرب على غيرهم ممن لا. ينتمون إلى العرب، لفظة "أعاجم". و "العجم" عندهم خلاف العرب. والرجل الواحد "أعجمي". ولعلماء اللغة آراء في تفسير هذه اللفظة. وهي من الألفاظ الجاهلية، لورودها في القرآن الكريم. ففيه: )لسان الذي يلحدون إليه أعجمي(،. و )أ أعجمي وعربي. قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء(، و )لو جعلناه قرآنا أعجميا، لقالوا لولا فصلت آياته(، و )لو نزلناه على بعض. الأعجميين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين(. ففي هذه الآيات دلالة واضحة على إن المراد من "أعجمي" خلاف العربي، وان هذا المصطلح كان معروفا عند العرب قبل "لإسلام." ويطلق العرب على العجم "الحمراء" لبياضهم ولأن الشقرة أغلب الألوان عليهم. وكانت العرب تقول للعجم الذين يكون البياض غاب على ألوانهم مثل الروم والفرس ومن صاقبهم: انهم الحمراء. والعرب إذا قالوا: فلان أبيض وفلان بيضاء، فمعناه الكرم في الأخلاق لا لون الخلقة. و إذا قالوا: فلان أحمر وفلانة حمراء عنوا بياض اللون. والعرب تسمي الموالي: الحمراء. جاء في الحديث: "بعثت إلى الأحمر والأسود"، أي إلى العجم والعرب كافة.

(1/2148)


وورد إن العرب تقول: جاء بغنمه حمر الكلى وجاء بها سود البطون، معناهما المهازيل. وهو مجاز. ويذكرون إن معنى حمر الكلى الامتلاء والسمن، والسواد معنى الهزال والرشاقة. ولما كان الأعاجم ممتلئي الجسم بالنظر إلى العرب، قالوا لهم "الحمراء". وقد كان العرب يطلقون على الموالي "الحمراء"، و إذا سبوا أحدهم قالوا، "يا ابن حمراء العجان أي يا ابن الأمة. كلمة في السب والذم". ولعلهم فعلوا ذلك بسبب امتلاء أجسام الموالي ولا سيما العجان، الذين لا يتحركون ولا يتنقلون من أماكنهم، ويأكلون الخبز فامتلأت لذلك بطونهم و تكرشوا.
ولم يشرح علماء العربية الأسباب التي حملت العرب على تلقيب العجم ب "رقاب المزاود" "رقاب المزود". وقد ذكر بعض العلماء، إن العرب إنما لقبت العجم ب "رقاب المزاود"، لطول رقابهم أو لضخامتها كأنها ملأى.
ويكنى العرب ب "السبط" عن العجمي و ب "الجعد" عن العربي. وذلك لان سبوطة الشعر هي الغالبة على شعور العجم من الروم والفرس وجعودة الشعر هي الغالبة على شعور العرب. ولكنهم كانوا يفرقون بين جعودة شعر العرب وجعودة شعر الزنج والنوبة. لأنهم ينظرون إلى الزنج والسود على انهم دونهم في المنزلة والمكانة. وهذا قالوا إن العرب تمدح الرجل إذ تقول رجل جعد، أي كريم جواد كناية عن كونه عربيا سخيا، لان العرب موصوفون بالجعودة، و تذم الرجل أيضا حين تقول: رجل جعد، إذ. يقصدون بذلك رجلا لئيما لا يبض حجره، وقد يراد به رجل قصير متردد الخلق. فهو من الأضداد. لذلك فالجعد في صفات الرجال يكون مدحا وذما. و إذا قالوا رجل جعد السبوطة فمدح، إلا إن يكون قططا مفلفل الشعر فهو حينئذ ذم.
ومن المجاز قول العرب: الأعداء صهب السبال وسود الأكباد، وان لم يكونوا كذلك، أي صهب السبال، فكذللك يقال لهم. ورد في الشعر: جاؤا يجرون الحديث جرا صهب السبال يبتغون الشرا

(1/2149)


وانما يريدون إن عداوتهم كعداوة الروم. والروم صب السبال والشعر، و إلا فهم عرب و ألوانهم الأدمة والسمرة والسواد.
ويذكر علماء اللغة إن العرب تصف ألوانها بالسواد، وتصف ألوان العجم بالحمرة. وقد افتخر الشعراء بذلك في الجاهلية وفي الإسلام. من ذلك قول الفضل بن عباس بن عتبة اللهبي: وأنا الأخضر من يعرفني أخضر الجلدة في بيت العرب
يقول: أنا خالص لأن ألوان العرب السمرة. ومن ذلك قول مسكين الدارمي: أنا مسكين لمن يعرفني لوني السمرة ألوان العرب
قال "الجاحظ": "والعرب تفخر بسواد اللون.. و قد فخرت خضر محارب بانها سود، والسود عند العرب الخضر". ثم ذكر أمثلة من أمثلة افتخار بعض القبائل والأشخاص بكونهم "خضرا". حتى قال: "وخضر غسان بنو جفنة الملوك? قال الغساني: إن الخضارمة الخضر الذين ودوا أهل الربص ثمانى منهم الحكم
وقد ذكر حسان أو غيره الخضر من بني عكيم، حين قال: ولست من بني هاشم في بيت مكرمة ولا بني جمح الخضر الجلاعيد
قالوا: وكان ولد عبد المطلب العشرة الساحة سلا ضخما، نظر إليهم عامر ابن الطفيل يطوفون كأنهم جمال جون، فقال: بهؤلاء تمنع السدانة.
وكان عبد الله بن عباس أدلم ضخما، وآل أبي طالب أشرف الخلق، وهم سود وأدم وسلم".
واشتهر بعض سودان العرب بالشجاعة والأقدام، منهم أربعة عرفوا ب "أغربة العرب" وذؤبان العرب. منهم: عنترة وخفاف بن ندبة السلمي، سرى فيه السواد من قبل أمه، وهو من حرة بني سليم. أدرك النبي، وكان شاعرا شجاعا، وقل ما يجتمع الشعر والشجاعة في واحد. ومنهم السليك بن السلكة.

(1/2150)


وهناك قبائل غلب على لونها السواد، حتى عبر عنها ب "دلم". والدلم الرجل الشديد السواد. جاء إليها السواد، لكون أصلها من إفريقية على ما يظهر، وكانت قد استقرت بجزيرة العرب وتعربت، حتى عدت من العرب. أما الأسر والأفراد الدلم، فقد ظهر السواد على لونهم بالتزاوج من الملونين. فقد كان من عادة الأشراف الاتصال بالإماء السود، فإذا ولدن منهم أولادا نجبا شجعانا ألحقهم آباؤهم بهم، ونسبوهم إليهم كالذي كان من أمر عنترة العبسي. وقد مال قوم من قريش إلى التزوج بالإماء السود، وقد ظهرت هذه النزعة بين السادات والأشراف.
وقد ذكر "الجاحظ" في معرض حجج السودان على البيضان، و على لسان الزنج قولهم للعرب: "من جهلكم أنكم رأيتمونا لكم أكفاء في الجاهلية في نسائكم، فلما جاء عدل الإسلام رأيتم ذلك فاسدا، وما بنا الرغبة عنكم. مع إن البادية منا ملأى ممن قد تزوج ورأس وساد، ومنع الذمار، وكنفكم من العدو". وفي هذا القول إشارة إلى التزاوج الذي كان بين العرب والزنج، أي السودان المجلوبين من إفريقية، في أيام الجاهلية. والى انصراف العرب عنه في الإسلام، ما خلا البادية، وذلك بسبب إقبالهم على التزوج بالفارسيات والروميات وبغيرهن على ما يظهر، بسبب الفتوح وتوسع أسواق النخاسة في هذا الوقت. وارتفاع مستوى الوضع الاقتصادي للعرب في الإسلام عنه في الجاهلية، مما مكنهم من التزوج بالأجنبيات البيض الجميلات و تفضيلهن على السودانيات. وظهور نظرة الازدراء إلى السودان في الإسلام، بسبب الأعاجم المسلمين الذين كانوا يزدرون العبيد وينظرون إليهم على انهم عونهم في المنزلة، فانتقلت هذه النظرة منهم إلى العرب.


_________________
مصطفى سليمان أبوالطيب الهوارى
مصطفى سليمان أبوالطيب
مصطفى سليمان أبوالطيب
مدير عام

عدد المساهمات : 8782
السٌّمعَة : 27
تاريخ التسجيل : 02/09/2010
العمر : 47

الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام Empty رد: الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

مُساهمة  مصطفى سليمان أبوالطيب الثلاثاء يونيو 18, 2019 3:19 pm

(1/2151)


ويظهر من رسالة الجاحظ: "فخر السودان على البيضان"، إن نزاعا كان قد دب بين السودان والعرب في الإسلام، بسبب نظرة الازدراء التي أخذ الفاتحون ينظرون بها إليهم فصاروا يترفعون عنهم ولا يخالطونهم. و هذا مما أغاضهم، وحملهم على نبش الماضي، والإتيان بالأخبار وبالأشعار عن دور الحبش في جزيرة العرب قبل الإسلام، وكيف انهم كانوا قد ملكوا "بلاد العرب من لدن الحبشة إلى مكة"، وهزموا ذا ئواس، وقتلوا أقيال حمير، فملكوا العرب ولم يملكهم العرب. إلى غير ذلك من دعاوي تجدها في قصيدة الشاعر الزنجي "الخيقطان"، التي يفتخر فيها بالحبش على العرب، على نحو فخر الشعوبية بأصولهم على العرب. وهي قصيدة شهيرة، قالها يوم سمع "جرير" يسخر منه بشعر قاله، في وصفه. فرد عليه ردا شديدا بقصيدته هذه التي نظمها وهو باليمامة.
وقد عرفت بعض القبائل ببياض بشرتها، واشتهرت نساؤها ببياض البشرة، ورد "في الحديث انه لما خرج من مكة قال له رجل: إن كنت تريد النساء البيض والنوق الأدم فعليك ببني مدلج". ويقال للمرأة التي يغلب على لونها البياض "الحمراء"، وقد لقب الرسول زوجته "عاثشة" ب "الحميراء"، لبياض لونها.
القبيلة
والقبيلة هي عماد الحياة في البادية، بها يحتمي الأعرابي في الدفاع عن، نفسه وعن ماله، حيث لا "شرط" في البوادي تؤدب المعتدين، ولا سجون يسجن فيها الخارجون على نظام المجتمع، وكل ما هناك "عصبية" تأخذ بالحق و "أعراف" يجب إن تطاع.
والرابط الذي يربط شمل القبيلة ويجمع شتاتها هو "النسب". ويفسر ذلك بارتباط أبناء القبيلة كلها بنسب واحد وبدم واحد و بصلب جد أعلى من صلبه انحدر أفراد القبيلة في اعتقادهم. ولهذا نجد أهل الأنساب يرجعون نسب كل قبيلة إلى جد أعلى، ثم يرجعون أنساب الجدود، أي أجداد القبائل إلى أجداد أقدم، وهكذا، حتى يصلوا إلى الجدين للعرب: قحطان و عدنان.

(1/2152)


وقد حفظت الكتابات العربية الجنوبية أسماء عدد كبير من القبائل، لم يعرف أسماء أكثرها أهل الأخبار. وهي تفيدنا من هذه الناحية فائدة كبيرة في الوقوف على هذه القبائل، وبعضها كان قد هلك و انحل واختلط في القبائل الأخرى قبل الميلاد وبعضها بعد الميلاد وقبل الإسلام بأمد.
و تتألف القبيلة من بيوت، يختلف عددها باختلاف حجم القبيلة، وباختلاف المواسم. ففي مواسم الربيع، تضطر أحياء القبيلة على الانتشار والابتعاد، لتتمكن إبلها من الرعي ومن إملاء بطونها بالعشب. فتتجمع على شكل مستوطنات يتراوح عدد بيوت كل مستوطنة منها ما بين الخمسين والمائة والخمسين بيتا. أما في المواسم الأخرى، حيث تنحبس الأمطار وتجف الأرض، فتعود أحياء القبيلة إلى تكتلها وتجمعها، فتكون كل مجموعة حوالي "500" بيت أو أكثر. تتجمع حذر وقوع غزو عليها، وللتعاون فيما بينها عند الشدة والعسر.
والقبيلة في عرف علماء اللغة جماعة من أب واحد، والقبائل في نظرهم من قبائل الرأس لاجتماعها، أو من قبائل الشجرة وهي أغصانها، فهي إذن جماعة من الناس تضم طوائف أصغر منها، وهي تنتمي كلها إلى أصل واحد وجذر راسخ، ولها نسب مشترك يتصل بأب واحد هو أبعد الآباء والجد الأكبر للقبيلة. فالرابط الذي يربط بين أبناء القبيلة ويجمع شملها ويوحد بين أفرادها هو "الدم"، أي النسب. والنسب عندهم هو القومية ورمز المجتمع السياسي في البادية. والقبيلة هي الحكومة الوحيدة التي يفقهها الأعرابي، حيث لا يشاهد حكومة أخرى فوقها. وما تقرره حكومته هذه من قرارات يطاع وينفذ، وبها يستطيع إن يأخذ حقه من المعتدي عليه.

(1/2153)


وهذه النظرة الخاصة بتعريف القبيلة، هي التي حملت أهل الأنساب والأخبار على إطلاق لفظة "القبيلة" على الحضر أيضا. مع انهم استقروا وأقاموا. فقريش عندهم قبيلة، والأوس، والخزرج قبيلة، وثقيف قبيلة. ذلك لأن هؤلاء الناس وان تحضروا واستقروا وأقاموا، وتركوا الحياة الأعرابية، إلا أنهم بقوا رغم ذلك على مذهب أهل الوبر ودينهم في التمسك بالأنساب إلى جد أعلى و إلى أحياء وبطون. وفي إجابة النخوة والعصبية، وما شابه ذلك من سجايا البداوة، فعدوا في القبائل، وان صاروا حضرا وأهل قرار، وقد طلقوا التنقل وانتجاع الكلأ.

وتشارك الشعوب السامية العرب في هذه النظرة. لأن نظامها الاجتماعي القديم هو كالنظام العربي قائم على القبيلة. والقبيلة عندها جماعة من بيوت ترى إنها من أصل واحد، وقد انحدرت كلها من صلب جد واحد. فهم جميعا أبناء الجد الذي تتسمى به القبيلة. وهم مثل العرب في النداء وفي النسب. قد يذكرون الاسم فقط، فيقولون مثلا: أدوم و مؤاب و إسرائيل ويهوذا، أو أبناء إسرائيل وأبناء يهوذا، وبنو إسرائيل وبنو يهوذا. وقد يقولون: بيت إسرائيل وبيت يوسف وبيت خمرى وبيت أديني، بمعنى أبناء المذكورين. تماما كما نقول: غسان، وآل غسان، وأبناء غسان وأولاد غسان ومن غسان، وغساني، وما شاكل ذلك، ويريدون بها شيئا واحدا، هو النسب. أي الانتماء إلى جد واحد به تسمى القبيلة واليه يرجع نسبها.

(1/2154)


وهم يشعرون كالعرب إن أبناء القبيلة هم إخوة وهم من دم واحد، ومن لحم ودم ذلك الجد. وهم يخاطبون بعضهم بعضا بقولهم: "أنت من لحمي ودمي". وفي التوراة أمثلة عديدة من هذا القبيل. فلما ذهب "أبو مالك بن يربعل" إلى عشيرة أمه خاطب أبناءها بقوله: "أيما خير لكم! أن يتسلط عليكم سبعون رجلا جميع بني يربعل، أم إن يتسلط عليكم رجل واحد. واذكروا أني أنا عظمكم ولحمكم". وقد اعتبر "داوود". جميع أبناء عشيرته إخوة له. وخاطب "شيوخ يهوذا" بقوله: "أنتم إخوتي، أنتم عظمي ولحمي". فأبناء القبيلة هم إخوة من دم واحد، يسري في أجسامهم جميعا ما دامت القبيلة حية باقية. ووحدة الدم هذه هي الرابط الذي يجمع شمل القبيلة. وهي صلة رحم، وعصبية، والحكومة الصحيحة التي يجب إن تطاع.
والعربي مثل بقية الساميين لم يفهم الدولة إلا إنها دولة القبيلة. وهي دولة صلة الرحم التي تربط الأسرة بالقبيلة. دولة العظم واللحم، دولة اللحم والدم، أي: دولة النسب. فالنسب هو الذي يربط بين أفراد الدولة ويجمع شملهم. وهو دين الدولة عندهم وقانونها المقرر المعترف به. وعلى هذا القانون يعامل الإنسان. وبالعرف القبلي تسير الأمور. فالحكام من القبيلة، وأحكامهم أحكام تنفذ في القبيلة، و إذا كانت ملائمة لعقلية القبيلة والبيئة، وهذا هو ما يحدث في الغالب، تصير سنة للقبيلة، نستطيع تسميتها ب "سنة الأولين". ووطن القبيلة هو بالطبع مضارب القبيلة حيت تكون، وحيث يصل نفوذها إليه، فهو يتقلص ويتوسع بتقلص وبتوسع نفوذ القبيلة.

(1/2155)


وقد واجه المسلمون في أيام الفتوح صعوبة كبيرة في فتوحهم بسبب العقلية القبلية وضيق أفقها، وعدم تمكنها من التخلص من مثلها الجاهلية بسهولة. فقد كان على القائد إن يقاتل عدوه بجيش يحارب على شكل كتل قبائل، تتكون كل كتلة من مقاتلي قبيلة واحدة، لا من جنود ينتمون إلى أمة هي فوق الكتل والقبائل. وكان على رأس كل وحدة مقاتلة رؤساء من القبيلة التي ينتمي إليها الجنود. وقد واجه الإمام "علي" صعوبة حينما حارب في معركة الجمل وفي معركة صفين وغيرها، إذ اشترطت عليه القبائل المحاربة، ألا تحارب إلا رجال قبيلتها الذين يكونون ضده.، فالهمدانيون الذين معه يحاربون الهمدانيين الذين يحاربون مع خصمه. وهكذا فعلت بقية القبائل، للعصبية القبلية، لأنهم لم يكونوا يستطيعون رؤية قبيلة غريبة تفتك بإخوانهم من قبيلتهم، وهم ينادون بشعار العصيبة، شعار القبيلة. أما هم فإن قاتلوا إخوانهم من قبيلتهم، فإن قتالهم هذا يختلف عن قتال الأخوة حين يقتتلون قتالا قد يكون أشد ضراوة من قتال الغرباء، لا يلتفت فيه إلى وجود دم واحد بين المتقاتلين، والى أنهم من بيت أب وأم، يحتم عليهم التكتل والتعصب، إذ لا غريب هنا أمامهم في هذا القتال.
ولست بحاجة و أنا في هذا المكان، لتكرار قول سبق إن قلته في الجزء الأول من هذا الكتاب - من إن أسماء القبائل لا تعني بالضرورة إنها أسماء أجداد حقيقيين عاشوا وماتوا. فبينها كما سبق إن قلت أسماء مواضع، مثل غسان، وبينها أسماء أصنام مثل "بنو سعد العشيرة" وبينها أسماء أحلاف مثل "تنوخ" وبينها نعوت وألقاب.. إلى آخر ذلك من أسماء قبائل وصلت إلى علم علماء الأنساب، فأوجدوا لها معاني و اعتبروها أسماء رجال حقيقيين تزوجوا و نسلوا ومنهم من كان عاقرا فلم ينسل، فذهب أثره، ولم تبق له بقية.

(1/2156)


والمفهوم من لفظة "القبيلة" في العادة: القبائل التي تتألف من عمائر وما وراء العمائر من أقسام. فإذا ذكرت القبيلة انصرف الذهن إلى آلاف من البيوت تجتمع تحت اسم تلك القبيلة. ولكن الناس يتجوزون في الكلام وفي الكتابة أحيانا فيطلقونها على عدد قليل من الناس قد يبلغ ثلاثة نفر أو أربعة مثل: "بنو عبد الله ابن أفصى بن جديلة"، و "بنو جساس بن عمرو بن خوية بن لوذان"، من "بني فزارة"، و "كليب بن عدي بن جناب بن هبل"، و "بنو شقرة" من تميم. وقد يطلقونها على أكثر من ذلك، ولكن على عدد قليل من الناس أيضا، كأن يكون خمسين رجلا أو ستين. وهذا الاستعمال، هو على سببل التجوز لا الاصطلاح.
ويرى علماء العربية إن هناك تجمعات، هي في نظرهم أكبر حجما من القبيلة أطلقوا عليها "الشعوب". فذكروا إن الشعوب فوق القبائل، ومثاله: بنو قحطان، وبنو عدنان، فكل منهما شعب. وما دونهما قبائل. وذهب بعض منهم إلى إن "الشعوب" للعجم، فإن الشعوب بالنسبة لهم، مثل القبائل للعرب، ومنه قيل للذي يتعصب للعجم "شعوبي"، وقيل: بل هي للعرب وللعجم. والذي عليه اكثر علماء الأنساب، إن الشعب أكبر من القبيلة، وان الشعب أبو القبائل الذي ينتسبون إليه، أي يجمعهم ويضمهم.

(1/2157)


ويظهر إن مرد هذا الاختلاف هو ما ورد في القرآن الكريم من قوله: )وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا(. فقدم "الشعوب" على القبائل. فذهب أكثر المفسرين والعلماء إلى إن هذا التقديم يعني إن الشعب أكبر من القبيلة، وان الشعوب الجماع والقبائل البطون، أو الشعوب الجمهور والقبائل الأفخاذ، أو الشعوب: النسب البعيد، والقبائل: دون ذلك، كقولك فلان من بني فلان، وفلان من بني فلان. وتأول بعض آخر هذا المعنى، فذهبوا إلى إن هذا التقديم أو التأخر، لا علاقة له بالكبر، أي بحجم الشعب أو القبيلة، والآية لا تريد ذلك، و إنما تريد الأنساب، و إنها نزلت في بيان إن الإنسان لا بنسبه، و إنما بعمله. وعلى هذا، فإن الشعب، في نظرهم دون القبيلة في الترتيب. والشعب بعد القبيلة في الدرجة.
وقد أخذ العلماء بالتأويل الأول للفظة "الشعب"، حتى صار هذا المعنى هو المعنى المفهوم منها عند الناس في الإسلام. فهي إنما تعني اليوم جنسا من أجناس البشر له خصائصه ومميزاته، كالشعب العربي والشعب اليوناني والشعب التركي والشعب البريطاني والشعب الأميركي، و هكذا. أو جزا كبيرا مستقلا من أجزاء أمة واحدة، كأن نقول: الشعب العراقي، والشعب السوري، والشعب السعودي، والشعب المصري، أي وحدة جغرافية سياسية ذات كيان.

(1/2158)


ولفظة "الشعب"، من الألفاظ الواردة في نصوص المسند. وهي فيها بمعنى قبيلة، وتكتب "شعبن"، بمعنى "الشعب". وحرف النون في أواخر الأسماء أداة للتعريف في العربيات الجنوبية. فهي إذن مرادف "قبيلة" بالضبط. والجمع "اشعب"، أي "شعوب". ورد "سباواشعبهمو"، أي "سبأ وشعوبهم"، أو "سبأ وقبائلهم" بتعبير أدق وأصح. وورد "شعبن معن"، أي "قبيلة معين"، و "شعبن همدان"، أي "قبيلة همدان". والظاهر إن أهل مكة، وقفوا في الجاهلية على هذه اللفظة أيضا فاستخدموها، وان قبائل حجازية مجاورة لمكة، كانت تستعمل لفظة "شعب" و "الشعب"، بمعنى قبيلة، ونظرا لورودهما معا في القرآن الكريم، فرق العلماء بين اللفظتين، باعتبار إن ذكرهما معا، يعني وجود بعض الاختلاف في المراد منهما. فوقع من ثم بين المسلمين هذا التمييز، وصارت لفظة "الشعب" تدل على معنى يختلف عن معنى كلمة "قبيلة" و"القبيلة".
ويلي الشعب في اصطلاح أهل النسب: القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة. فالشعب النسب الأبعد مثل عدنان و قحطان، والقبيلة مثل ربيعة ومضر، والعمارة مثل قريش وكنانة، والبطن مثل بني عبد مناف و بني مخزوم، ومثل بني هاشم، وبني أمية، والفصيلة مثل بني أبي طالب وبني العباس. وجعل "ابن الكلبي" مرتبة بين الفخذ والفصيلة هي مرتبة العشيرة، وهي رهط الرجل.
وورد إن البطن دون القبيلة أو دون الفخذ وفوق العمارة. وذكر بعضهم. إن أول العشيرة: الشعب ثم القبيلة ثم الفصيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ. وذلك على رأي من جعل العشيرة: العامة. مثل: بني تميم و بني عمرو بن تميم أي الجماعة العظيمة.

(1/2159)


وزاد بعض العلماء الجذم قبل الشعب، وبعد الفصيلة العشيرة، ومنهم من زاد بعد العشيرة الأسرة، ثم العترة. ورتبها آخرون على هذه الصورة، جذم، ثم جمهور، ثم شعب، ثم قبيلة، ثم عمارة، ثم بطن، ثم فخذ، ثم عشيرة، ثم فصيلة، ثم رهط، ثم أسرة، ثم عترة، ثم ذرية. وزاد غيرهم في أثنائها ثلاثة هي: بيت، وحي، وجماع. وذكر بعض علماء اللغة أن "الجذم"، الأصل في كل شيء. فيقال: جذم القوم أهلهم وعشيرتهم. ومنه حديث حاطب، لم يكن رجل من قريش إلا له جذم بمكة.
وذكر بعض العلماء إن العمارة الحي العظيم يقوم بنفسه. وان الفرق بين الحي والقبيلة هو إن الحي لا يقال فيه بنو فلان نحو قريش و ثقيف ومعد وجذام. والقبائل يقال فيها بنو فلان مثل بني نعيم وبني سلول. وذكر أيضا إن العمارة: الحي العظيم الذي يقوم بنفسه، ينفرد بظعنها و إقامتها و نجعتها. وقيل هو اصغر من القبيلة. وفي الحديث: انه كتب لعمائر كلب وأحلافها كتابا. قال التغلبي: لكل اناس من معد عمارة عروض، إليها يلجأون، وجانب
وقسم "النويري" النظام القبلي عند العرب إلى عشر طبقات. وابتدأ ب "الجذم" وهو الأصل: وهو قحطان وعدنان، والطبقة الأولى. ثم الجماهير، وهي الطبقة الثانية، ثم الطبقة الثالثة: الشعوب، والطبقة الرابعة القبيلة، وهي التي دون الشعب تجمع العمائر، ثم الطبقة الخامسة: العمائر، و هي التي دون القبائل، وتجمع البطون، ثم الطبقة السادسة: البطون، وهي التي تجمع الأفخاذ، والطبقة السابعة: الأفخاذ. وهي اصغر من البطن. والفخذ تجمع العشائر. والطبقة الثامنة: العشائر، واحدها عشيرة، وهم الذين يتعاقلون إلى أربعة آباء. والطبقة التاسعة: الفصائل، واحدها فصيلة، وهم أهل بيت الرجل وخاصته، والطبقة العاشرة: الرهط، وهم الرجل و أسرته.

(1/2160)


ما ذكرته يمثل مجمل أراء علماء النسب عند العرب في موضوع كيان القبيلة وفروعها التي تتفرع منها درجة درجة، حتى تصل إلى البيت، الذي يتكون من الأب والأم وأولادهما. وقد رأينا انهم قد اختلفوا فيما بينهم وتباينوا في الترتيب وفي العدد. منهم من يقدم، ومنهم من يؤخر، ومنهم من يزيد، ومنهم من ينقص. واختلافهم هذا فيما بينهم، هو دليل يشعرنا إن التقسيم المذكور لم يكن تقسيما ثابتا. عند كل القبائل وأنه لم يكن تقسيما جاهليا بل كان تقسيما محليا اختلف بين قبيلة وأخرى، وأن أسماء أجزاء القبيلة، لم تكن أسماء عامة متبعة عند الجميع، أي أسماء مقررة عند كل قبيلة، بل هي أسماء آخذها العلماء من هنا وهناك، وهذا وقع بينهم هذا الاختلاف، ولو كان عند الجاهليين تقسيم واحد لأجزاء القبيلة فما كان من المعقول إن يقع علماء النسب واللغة فيما رأينا من تباين واختلاف، ولوجب اتفاقهم في الترتيب وفي العدد. فالتقاسيم المذكورة اذن، هي من وضع وترتيب وجمع علماء النسب واللغة في الإسلام.
وأصغر وحدة من وحدات القبيلة هي: الأسرة، أي "البيت". فهي نواة القبيلة و بذرتها وجرثومتها، ومن نموها ظهرت شجرة القبيلة التي تختلف حجمها وتختلف كثرة أغصانها وفروعها باختلاف منبت الشجرة والظروف والعوامل التي أثرت في تكوينها. من بذرة جيدة ومن تربة صالحة وماء كاف. والبيت هو نواة القبيلة عند العرب، وهو نواة القبيلة عند كل الشعوب القبلية. بل هو نواة المجتمع في كل مجتمع إنساني.
القحطانية و العدنانية


_________________
مصطفى سليمان أبوالطيب الهوارى
مصطفى سليمان أبوالطيب
مصطفى سليمان أبوالطيب
مدير عام

عدد المساهمات : 8782
السٌّمعَة : 27
تاريخ التسجيل : 02/09/2010
العمر : 47

الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام Empty رد: الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

مُساهمة  مصطفى سليمان أبوالطيب الثلاثاء يونيو 18, 2019 3:20 pm

(1/2161)


تحدثت في الجزء الأول من هذا الكتاب عن القحطانية والعدنانية بما فيه الكفاية، وأعود هنا فأقول إن ما ذكرته عن أهل المدر وأهل الوبر، أي عن الحضر و البدو أو الأعراب وهم أهل البادية، لا يعني إن الحضر هم القحطانيون، وان الأعراب هم العدنانيون. كما ذهب إلى ذلك بعض المستشرقين باعتبار إن غالبية من نسميهم القحطانيين هم حضر، أو اقرب من غيرهم إلى الحضر، وأن غالبية العدنانية أعرابية متبدية. والصواب عندنا إن في القحطانيين عربا و أعرابا، وفي العدنانيين حضرا وبادية، وان غلبت البداوة على العدنانيين. لأن من وجد الماء الدائم تنخ عليه و تحضر، قحطانيا كان النازل أم عدنانيا، فالحضارة تنبت حيث يكون الماء، والماء لا يعرف النسب والقبائل. من وجده وظفر به وأقام عليه تحضر واستقر، فصار حضريا.
ولهذا نجد في حضر جزيرة العرب أقواما يحشرهم أهل الأنساب في قحطان، ونجد في حضرها أقواما يرجعون نسبهم إلى عدنان.
ونحن إذا ما رسمنا خارطة لكيفية توزع الحضر و الأعراب، أو لكيفية استثمار القبائل، فإننا في إن منازل القبائل متداخلة مشتبكة. ليست بينها حدود ولا أسوار حاجزة تحجز القبائل القحطانية عن القبائل العدنانية. إلا في العربية الجنوبية حيث يرجع النسابون نسب اكثر قبائلها إلى أصل قحطاني. أما في الأماكن الأخرى، فان القبائل القحطانية وكذلك القبائل العدنانية منتشرة، انتشارا لا يسل على وجود تكتل وتحزب. بل نجد القحطانية نجاور العدنانية وتخالطها ونجد القحطانية في جوار القحطانية، والعدنانية في جوار العدنانية، مما يدل على إن هذا التوزيع لم يقم ولم يستند على عنصرية وحزبية وعلى هجرات منتظمة، و إنما قام على حق القوة وتحكم القوي في الضعيف، مهما كان عنصر القوي وأصله. وأن التكتل قد حدث بدوافع سياسية عسكرية لعبت دورا خطيرا في تكون النسب.

(1/2162)


وظاهرة أخرى نراها عند القبائل، تتجلى في إن القبائل وان تنقلت وارتحلت من مكان إلى مكان، سعيا وراء الماء والكلأ، كما يذكر أهل الأخبار، إلا إن ذلك لا يعني إن هذه الحركة هي حركة دائمية مستمرة، وان القبائل كانت تتنقل دوما من مكان إلى مكان. بحيث صار الترحل لها سنة دائمة لازمة. فلو ثبتنا منازل القبائل على "خريطة" صورة جزيرة العرب، استنادا إلى روايات أهل الأخبار عنها، وجدنا، إن منازل القبائل لم تتبدل إلا للضرورات ولأسباب قاهرة تكره القبيلة على ترك ديارها والارتحال عنها إلى منازل جديدة. كان تغزوها قبائل كثيرة العدد أقوى منها أو ينحبس عنها المطر سنين، تهلك الضرع، أو تحاربها قوة نظامية أقوى منها، كالذي وقع ل "إياد" حيث أزاحها "بنو عبد القيس" عن مواطنها في البحرين، ثم شتتت الفرس شملها في العراق فعندئذ تضطر القبيلة وهي مكرهة مجبورة على ترك ديارها للبحث عن ديار أخرى جديدة. وتكاد تكون اكثر أسباب هجرات القبائل وارتحالها من أماكنها إلى أماكن أخرى هي الأسباب المذكورة.

(1/2163)


وطراز حياة القبائل في جزيرة العرب باستثناء العربية الجنوبية، متشابه، بحيث يصعب إن نجه فروقا واضحة ظاهرة بين القبائل التي ينسبها النسابون المسلمون إلى قحطان أو آل عدنان، فهي متشابهة وعلى وتيرة واحدة. وأما اللغة، فإننا لا نجد فيما بين القبائل العدنانية و القحطانية أي خلاف يذكر على ما يظهر من روايات علماء اللغة. بل نجد إن لهجات القبائل القحطانية، الشمالية هي لهجات عدنانية، مخالفة للهجات أهل اليمن المعروفة التي كانت سائدة في اليمن إلى ظهور الإسلام. فلهجات آهل اليمن من الحميرية وغيرها، بعيدة عن لهجات القبائل القحطانية والعدنانية بعدا متساوا، حتى بالنسبة إلى القبائل اليمانية التي غادرت اليمن في عهد متأخر، كما سأبحث عن ذلك فيما بعد، وفي القسم الخاص بلغات أهل الجاهلية.. ولهذه الظاهرة أهمية كبيرة بالنسبة إلى دراسة اللغة والنسب عند العرب الجاهليين.

(1/2164)


وعندي أن ما يذهبا اليه المستشرقون من تقسيم العرب إلى عرب جنوبيين وعرب شماليين، هو تقسيم لا يمكن اعتباره تقسيما علميا. فان ما نشاهده من فروق في الملامح والمظاهر بين أهل العربية الجنوبية من أهل اليمن وحضرموت ومسقط وعمان وبن أهل الحجاز ونجد، والعرب الشماليين الآخرين، وان كان واضحا. ظاهرا ولا مجال إلى نكرانه، إلا إن هذه الفروق لا يمكن اعتبارها مع ذلك حدا فاصلا يقسم العرب إلى مجموعتين: مجموعة شمالية ومجموعة جنوبية، لسبب بسيط جدا سبق إن بينته في الجزء الأول من هذا الكتاب، وتحدثت عنه في مواضع، أخرى منه. وهو إن كل مجموعة من المجموعتين لا تكون في نفسها وحدة متناسقة متجانسة، بل تتألف من مجموعات تختلف بعضها عن بعض في السحن وفي الملامح، بسبب عوامل الاتصال بالعالم الخارجي، وبسبب اختلاف الظروف للطبيعية التي يعيش? أفراد كل مجموعة. فأهل جبال اليمن والجبال المتصلة بها الممتدة إلى عمان، يختلفون اختلافا بينا عن أهل السواحل و الارضين المنخفضة، ليس في الملامح والسحن فحسب، بل وفي العمل وفي النشاط وفي المدارك أيضا. وأهل السراة في العربية الغربية يختلفون عن أهل تهامة وبقية ساحل البحر الأحمر، وأهل نجد يختلفون عن أهل ساحل الخليج. يختلفون عنهم في السحن والملامح كما يختلفون عنهم في المدارك وفي حدة الذهن. وهذا الاختلاف هو شيء واقعي بين للعيون، يراه كل إنسان حين يزور بلاد العرب. وهو في حد ذاته شاهد على فساد نظرية المستشرقين في تقسيم العرب إلى مجموعتين.

(1/2165)


وبعد، فهذه الطبيعة طبيعة جزيرة العرب - من جو وارض، من انحباس مطر ومن ارتفاع في درجات الحرارة. ومن يبوسة في الهواء، وقلة في الرطوبة، ومن اختلاف في ضغط الجو اختلافا يخل بتوازنه فيثير فيه أعاصير وعواصف، تعتدي على حرمة التربة الهادئة الراقدة، فتقع رمالها إلى ارتفاعات متباينة، وتلفح الأوجه والأجسام ب "سموم" و بما شاكله من اهوية مزعجة، تثير الغضب وتلهب العصب، وتجعل الجو داكنا اظلم مغبرا، أضف إلى ذلك ما نراه من نور ساطع و أشعة لامعة تحمل أمواجا غير مرئية تؤثر في خلايا البشرة وفي النفس، ثم هذه الرطوبة المفرطة المتحكمة في التهائم، و هذه الندرة في الأنهار، والإسراف في ظهور البوادي والصحارى، وتحكم الطبيعة تحكما جائرا في توزيع النبات والحيوان على أهل جزيرة العرب: كل هذه الأمور و أمثالها أثرت أثرا كبيرا في نفس أهل جزيرة العرب، وفي شكل أجسامهم، وفي حالة معيشتهم، فجعلتهم يختلفون عن غيرهم بأمور، ويتباينون فيما بينهم بأمور، وذلك لاختلاف طبيعة أجزاء الجزيرة نفسها. ونحن لن نستطيع فهم العرب فهما صحيحا دقيقا، إلا إذا درسنا هذه الأمور المذكورة وأمثالها دراسة علمية دقيقة. وعندئذ فقط نستطيع فهم سبب تفشي البداوة بين العرب، وسبب تطبع العرب بطباع خاصة، واتسامهم بسمات وعلامات خاصة وبملامح ومظاهر جسمية متباينة، وأمثال ذلك مما تعرضت له في بحث الجنس والسامية وفي بحث طبيعة العقلية العربية وما قبل في حقها من أقوال، وما ورد في العرب من مدح أو ذم ومن وصف صادق أو كاذب.
أركان القبائل
يرجع كل العرب من حيث النسب إلى ركن من "أركان القبائل". فقد اصطلح علماء النسب على إن للنسب عند العرب بعد قحطان و عدنان أربعة أركان: ربيعة ومضر و يمن و قضاعة. وذلك على رأي من جعل قضاعة ركنا قائما بذاته. ولا يمكن إن يخرج نسب عربي أصيل عن أصل من هذه الأصول.

(1/2166)


وورد إن العرب في النسب على أربع طبقات: خندفي وقيسي، ونزاري، ويمني. ويمن هي قحطان. وكان العرب يتعززون بانتسابهم إلى اليمن، فكان من ينقلب على نسبه يتخذ لنفسه نسبا يمانيا. "وأكثر العزوة لمن ينقلب عن نفسه إلى اليمن، لأجل أن الملوك كانت في اليمن: مثل آل النعمان بن المنذر من لخم، وآل سليح من قضاعة، و آل محرق، وآل العرنج، وهو حمير الاكبر ابن سبأ كالتبابعة والأذواء وغيرهم. والعرب يطلبون العز ولو كان في شامخات الشواهق، وبطون الامالق البوالق، فينتسبون إلى الأعز لحماية الحمية و اباءة الدنية ..".
ورجع بعض النسابين المعروفين نسب العرب إلى ثلاث جراثيم: نزار، واليمن وقضاعة. ويمثل رأيهم هذا رأي القائلين بالأركان الأربعة للقبائل بالضبط، لأن نزارا هو في عرفهم والد ربيعة ومضر، وكل ما فعلوه هنا، هو انهم حذفوا اسمي الولدين وأحلوا اسم والدهما في محلهما.
ورجع "المأمون" الخليفة العباسي، أصول العرب إلى قيس ويمن و ربيعة ومضر. فلما تعرض عربي بالمأمون وهو في زيارته بلاد الشام، ولامه في تقديم أهل خراسان على العرب، بقوله: "يا أمير المؤمنين انظر لعرب الشام كما نظرت لعجم خراسان"، أجابه الخليفة: "أكثرت علي يا أخا أهل الشام، والله ما أنزلت قيسا عن ظهور الخيل إلا وأنا أرى انه لم يبق في بيت مالي درهم واحد. وأما اليمن فو الله ما أحببتها ولا أحبتني قط. وأما ربيعة فساخطة على ربها منذ. بعث الله نبيه من مضر، ولم يخرج اثنان إلا خرج أحدهما شاربا، أعزب عني فعل الله بك..." فأركان العرب في رأي المأمون أربعة: قيس ويمن و ربيعة ومضر. وهي كتل كانت على عادة العرب متنافسة متحاسدة متباغضة، ترى كل واحدة منها نفسها وكأنها أمة دون سائر الأم: و "يمن" كناية عن العرب الجنوبيين من همدان وحمير وكندة وأمثالها، وأما قيس و ربيعة ومضر، فكناية عن تكتلات وتجمعات العرب من غير اليمن.

(1/2167)


وذهب "ابن حزم" إلى إن جميع العرب من أب واحد، سوى ثلاث قبائل، هي: تنوخ، والعتق، وغسان، فان كل قبيلة منها مجتمعة من عدة بطون. وذلك إن تنوخا اسم لعشر قبائل اجتمعوا وأقاموا بالبحرين، فسموا تنوخا، والعتق جمع ما اجتمعوا على النبي، فظهر بهم فأعتقهم فسموا بذلك، وغسان عدة بطون نزلوا على ماء يسمى غسان فسموا به.
ولما جاء "خالد بن الوليد، إلى العراق كان جيشه من "ربيعة" و "مضر" ومن قبائل يمانية. ومعنى هذا وجود ثلاثة أركان قبائل محاربة. ولما قال "خالد ابن الوليد" ل "عدي بن عدي بن زيد العبادي": "ويحكم! ما انتم! أعرب? فما تنقمون من العرب! أو عجم! فما تنقمون من الإنصاف والعدل! فقال عدي: بل عرب عاربة و أخرى متعرية، فقال: لو كنتم كما تقولون لم تحادونا وتكرهوا امرنا? فقال له عدي: ليدلك على ما نقوله انه ليس لنا لسان إلا بالعربية، فقال: صدقت" ولا تعني جملة "بل عرب عاربة و أخرى متعربة" معنى: إن العرب عربان، عرب عاربة وعرب متعربة، على النحو المفهوم منها عند أهل الأخبار. بل هي تعبر عن واقع اصل أهل الحيرة. فقد كان أهلها بين عرب صرحاء وبن عرب متعرية أي جماعة لم تكن عربية في الأصل وانما كانت من اصل عراقي وفارسي أقامت في الحيرة، وتأثرت بأهلها العرب فتكلمت العربية حتى صارت العربية لسانها، فهي من العرب المتعربة. وقد كان كل عرب العراق على هذا النحو في ذلك الوقت. فمنم بين عرب خلص وبن عرب متعربة، لم تكن أصولها من منبت عربي، و إنما دخلت في العرب فتطبعت بطباعهم و أخذت لسانهم حتى نسيت ألسنتها القديمة، وصارت من العرب.

(1/2168)


وقد ذكر بعض المؤرخين إن العرب من "نزار" ملكتهم الفرس. وأن العرب من غسان ملكتهم الروم. فجعل "نزارا" في مقابل غسان. ولم يكن كل عرب العراق من "نزار". يدلك على ذلك إن ملوك الحيرة على رأي أهل الأخبار من قحطان. والذي يلاحظ من كيفية توزيع القبائل علي حسب رواية أهل الأخبار إن. معظم قبائل العراق، هي من قبائل "نزار" أو من "ربيعة" و "مضر" بتعبير آخر. أما معظم قبائل بلاد الشام فهي من "يمن" أي على عكس الحال في العراق. فهل يمثل هذا التقسيم توزيعا تاريخيا صحيحا ? بمعنى إن اكثر قبائل العراق، قد وردت العراق? من العربية الشرقية والعربية الوسطى، أي من سواحل الخليج ونجد، وان عرب بلاد الشام إنما جاؤوا إلى هناك من اليمن، عن طريق الحجاز ونجد.. أو انه تقسيم سياسي اصطلاحي، نشأ قبل الإسلام بعهد طويل من، المنافسة التي كانت بين العراق وبلاد الشام، المنافسة التي ظلت باقية في الإسلام. فقد كان بن العراق وبين بلاد الشام عداء وتباغض، لعوامل لا مجال للبحث فيها في هذا المكان.. وقد استولت حكومات العراق من حكومات وطنية وأجنبية على بلاد الشام مرارا، مما ولد مرارة وأوجد حقدا بين أهل العراق وأهل الشام، فانتقل ذلك إلى عرب القطرين أيضا. فحارب عرب العراق عرب بلاد الشام، حتى وصل هذا العداء إلى دعوى وجود فرق بين اصل عرب العراق وأصل عرب بلاد الشام. فصارت اكثر قبائل العراق في عرف أهل الأنساب من ربيعة ومضر ونزار، وصار معظم بلاد الشام في عرفهم من اليمن. قياسا على ما كان عليه، العرب عند ظهور. الإسلام من أنصار ومهاجرين، أو من يمن وعدنان، أو قحطان و عدنان وما شابه ذلك من أسماء. أما رأيي، فان لأهل الأخبار يدا طولى في هذا التقسيم الذي ظهر واينع في الإسلام. وان الجاهلية لم تكن تخلو من تجمعات وتكتلات قبلية، لكنها كانت تختلف عن التجمعات التي أثارتها النعرة القبلية الجديدة التي برزت في الإسلام، والتي آثرت على ظهورها

(1/2169)


عوامل عديدة إلى إن ثبتت و دونت في كتب أهل الأنساب والأخبار.
وجعل بعض أهل الأخبار العرب يمنا ونزارا. وذكر إن اليمن أصحاب بحر وبني نزار أصحاب بر. وقصدوا باليمن أصحاب الساحل، الذين عركوا البحر وخبروه. عكس "نزار"، عرب البر، وهم قوم لا علم لهم بالبحر، انهم لم يتعودوا على ركوبه. إذ سكنوا البر ولم يعركوا البحر، فخافوا منه و تجنبوه.
و الآراء المتقدمة في تقسيم العرب إلى أركان وكتل، هي آراء عربية محضة أخذت، من واقع الحال، ولم تستند من التقسيم المألوف للعرب إلى قحطانيين و عدنانيين، التقسيم المأخوذ من التوراة على نحو ما شرحت ذلك في الجزء الأول من هذا الكتاب. ذلك لأن الحياة في بلاد العرب هي حياة تكتل و تحزب، فكان لا بد للقبائل من عقد أحلاف فيما بينها للمحافظة على نفسها من افتراس القبائل الكبيرة لها، ومن إستذلالها وآخذ ما تملكه. وبهذه الأحلاف حافظت القبائل - الضعيفة على حياتها، وجدت من طمع القبائل الضخمة في القبائل الهزيلة، وصار في الإمكان السيطرة على الأمن والتقليل من حمى غزو القبائل بعضها بعضا.
وحاجة الأعراب إلى الأحلاف اكثر وأشد من حاجة الحضر إليها، وذلك بسبب إن الغزو في البادية ضرورة من ضرورات الحياة لفقر البادية وشحها، لانبساط أرضها وعم وجود حواجز طبيعية تعوق الغزو وتحمي المغزو منه. فاضطرت القبائل على خلق حماية طبيعية لها هي الأحلاف. و الأحلاف هي لغاية حماية المال والنفس في الغالب، ولكبح جماح المعتدين إذن. أما الأحلاف الهجومية التي تعقد لتحقيق أغراض هجومية مثل غزو حلف حلفا آخر لو قبيلة ضخمة قبيلة ضخمة أخرى، فإنها لا تعمر طويلا كما تعمر الأحلاف الدفاعية، لأن أسباب انعقادها تزول بتنفيذ ما اتفق عليه، وقد يتحطم الحلف بسبب ظهور اختلافات مصالح لم تكن في حسبان المتحالفين يوم عقدوا حلفهم، فيتصدع بنيان الحلف ويتهدم ويزول الحلف ليظهر محله حلف آخر جديد.


_________________
مصطفى سليمان أبوالطيب الهوارى
مصطفى سليمان أبوالطيب
مصطفى سليمان أبوالطيب
مدير عام

عدد المساهمات : 8782
السٌّمعَة : 27
تاريخ التسجيل : 02/09/2010
العمر : 47

الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام Empty رد: الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

مُساهمة  مصطفى سليمان أبوالطيب الثلاثاء يونيو 18, 2019 3:20 pm

(1/2170)


أما الحضر، فان لهم من حماية أرضهم لهم، ومن طبيعة الحياة التي يحيونها ما يخفف من حاجتهم إلى الحلف القبلي، ويجعل أحلافهم أحلافا من طراز آخر.
فقد منحت الطبيعة الحضر حجرا صلدا بنوا به أبراجا وحصونا ومعاقل حموا بها مستوطناتهم، من طمع الطامعين فيهم، ولا سيما من الأعراب الذين لا يسهل عليهم اقتحام الحصون ولا تهديمها. لعدم وجود أسلحة تؤثر فيها ومنحتهم تربة صار من الممكن عمل الآجر أو اللبن منها لبناء المحافد و الآطام وما شاكل ذلك من وسائل الدفاع، كما أمدتهم بمواد بناء مكنتهم من إنشاء الحيطان والأسوار حولها، وهي مانع يصد الأعراب عن الحضر. وهم بالإضافة إلى ذلك أقدر على الدفاع عن أنفسهم وعلى اللجوء إلى الحيل للتخلص من الأعراب بسبب تحضرهم وتقدمهم في التفكير على عقلية الفطرة التي جبل البدو عليها. وغاية ما فعله الحضر من الأحلاف، هو تحالفهم مع من أحاط بهم من الأعراب لضمان عدم تحرشهم بهم أو لمنع الأعراب الآخرين من التحرش بهم. وعقد حبال مع القبائل لمرور تجارهم من أرضها بأمن وسلام مقابل هدايا أو أرباح أو أموال تعين، تدفع إلى ساداتها تأليفا لقلوبهم وضمانا منهم لهم بعم تحرش أحد بهم.

(1/2171)


ولما تقدم انحصرت الأحلاف الكبرى أو التكتلات القبلية الضخمة بالأرضيين المكشوفة التي غلب عليها الطابع الصحراوي. وبين القبائل التي غلبت البداوة عليها. و الأحلاف الكرى، هي في نظري كناية عن النسب الأكبر عند العرب. فربيعة ومضر و إياد وأنمار وقضاعة، هي في الواقع تكتلات قبيلة تكونت من قبائل غلبت البداوة على طبعها، وقد ظهرت خارج العربية الجنوبية، أي خارج الأرضين التي غلب على سكانها طابع الارتباط بالأرض والقرار. أما القبائل القحطانية، التي هي في التوراة كناية عن قبائل غربية جنوبية مستقرة، فكتل أخذت أسماءها من الأرضين التي كانت حكمها أو من اسم القبيلة التي سميت باسمها. وبين أسماء القبائل وأسماء الأرضين صلة متينة، بحيث يصعب الحكم فيما إذا كانت الأرض قد أخذت اسمها من اسم القبيلة، أو إن القبيلة أخذت اسمها من اسم الأرض.
وقد لعبت فكرة "قحطان" و "عدنان" دورا مهما في حصر الأنساب عند العرب في الإسلام. يذكر الجاحظ إن رجلا اسمه "شويس الساسي التميمي العدوي"، المعروف ب "أبي فرعون"، كان قد قدم البصرة، فذهب إلى رجل منها اسمه "كهمس" يلتمس العون منه، فأعطاه رغيفا من الخبز الحواري، ثم ذهب إلى رجل آخر اسمه "عمر بن مهران"، فلم يعطه ما كان يريد، فضاق ذرعا من هذا الرغيف، وذهب إلى حلقة "بني عدي" فوقف عليهم وهم مجتمعون، وأخرج الرغيف من جرابه وألقاه في وسط المجلس، وقال: يا بني عدي، استفحلوا هذا الرغيف، فإنه أنبل نتاج على وجه الأرض! ثم قال شعرا سخر فيه من أهل البصرة ومن تشدقهم في الانتساب إلى قحطان أو عدنان، وفحش بهما ومن انتساب الناس اليهما، بينما الناس هنالك ما بين نبط أو خوزان.

(1/2172)


ومن أهم القبائل القحطانية التي كان لها شأن يذكر عند ظهور الإسلام، و في الإسلام. حمير وكهلان. ومن مجموعة حمر قضاعة، في رأي من جل قضاعة من اليمن. ومن قضاعة كلب وأسد ومن أسد تنوخ. و أما مجموعة. كهلان، فتتألف من الأزد و همدان و مذحج وطيء، ومن الأزد: غسان و الأوس و الخزرج و ربيعة من القبائل العربية الكبيرة العدد، وقد سبق إن تحدثت عنها في مواضع من الأجزاء السابقة من هذا الكتاب. وقد عرفت "ربيعة" ب "ربيعة الفرس". ويعلل أهل الأخبار اشتهارها بذلك بقولهم: "وربيعة الفرس. هو ا?ن نزار بن معد بن عدنان، أبو قبيلة. وإنما قيل له ربيعة الفرس لأنه أعطي من ميراث أبيه الخيل، وأعطي أخوه مضر الذهب. فسمي مضر الحمراء. وأعطي أنمار أخوهما: الغنم، فسمي أنمار الشاة. وذكروا أيضا: إن نزارا لما حضرته الوفاة، آثر إيادا بولاية الكعبة، وأعطى مضر ناقة حمراء، فسمي مضر الحمراء، وأعطى ربيعة فرسه، فسموا ربيعة الفرس، وأعطى أنمار جارية له تسمى: بجيلة فحضنت بنيه، فسمي بجيلة أنمار". وذكر أيضا إن نزارا لما حضرته الوفاة قسم ماله بين بنيه، "وهم أربعة: مضر و ربيعة و إياد و أنمار. وقال: يا بني، هذه القبة وهي من أدم حمراء وما أشبهها من المال لمضر، وهذا الخباء الأسود وما شبهه من المال لربيعة، وهذه الخادم وما أشبهها من المال لإياد، وهذه البدرة والمجلس لأنمار يجلس فيه". ولما مات توجهوا إلى "الأفعى بن الأفعى الجرهمي" وكان ملك نجران، وصادفوا في طريقهم أعرابيا ضل بعيره، فوصفوه لة، فقال لهم دلوني عليه، ولما حلفوا له أنهم لم يروه وإنما وصفوه من أثره لم يصدقهم بل أخذهم إلى "الأفعى" ليحلفوا أمامه انهم لم يروه، فلما بلغوه قصوا قصتهم مع الأعرابي، وذكروا انهم إنما وصفوه من أثره على الأرض، فحكم لهم "الأفعى" بأنهم صادقون، وانهم لم يشاهدوه، ثم احتفل بهم بعد إن عرفهم وجرب ذكاءهم، وحكم بأن لمضر القبة الحمراء والدنانير والإبل،

(1/2173)


وهي حمر فسميت: مضر الحمراء، وان لربيعة الخباء الأسود من داية ومال، فصارت له الخيل، وهي دهم، فسميت ربيعة الفرس. ثم قال: وما اشبه الخادم، وكانت شمطاء، فهو لإياد، فصارت له الماشية البلق من الخيل وغيرها، وقضى لأنمار بالدراهم والأرض.
و "مضر" من القبائل الكبيرة. وقد عرفت ب "مضر الحمراء" كما ذكرت. وفسر علماء اللغة والنسب اشتهار "مضر" على نحو ما ذكرت قبل قليل، وفسره بعضهم يقوله ومضر الحمراء، لأنه أعطي الذهب من ميراث أبيه. وأخوه ربيعة أعطى الخيل. فلقب بالفرس. أو لأن شعارهم في الحرب الرايات الحمر. وقال بعض علماء اللغة، وإنما سمي مضر بمضر: "لولعه بشرب اللبن الماضر أو لبياض لونه"، "والعرب تسمي الأبيض أحمر، فلذلك قيل مضر الحمراء". وذكر بعض أهل الأخبار إن مضر مضران: مضر الحمراء لسكناها قباب الأدم، ومضر السوداء لسكناها المظال.
ويظهر من هذه التفسيرات، إن "مضر" كانت قد نعتت ب "الحمراء" قبل ظهور الإسلام. وان "ربيعة" كانت. قد عرفت ب "ربيعة الفرس"، ولعل هذا بسبب، إن "مضر" كانت إذ ذاك قبائل ذات إبل و تجارة ومال، ومنها "قريش" التي عرفت بتجارتها وبما جمعته من مال، فقالوا "مضر الحمراء". و أما "ربيعة"، فكانت قبائل متبدية غازية محاربة، لها خيل وفرسان لهذا عرفت ب "ربيعة الفرس".
- وقد أشار الشاعر "لبيد" إلى ربيعة ومضر في شعره حين تعرض لذكر الموت، فقال: تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر
أراد: هل أنا إلا من أحد هذين الجنسين، فسبيلي إن أفنى كما فنيا. ونسب إليه قوله: فإن لم تجد من دون عدنان والدا ودون معد فلتزعك العواذل
فأشار بذلك إلى "عدنان" و "معد".

(1/2174)


ومن أشهر قبائل مضر "قريش."، حتى إن الناس كانوا إذا قالوا: مضري انصرف ذهنهم إلى قرشي. علي سبيل الشهرة، لاشتهار. قريش بالمضرية. فلما رأى رجل "أبا سفيان" واقفا بباب "عثمان بن ضان" ينتظر الإذن بالدخول عليه. قال له: "يا أبا سفيان، ما كنت أرى، إن تقف بباب مضري، فيحجبك! فقال أبو سفيان: لأعدمت من قومي من أقف ببابه فيحجبني".
القبائل القوية
والقبائل مثل الدول، أنماط ودرجات..منها قبائل قوية نشطة تعتمد على نفسها في الدفاع عن كيانها، ومنها قبائل أقل من هذه القبائل شأنا وقوة تحالف مع غيرها في الدفاع عن نفسها، نم لتكون من الحلف كتلة قبلية مهابة. وقبائل صغيرة ليست لها قدرة على الدفاع عن حياتها لوحدها، لذلك تركن إلى التحالف مع قبائل أخرى أقوى منها لتحافظ بذلك على وجودها.
والقبائل القوية هي القبائل الكثيرة العدد والموارد. و إذا ترأسها سادات ذوو كفاءة وقدرة، هابتها القبائل الأخرى.، وسادت على غيرها، وكونت منها ومن القبائل التي تستولي عليها مملكة، كالذي فعلته كندة. ولم يورد العلماء شروطا في الحد الأدنى أو الحد الأكبر للقبيلة.. وذلك من ناحية. عدد العشائر والبطون والأفخاذ، فلم نعثر على حد معين إذا بلغته جماعة من الناس وجب إطلاق لفظة "قبيلة" عليها. بل نجد علماء النسب يطلقونها أحيانا على بطون و أفخاذ، فيقولون: قبائل قريش، ويذكرون أسماءها، بينما هي في الواقع "آل" أو أرهاط وبطون.

(1/2175)


و يقال للقبائل التي تستقل بنفسها وتستغني عن غيرها "الأرحى". وعرفت القبيلة التي لا تنضم إلى أحد ب "الجمرة". ذكر إنها القبيلة تقاتل جماعة قبائل. وكل قبيل انضموا فصاروا يدا واحدة ولم يحالفوا غيرهم، فهم جمرة. وقيل: الجمرة: كل قوم يصبرون لقتال من قاتلهم لا يحالفون أحدا ولا ينضمون إلى أحد. تكون القبيلة نفسها جمرة تصبر لقراع القبائل كما صبرت عبس لقبائل قيس. ولما سأل "عمر" "الحطيئة" عن عبس و مقاومتها قبائل قيس. قال: "يا أمير المؤمنين كنا ألف فارس كأننا ذهبة حمراء، لا نستجمر و لا نحالف، أي لا نسأل غيرنا إن يجتمعوا إلينا لاستغنائهم عنهم". والجمرة إجماع القبيلة الواحدة على من ناوأها من سائر القبائل.
وذكر إن "الجمرة" ألف فارس، أي القبيلة التي يكون فيها ذلك العدد من الفرسان ؛ وقيل ثلاثمائة فارس، أو نحوها. والذي يستنتج من آراء علماء اللغة والنسب في تعريف "الجمرة"، إنها القبائل المقاتلة القوية التي تعتمد على نفسها في القتال، ولا تركن إلى غيرها، ولا تحالف غيرها لتستفيد من هذا الحلف في قراع القبائل.
ومن مفاخر هذه القبائل كثرة ما عندها من فرسان، والفرسان في ذلك اليوم هم عماد حركة الجيوش، ومن أسباب القوة والانتصار. وقد عدوا القبيلة التي يكون فيها ثلاثمائة فارس أو نحوها جمرة، وقيل الجمرة: ألف فارس.

(1/2176)


ومن جمرات العرب: ضبة بن اد، وعبس بن بغيض، والحارث بن كعب، ويربوع بن حنظلة. و ذكر بعض العلماء إن جمرات العرب ثلاث جمرات: بنو ضبة بن اد بن طابخة بن الياس بن مضر، وبنو الحارث بن كعب، وبنو نمير بن عامر. فطفئت منهم جمرتان. طفئمت ضبة، لأنها حالفت الرباب وطفئت بنو الحارث، لأنها حالفت مذحج. وبقيت "نمير" لم تطفأ، لأنها لم تحالف. وورد إن الجمرات: عبس بن ذبيان بن بغيض، والحارث بن كعب، وضبة بن اد، وهم إخوة لأم، لأن أمهم امرأة من اليمن. تزوجها "كعب بن عبد المدان يزيد بن قطن، فولدت له: الحارث بن كعب، وهم أشراف اليمن ثم تزوجها "بغيض بن ريث بن غطفان"، فولدت له عبسا وهم فرسان العرب، ثم تزوجها "اد" فولدت له ضبة. فجمرتان في مضر، وهما عبس وضبة و جمرة في اليمن، وهم بنو الحارث بن كعب. وذكر بعض آخر إن الحارث، هم بنو كعب بن علة بن جلد. ومنهم من عد تميما من الجمرات.
"قال الخليل: الجمرة كل قوم يصبرون لقتال من قاتلهم، لا يحالفون أحدا، ولا ينضمون إلى أحد، تكون القبيلة نفسها جمرة تصبر لمقارعة القبائل كما صبرت عبس لقيس كلها".
و إذا تأملت كلام العلماء في جمرات العرب، تجده يصادم بعضه بعضا حتى إن الواحد منهم يذكر عددا، ثم يذكر عددا غيره في موضع آخر من كتابه. وقد اعتذر عن ذلك بعض العلماء إذ قال: "قلت فإذا تأملت كلامهم تجده مصادما بعضه مع بعض"، ثم ذكر أمثلة من أمثلة هذا التصادم، ثم خلص إلى هذه النتيجة، واعتذر عنهم بقوله: "و إذا تأملت كلامهم علمت انه لا مخالفة ولا منافاة، إلا إن البعض فصل والبعض أجمل".

(1/2177)


وعندي إن للعواطف القبلية دخل في هذا الاضطراب، فمن النسابين من تعصب لقبيلة، فجعلها من الجمرات، بسبب صلته بها، ومنهم من تعصب لغيرها، ومنهم من تعصب على هذه القبيلة أو تلك، فأخرجها من الجمرات، فمن هنا وقع هذا الارتباك عند العلماء حين سألوا نسابي القبائل ورواة الأخبار عن أيام الجاهلية، وعن الأنساب والقبائل، وهي من أهم الامور حساسية عند العرب، فظهرت العصبية في مؤلفات أهل النسب والأخبار حين شرعوا بالتدوين.
وعرفت القبائل القوية الكبيرة التي تفرعت منها جملة قبائل ب "أم القبائل". ومن القبائل القوية "بكر بن وائل". وسبب ذلك إن القبيلة القوية تكبر بسبب انضمام القبائل الصغيرة، فإذا توسعت وتضخم عددها صار من الصب عليها البقاء في منازلها، فتضطر عندئذ على التوسع والانتشار في أرضين جديدة. و قد تغادر أحياء منها منازلها لتجد لها منزلا طيبا جدبدا،، فتبتعد بذلك عن القبيلة الكبيرة التي جمعت تلك الأحياء. فتكون بمثابة الأم للقبائل النازحة. تربطها بها رابطة ذكرى الأمومة، التي تتحول إلى نسب تخطه ذاكرة حفاظ الأنساب.
وعرفت أربع قبائل بشدتها وبأسها، فقيل لها: "رضفات العرب". وهي: "شيبان وتغلب وبهراء وإياد".
وقيل ل "كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان" من قضاعة، و "طيء ابن ادد"، و "حنظلة بن مالك بن زيد مناة" من "تميم"، و "عامر بن صعصعة بن معاوية" من "فوازن"، "جماجم العرب". وذكر إن "الجماجم" السادات والرؤساء، وان القبائل المذكورة، كانت من جماجم القبائل، أي من رؤسائها، وقد دعيت ب "جماجم"، لأنها بمنزلة جمجمة للرأس بالنسبة للإنسان، أي إن هذه القبائل من القبائل الرئيسة عند الجاهليين.
وبين القبائل، قبائل دعاها "ابن حبيب" "أثافي العرب". وهي "سليم" و "هوازن" من "قيس عيلان"، و "غطفان"، و "أعصر" و "محارب ابن خصفة". و "الإثفية" العدد الكثير والجماعة من الناس. والظاهر إنها إنما عرفت بذلك لكثرة عددها.

(1/2178)


ومن مفاخر القبائل اعتزالها القبائل الأخرى وعدم مخالطتها قبيلة ثانية. وتفخر الأحياء بحردها أيضا. فيقال "حي حريد منفرد"، ومعناه-معتزل من جماعة القبيلة لا يخالطهم في ارتحاله وحلوله لعزته، لأنه لا ينزل. في قوم من ضعف وذلة لما هو عليه من القوة والكثرة.
وذكر أن القوم الذين يكون آمرهم واحدا يعرفون ب "الخليط". وذلك انهم كانوا ينتجعون أيام الكلأ، فتجتمع منهم قبائل شتى في مكان واحد، فتقع بين هم ألفة، ويكونون يدا واحدة. فإذا افترقوا ورجعوا إلى أوطانهم ساءهم ذلك وريعوا.
وهناك قبائل ضعيفة، لم تتمكن إن تعيش لوحدها، لذلك تحالفت مع غيرها من قبائل أقوى منها، واندمجت بها. كما يندمج الأشخاص بالقبائل، بالحلف أو بالجوار أو بالموالاة. وعند انضمام الأحياء والعشائر والقبائل الضعيفة إلى الأقوى منها، بطريقة من الطرق، يتم ذلك، بطقوس دينية على نحو ما سأتحدث عنه في عقد الأحلاف. بسبب إن العقود في نظر العرب تستوجب البر بها والوفاء، ولهذا تعقد في ظروف خاصة أمام الكهنة وفي المعابد.
ألقاب بعض القبائل
ولقد لقبت بعض القبائل بألقاب. فقد قيل: مازن غسان أرباب الملوك، وحمر أرباب العرب، و كندة كندة الملوك، ومذحج الطعان، وهمدان احلاس الخيل، والأزد أسد البأس، والذهلان: احدهما ذهل شيبان بن ثعلبة ويشكر، و الآخر ضبيعة وذهل بن ثعلبة، و اللهزمتان: إحداهما عجل وتيم اللآت، والأخرى قيس بن ثعلبة وعنزة، وكلهم من بكر بن وائل، إلا عنزة بن ربيعة.

(1/2179)


وبعض هذه الألقاب ألقاب حسنة جميلة، وبعضها ألقاب تشير إلى قوة وبأس وشدة، وبعض منها مقبول لا بأس به. وهي ألقاب كانت القبائل الملقبة بها تفاخر وتتباهى بها، أو تقبلها ولا ترى فيها أي بأس. وهي على العموم أما إن تكون قد نبعت من القبيلة، كان ينعت سيد قبيلة قبيلته بنعت.، فتتمسك به، أو إن ينعتها بذلك شاعر منها أو شاعر من قبيلة. أخرى، فيذهب هذا النعت بين الناس، و يصير سمة للقبيلة. غير إن في الألقاب بعض آخر يشير إلى استصغار شأن القبيلة التي نعتت به، مثل "القين" و "الأجارب" و "الأقارع"، و "قراد"، وما شاكل ذلك من ألقاب، تحولت إلى مسميات. أي تحول اللقب فصار اسم علم. وهي نعوت يظهر إن مصدرها شعر الهجاء و القبائل المعادية المتنابزة بالألقاب. وقد شاعت وثبتت لأنها أثرت في القبائل المهجوة وآلمتها، فتمسك قائلوها بها، وشاعت بين الناس حتى نسي سبب قولها، وصارت اسم علم للقبيلة، ولم ير من جاء بعد ذلك بأسا من الانتماء إلى القبيلة المنبوزة به.
وقد رمت بعض القبائل قبيلة إياد بالفسو، وعيرتها به، حتى إذا كان أحد رجالها بعكاظ، ومعه بردا حبرة، قام فقال: من يشتري مني عار الفسو بهذين البردين? فقام عبد الله بن بيدرة احد "مهو" حي من عبد القيس، فقال: هاتها، واشهدوا أني اشتريت عار الفسو من إياد لعبد القيس بالردين. فلما أتى رحله وسئل عن الردين، قال: اشتريت لكم بهما عار الدهر، فوثبت عبد القيس، و قالت:.
إن الفساة قبلنا إياد ونحن لا نفسو و لا نكاد
و تفرق الناس عن عكاظ بابتياع عبد القيس عار الفسو. ثم إن هذا العار زال عن اياد ولصق بعبد القيس، فهجوا به كثيرا. وضرب المثل ب "عبد الله بن بيدرة"، فقيل: "شيخ مهو"، ضرب به المثل في الخسران. وقيل: أخسر صفقة من شيخ مهو.

(1/2180)


وبعض هذه النعوت قيل في الإسلام، من ذلك رمي "تميم" بالبخل واللؤم، بسبب هجاء الطرماح لها وقوله فيها: تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ولو سلكت سبل المكارم ضلت
ونجد لجرير و للفرزدق و للأحابيش ولغيرهم ذما في قبائل الشعراء المتهاجين.
ومن القبائل الملقبة: الأحابيش، وقد تحدثت عنهم، والمطيبون و الأحلاف، وهم من قريش. وقد تحدثت عنهم أيضا، والأراقم، وهم جشم، ومالك، وعمرو بن ثعلبة، ومعاوية، و الحارث، بنو بكر بن حبيب بن ضم بن ثعلب ابن وائل. وهم أحياء من ثعلب، جعلهم بعضهم ستة. هم: جشم ومالك وعمرو وثعلبة ومعاوية والحرث بنو بكر بن حبيب بن غنم بن ثعلب بن وائل. وقال بعض علماء اللغة، الأراقم: بطون من بني تغلب يجمعهم هذا الاسم. قيل سموا. بذلك لأن ناظرا نظر إليهم تحت الدثار وهم صغار، فقال: كأن أعينهم أعين الأراقم، فلج عليهم اللقب.
وعرفت بعض القبائل ب "البزاجم"، و هم خمسة بطون من بني حنظلة: قيس، وغالب، وعمرو، و كلفة و الظليم، و هو مرة. قيل انهم إنما سموا بذلك، لأنهم تبرجموا على اخوتهم يربوع و ربيعة وماللك، وكلهم أبوهم حنظلة ابن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مرة. وذكر أيضا انهم إنما سموا البراجم، و ذلك لأن أباهم قبض أصابعه، وقال كونوا كبراجم يدي هذه. أي لا تفرقوا، وذلك اعز لكم. وقيل: لا، و إنما سموا بذلك، لأنم تحالفوا إن يرنوا كبراجم الأصابع في الاجتماع.


_________________
مصطفى سليمان أبوالطيب الهوارى
مصطفى سليمان أبوالطيب
مصطفى سليمان أبوالطيب
مدير عام

عدد المساهمات : 8782
السٌّمعَة : 27
تاريخ التسجيل : 02/09/2010
العمر : 47

الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام Empty رد: الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

مُساهمة  مصطفى سليمان أبوالطيب الثلاثاء يونيو 18, 2019 3:21 pm

(1/2181)


وعرف "الثعلبات" بهذه التسمية، لأنهم بطون، اسم كل بطن منهم "ثعلبة". وهم: ثعلبة بن سعد بن ضبة، وثعلبة بن سعد بن ذبيان، و ثعلبة بن عدي فزارة، و أضاف إليهم قوم: ثعلبة بن يربوع. ويقال لهم "الثعالب" أيضا. وهم قبائل شتى، فثعلبة في "بني اسد"، وثعلبة في تميم، وثعلبة في ربيعة، و ثعلبة في قيس. ومنهما الثعلبتان من طيء. وما ثعلبة بن جذعاء بن ذهل بن رومان بن جندب بن خارجة بن سعد بن قطرة من طيء. وثعلبة بن رومان بن. جندب المذكور. وذكر إن الثعالب في طيء يقال لهم مصابيح الظلام، كالربائع في تميم.
و أما "الرباب"، فهم ضبة بن أد بن طانجة، وتيم، وعدي، وعوف، وهوعكل، وثور، وكل هؤلاء بنو عبد مناة بن أد بن طابخة. قيل انهم إنما سموا بذلك لتفرقهم، وقبل: سمو ربابا لترابهم، أي تعاهدهم وتحالفهم على تميم. وقبل: سموا بذلك لأنهم أدخلوا أيديهم في رب وتعاقدوا وتحالفوا عليه فصاروا ع يدا واحدة.
و أما "الأجارب"، فهم: خمس بطون من "بني سعد"، وهم: ربيعة، ومالك، والحارث، وعبد العزى، وبنو حمار. وورد الأجارب حي من بني سعد بن بكر من قيس عيلان، و إذا قيل: الأجربان، فهما: عبس و ذبيان.
و "الحرام"، هم: بنو كعب بن سعد بن زيد مناة. وذكر إن في العرب بطونا ينسبون إلى "آل حرام". منهم بظن في تميم وبطن في جذام وبطن في بكر بن وائل. وهناك بطون أخرى عرفت ب "حرام".
وأما "الضباب"، فهم "بنو عمرو بن معاوية بن كلاب"، قال بعض أهل الأنساب انهم أربعة بطون من "بني كلاب". وقال بعض آخر. انهم اكثر، و أوصلوهم إلى أربعة عشر بطنا.
واشتهرت بعض القبائل والعشائر والبيوت بنعوت لازمتها في الجاهلية وامتدت إلى الإسلام، فقد عرف بنو مخزوم وبنو جعفر بن كلاب بالتيه والكبر، حتى قيل: "أربعة لن يكونوا ومحال إن يكونوا: زبيدي سخي، و مخزومي متواضع، وهاشمي شحيح، وقريشي يحب آل محمد".

(1/2182)


واشتهرت "طيء" بالجود. لكون حاتم وأوس بن حارثة بن لأم منهم. وعرفت "باهلة" باللؤم، حتى ضرب بها المثل في اللؤم، فقيل: لؤم باهلة. واشتهر "بنو ثعل" بالرمي، وذكروا بذلك في شعر لامرئ القيس. واكتسبت "مدلج" شهرة واسعة في القيافة، إذ اختصت بها من بين سائر العرب. وبرز "بنو لهب" في العيافة. فهم أزجر العرب وأعينهم. وعرفت "إياد" بخطبائها، وملوك غسان بثريدهم، الذي قيل له: "ثريدة غسان". وعرفت كندة بغلاء مهور بناتهم، وعرفت "خزاعة" بالجوع والأحاديث، قيل لزهمان: ما تقول في خزاعة? قال جوع وأحاديث. أي فقر و دعاوى فارغة وأضغاث أحلام.
وعرفت بعض القبائل ب "الضبيعات". وهي "ضبيعة بن قيس بن ثعلبة"، أشرفهن. و "ضبيعة أضجم بن ربيعة بن نزار"، و "ضبيعة بن عجل بن لجيم". وذكر أيضا أن في العرب قبائل تنسب إلى "ضبيعة": "ضبيعة ابن ربيعة بن نزار"، وهو المعروف ب "الأضجم"، و "ضبيعة بن أسد ابن ربيعة"، قال بعضهم إنما ضبيعة أضجم، و "ضبيعة بن قيس بن ثعلبة ابن عكابة بن صعب بن بكر بن وائل"، وهو أبو رقاش أم مالك وزيد مناة ابني شيبان، و هم رهط الأعشى: ميمون بن قيس. و "ضبيعة بن عجل بن لجيم بن صعب بن بكر بن وائل، رهط الوصاف. و "ضبيعة بن فريد". بطن من الأوس من بني عوف بن عمرو، و ضبيعة بن الحارث العبسي.
وذكر "ابن حبيب" أسماء قبائل عرفت ب "الربائع". هي في "تميم". وهي: "ربيعة الجوع بن مالك بن زيد مناة بن تميم"، و "ربيعة بن حنظلة ابن مالك بن زيد بن تميم"، و "ربيعة بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم"، كل واحد منهم عم صاحبه. و "ربيعة بن كعب بن سعد ابن زيد مناة"، وهم "الحباق". وورد: في تميم ربيعتان: الكبرى وهي ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وتدعى: ربيعة الجوع. والصغرى وهي: ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة من تميم.
أسماء أجداد القبائل

(1/2183)


ولكل قبيلة - كما ذكرت - جد تنتمي إليه وتفاخر وتباهي به. وقد يكون هذا الجد جدا حقيقيا، أي إنسانا عاش ومات، وساد القبيلة. وترك أثرا كبيرا في قبيلته، حتى نسبت القبيلة إليه. وقد يكون الجد اسم حلف تكون، وتالف من قبائل عديدة، حتى عرفت به، ودعيت بذلك الحلف، وصار وكأنه اسم جد وإنسان عاش. ومن هذا القبيل اسم "تنوخ" على حد زعم أهل الأخبار، فقد زووا إن تنوخ قبائل عديدة، اجتمعت وتحالفت، وأقامت في مواضعها.
وقد يكون اسم بوضع، أقامت قبيلة به، فنسبت إليه. كما يذكر أهل الأخبار من اسم "غسان". وقد يكون اسم إله عبد، فنسب عباده إليه مثل "بنو سعد العشرة"، و "تالب ريام" جد قبيلة "همدان"، و قد يكون اسم حيوان أو نبات أو ما شابه ذلك، مما يدخل في دراسة أصول الأسماء ومصادرها واشتقاقها، وهو شيء مألوف نراه عند غير العرب أيضا، فليس العرب بدعا وحسهم في هذه الأمور.
وما يذكره ويرويه أهل الأخبار عن أزمنة أجداد القبائل، فيه أغلاط وأوهام. فقد يرفعون زمان رجل فيبعدونه كثيرا عن الإسلام، بينما هو من الرجال الذين عاشوا قبيل الإسلام. وقد يجعلون الرجل من الجاهلية القريبة من الإسلام، بينما يجب وضعه قبل الإسلام بقرون. ثم هناك أخطاء فاضحة في سرد سلاسل النسب، وفي أسماء الاشخاص، ولا سيما في الأنساب القديمة، بحيث يصعب على الباحث. الأخذ بها والتأكد منها. أما بالنسبة إلى الأنساب القريبة من الإسلام، فان وضعها يختلف عن وضع الأنساب المذكورة، إذ يغلب عليها طابع الصحة والضبط.

(1/2184)


وقد ذهب المستشرق "بلاشير" إلى إن طريقة النسابين بالنسبة إلى الأرهاط، هي طريقة إيجابية مقبولة، ولكنها لا تستند إلى أسس صحيحة بالنسبة للقبائل و الأحلاف. بسبب إن تحالف القبائل وتكتلها، راجع إلى عوامل المصلحة الخاصة والمنافع السياسية، وهي تتغير دوما بتغير المصالح، تتولد تبعا لذلك أحلاف لم تكن موجودة وتموت أحلاف قديمة. وتظهر قبائل كبيروة وتموت غيرها. ولهذا التغير. فعل قوي في تكوين الأنساب وفي نشوئها إذ تتبدل وتتغير الأنساب تبعا لذلك التغير، ومن ثم فلا يمكن الاعتماد على الأنساب الكبرى، التي دونها علماء النسب وجمعوها في مجموعات، وشجروها حفدة وآباء و أجدادا.
والمصالح السياسية للقبائل لا تقيم وزنا. للاخوة وللنسب. فإذا اختلفت المصلحة، فلا تجد القبائل عندئذ أي غضاضة في الانفصال عن قبيلة مؤاخية لها لتتحالف مع قبيلة غريبة عنها في النسب، ومحاربة أختها التي انفصمت عنها. فعبس مثلا تحالفت مع "بني عامر" في حرب البسوس على "ذبيان"، وهي اختها، وتحالفت ذبيان مع "تميم" على "عبس"، مع ما بين "تميم" و "عبس" و "ذبيان" من عداء قديم. وقد وقعت أيام بين "تغلب" و "بكر" مع صلة الرحم والقرابة القوية التي ربطت بين القبيلتين الأختين. وقع كل ذلك وحدث بسبب تغير المصالح التي كانت تربط فيما بين هذه القبائل.
ارض القبيلة
ولكل قبيلة ارض تعيش عليها وتنزل بها وتعتبرها ملكا لها، تنتشر بها بطونها وعشائرها، ولا تسمح لغريب النزول بها والمرور بها إلا. بموافقتها وبرضاها. وقد اختص كل بطن منها بناحيته فانفرد بها واعتبرها أرضا خاصة به.

(1/2185)


وتكون الأرض التي تحل القبيلة بها "منزلا" لها، و "منازل" لأبنائها الذين ينزلون بها. يضربون بها، خيامهم. فتكون الأرض مضارب لها. تستوطنها وتقيم بها وتصير وطنا لها، أي دار إقامة، ما دامت تقيم بها. وموضع بيوتها. لذلك يعبر عن الأرض التي تقيم بها القبيلة ب "بيوت القبيلة" و ب "بيوت العشيرة"، لأنها مضرب البيوت.
وتمتد ارض القبيلة إلى المواضع التي تصل بيوتها أليها. فما يقع إلى الداخل فهو من موطن القبيلة، وما وقع خارج حدود نفوذ القبيلة خرج عن مواطنها. وتعين الحدود بالظواهر الطبيعية البارزة، مثل تلال أو أودية أو رمال أو ما شاكل ذلك. ونظرا إلى عدم تثبيت القبائل لحدودها على الأرض برسم معالم بارزة لها، صارت الحدود سببا من أسباب النزاع المستمر والقتال الدائم بين القبائل.
وتكون مواضع الماء في أرض القبيلة قبلة أبنائها، يستقون منها ما يحتاجون إليه من "اكسير الحياة". وتكون هذه المواضع آبارا أو عيون ماء أو حسيا وما شاكل ذلك. وتتفق القبيلة فيما بينها على حقوق السقي. ويؤدي الإخلال بحقوق السقي إلى وقوع نزاع، قد يؤدي إلى قتال، ولا سيما في أيام القيظ وانحباس المطر، حيث تشتد الحاجة إلى الماء، ويصير افتقاده سببا لهلاك الأنفس والمال. والقاعدة إن ماء القبيلة مشاع في القبيلة. أما المياه المحمية: المياه التي تحمى للسادة والرؤساء، والمياه الخاصة، كالآبار التي يحفرها أصحابها، فتكون خاصة بهم. لا يجوز الاستقاء منها إلا بآذن.

(1/2186)


ولكل قبيلة حق حماية أرضها. شأنها في ذلك شان الدول. و إذا أراد غريب اجتياز أرضها فلا بد من إن يكون في حماية إنسان منها. و إذا كان المجتاز جماعة، كأن يكون قافلة أو قبيلة أو حيا يريد التنقل إلى ارض أخرى، ولا بد له من المرور بأرض هذه القبيلة للوصول إلى هدفه، فعليه اخذ أذن من القبيلة يخوله جواز المرور بها، و إلا تعرض للمنع والقتال. لذا كان لا بد للتجار من ترضية سادات القبائل للسماح لهم بالمرور، بدفع حق المرور، وهي إتاوات تعارفت القبائل آنذاك على آخذها من المارة.
سادات القبائل
وسيد القبيلة بالنسبة للقبيلة، مثل ملك مملكة بالنسبة لمملكته. فهو الرئيس والمرجع والمسؤول عن أتباعه في السلم والحرب. يقصده ذوو الحاجات من أبناء القبيلة إن احتاجوا إلى حاجة. وقد يجمع هذا الرئيس شمل جملة قبائل، ويترأسها، وقد ينصب نفسه ملكا عليها، كالذي فعله ملوك كندة من بني "آل اكل المرار" و غيرهم من الملوك. وقد لا تخطئ إذا ما قلنا إن اكثر مؤسسي الأسر المالكة في بلاد العرب، كانوا سادات قبائل في الأصل، استغلوا مواهبهم وقابليتهم، و إمكانية قبيلتهم، وسخروها في سبيل الحصول على الملك، وعلى التلقب بلقب "ملك"، فنالوه.

(1/2187)


ويقال للسيد: المسود. ويذكر علماء اللغة إن السيد يطلق على الرب والمالك والشريف والفاضل والكريم والحليم ومحتمل أذى قومه والزوج والمقدم والرئيس. وسيد القبيلة هو رئيسها. تقول العرب: "فلان سيدنا" أي رئيسنا والذي نعظمه، ونقول "ساد قومه". وهي من الألفاظ المستعملة عند عرب الحجاز ونجد والعراق وبلاد الشام، أما العربية الجنوبية، فقد استخدمت ألفاظا أخرى بدلا عنها. ويقال لسيد القبيلة "رئيس القبيلة". والرئيس، سيد القوم. والرياسة: السيادة. ويقال فلان راس ورئيس القوم. ورؤساء القبائل هم سادات القبائل والمتولون لأمورها. كما يقال فلان: ساد قومه، وهو سيد القوم وسيدهم. فاللفظتان مترادفتان وفي معنى واحد. ووردت لفظة "زعيم" بمعنى سيد القوم ورئيسهم والمتكلم عنهم. والجمع زعماء. كما وردت الزعامة، الشرف و الرياسة على القوم وحظ السيد من المغم. غير إن استعمال "زعيم القبيلة"، أقل في الكلام من استعمال "سيد" و "رئيس".
و أنا حين استعمل "سيد قبيلة"، اقصد بها الرئيس الفعلي لقبيلة، المسؤول عنا، والمدبر لأمورها والمرجع الآخر لها، والذي يكون كالملك أو الحاكم بالنسبة لقبيلته لأن هناك سادات آخرين سادوا في القبيلة وقد عرف خبرهم في كل مكان، وربما اشتهر ذكرهم اكثر من اشتهار اسم سيد قبيلتهم، ومع ذلك فانهم لا يعدون رأس تلك القبيلة. لأن الرأس المسؤول عن القبيلة رأس واحد، إلا إن العرف إن يسود الرؤساء في القبائل، هو كما يترأس الأشراف أمر مدينة، بان يترأسوا عمائر القبيلة ثم فروعها الدنيا التي تلي العمائر، فهم رؤساء في قبيلة بالمعنى المجازي، الذي جوز إطلاق لفظة "القبيلة" حتى على الأفخاذ والبطون، بل و البيوت. بأن يبزوا الرئيس بالخصال الحميدة، التي تجلب لهم الشهرة والسيادة، و تجعل اسمهم يعلو اسم رئيس القبيلة في كثير من الاحايين.
صفات الرئيس

(1/2188)


وعلى من يسود في قومه إن يتحلى بخلال حميدة وسجايا طيبة، تجعل الناس يعترفون، بسيادته عليهم، كأن يتحمل أذى قومه، ولذلك قيل للسيد "محتمل أذى قومه"، وأن يكون شريفا في أفعاله حليما كريما، يغض نظره عن أعمال الحمقى والجهلة، وأن يتجاهل السفلة والسفهاء الجاهلين. فلا يغضب ولا يثور، وأن "يكظم غيظه جاء في المثل: "احلم تسد".وان يحترم الناس مهما كانت منازلهم، وأن يؤلف بينهم و يكتسب محبتهم، وأن يكون ملاذهم، وأن يجعل بيته بيتا للجميع، ومضيفا لكل من يفد إليه من كبير أو حقير أو صغير، وأن يفتح قلبه للجميع.
وعلى الرئيس إن يكون في مقدمة القوم في الحروب والغزو، وأن يكون شجاعا لا يهاب الموت، حتى يكسب النصر لنفسه ولقومه، وعليه إن يكون قائد قبيلته وواضع خطط الحرب. لأنه رمز القبيلة ورمز النصر وباعث الهمم في نفوس أبنائه، وهو أب القبيلة. و إذا لا يكون قدوة لأبنائه في ساعات الشدة والخطر، فترت همم أبناء القبيلة. ولا يثير القبائل إلا الشعارات و النخوة وإلهاب المشاعر، حتى تندفع اندفاعا في القتال. والرئيس هو روح القبيلة وشعارها، فإذا أصيب بمكروه أو جبن في القتال، و إذا خر صريعا في المعركة، هربت قبيلته في الغالب، وتراجعت القهقرى، إلا إذا وجد في القبيلة من يؤجج فيها نار الحماسة ويبث فيها العزيمة للوقوف والصمود. ويكون مثل هذا الرجل من الشجعان الأقوياء أصحاب الإرادة القوية الذين يعرفون نفسية قبيلتهم، و إلا فليس من السهل على رجل التأثير على قبيلة وهي في مثل هذا الوضع.

(1/2189)


ولأثر الرئيس في مصير الحرب، كان الفرسان يوجهون كل قوتهم نحو الرؤساء، لأنهم على علم بأنهم إن تمكنوا من الرئيس فقتلوه، غلبوا عدوهم في الغالب وقضوا عليه. فهو الروح المعنوية عند الأعراب. يليه حامل اللواء فإذا سقط حامل اللواء قتيلا أسرع من عين ليكون خليفته في التقاط الراية وحملها، و إذا سقط هذا أيضا أسرع من يأتي بعده، وهكذا. فان سقوط الراية معناه هزيمة منكرة ستحيق بمن سقطت رايته، ولهذا كانوا يختارون رجالا شجعانا يولونهم أمر اللواء، بحيث. إذا سقط أحدهم اخذ من يليه مكانه، وهكذا حتى النصر.
صعوبة انقياد القبائل
وليست قيادة القبيلة بأمر سهل يسير، لا سيما إذا كانت القبيلة قبيلة كبيرة ذات عشائر وأرهاط منتشرة في مواضع متباعدة. فان رؤساء العشائر يستغلون. فرصة ابتعادهم عن ارض الأم، ويعلنون انفصالهم عنها، وتوليهم آمرهم بأنفسهم.
فيحدث الانفصام و الانقسام، وقد يعلن الرئيس حربا على العشيرة العاقة المنشقة، لهذا يعد سيد القبيلة الذي تجتمع له، رئاسة قبيلة كبيرة من السادات المحظوظين. وحظه هو ثمرة ذكائه ومواهبه و قابلياته ولا شك. ومن هؤلاء المحظوظين الذين دون أهل الأخبار أسماءهم: "جهبل بن ثعلبة اليشكري"، سيد "بكر بن وائل"، فقد اجتمعت ". بكر" حوله، و "عمرو بن شيبان بن ذهل"، و "عمرو بن قيس الأمم" و،"، الكلح" و "بشر بن عمرو بن مسعود"، و "همام بن مرة" و "الحارث بن عباد"، وقد، اجتمعت حولهم "بكر ابن وائل"، وانضوت تحت لوائهم، وذلك في مناسبات أشار إليها أهل الأخبار، مثل وقوع بعض الأيام. ولولا هذه الأيام، وتلك المناسبات التي اضطرت القبيلة على التكتل، والتجمع فيها حول زعيم واحد، ليخلصها من المخاطر، لما تجمعت حوله، لأن التجمع لا يلتئم مع طبع أهل البادية، الذين جبلتهم الطبيعة على التشتت والتفرق.


_________________
مصطفى سليمان أبوالطيب الهوارى
مصطفى سليمان أبوالطيب
مصطفى سليمان أبوالطيب
مدير عام

عدد المساهمات : 8782
السٌّمعَة : 27
تاريخ التسجيل : 02/09/2010
العمر : 47

الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام Empty رد: الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

مُساهمة  مصطفى سليمان أبوالطيب الثلاثاء يونيو 18, 2019 3:21 pm

(1/2181)


وعرف "الثعلبات" بهذه التسمية، لأنهم بطون، اسم كل بطن منهم "ثعلبة". وهم: ثعلبة بن سعد بن ضبة، وثعلبة بن سعد بن ذبيان، و ثعلبة بن عدي فزارة، و أضاف إليهم قوم: ثعلبة بن يربوع. ويقال لهم "الثعالب" أيضا. وهم قبائل شتى، فثعلبة في "بني اسد"، وثعلبة في تميم، وثعلبة في ربيعة، و ثعلبة في قيس. ومنهما الثعلبتان من طيء. وما ثعلبة بن جذعاء بن ذهل بن رومان بن جندب بن خارجة بن سعد بن قطرة من طيء. وثعلبة بن رومان بن. جندب المذكور. وذكر إن الثعالب في طيء يقال لهم مصابيح الظلام، كالربائع في تميم.
و أما "الرباب"، فهم ضبة بن أد بن طانجة، وتيم، وعدي، وعوف، وهوعكل، وثور، وكل هؤلاء بنو عبد مناة بن أد بن طابخة. قيل انهم إنما سموا بذلك لتفرقهم، وقبل: سمو ربابا لترابهم، أي تعاهدهم وتحالفهم على تميم. وقبل: سموا بذلك لأنهم أدخلوا أيديهم في رب وتعاقدوا وتحالفوا عليه فصاروا ع يدا واحدة.
و أما "الأجارب"، فهم: خمس بطون من "بني سعد"، وهم: ربيعة، ومالك، والحارث، وعبد العزى، وبنو حمار. وورد الأجارب حي من بني سعد بن بكر من قيس عيلان، و إذا قيل: الأجربان، فهما: عبس و ذبيان.
و "الحرام"، هم: بنو كعب بن سعد بن زيد مناة. وذكر إن في العرب بطونا ينسبون إلى "آل حرام". منهم بظن في تميم وبطن في جذام وبطن في بكر بن وائل. وهناك بطون أخرى عرفت ب "حرام".
وأما "الضباب"، فهم "بنو عمرو بن معاوية بن كلاب"، قال بعض أهل الأنساب انهم أربعة بطون من "بني كلاب". وقال بعض آخر. انهم اكثر، و أوصلوهم إلى أربعة عشر بطنا.
واشتهرت بعض القبائل والعشائر والبيوت بنعوت لازمتها في الجاهلية وامتدت إلى الإسلام، فقد عرف بنو مخزوم وبنو جعفر بن كلاب بالتيه والكبر، حتى قيل: "أربعة لن يكونوا ومحال إن يكونوا: زبيدي سخي، و مخزومي متواضع، وهاشمي شحيح، وقريشي يحب آل محمد".

(1/2182)


واشتهرت "طيء" بالجود. لكون حاتم وأوس بن حارثة بن لأم منهم. وعرفت "باهلة" باللؤم، حتى ضرب بها المثل في اللؤم، فقيل: لؤم باهلة. واشتهر "بنو ثعل" بالرمي، وذكروا بذلك في شعر لامرئ القيس. واكتسبت "مدلج" شهرة واسعة في القيافة، إذ اختصت بها من بين سائر العرب. وبرز "بنو لهب" في العيافة. فهم أزجر العرب وأعينهم. وعرفت "إياد" بخطبائها، وملوك غسان بثريدهم، الذي قيل له: "ثريدة غسان". وعرفت كندة بغلاء مهور بناتهم، وعرفت "خزاعة" بالجوع والأحاديث، قيل لزهمان: ما تقول في خزاعة? قال جوع وأحاديث. أي فقر و دعاوى فارغة وأضغاث أحلام.
وعرفت بعض القبائل ب "الضبيعات". وهي "ضبيعة بن قيس بن ثعلبة"، أشرفهن. و "ضبيعة أضجم بن ربيعة بن نزار"، و "ضبيعة بن عجل بن لجيم". وذكر أيضا أن في العرب قبائل تنسب إلى "ضبيعة": "ضبيعة ابن ربيعة بن نزار"، وهو المعروف ب "الأضجم"، و "ضبيعة بن أسد ابن ربيعة"، قال بعضهم إنما ضبيعة أضجم، و "ضبيعة بن قيس بن ثعلبة ابن عكابة بن صعب بن بكر بن وائل"، وهو أبو رقاش أم مالك وزيد مناة ابني شيبان، و هم رهط الأعشى: ميمون بن قيس. و "ضبيعة بن عجل بن لجيم بن صعب بن بكر بن وائل، رهط الوصاف. و "ضبيعة بن فريد". بطن من الأوس من بني عوف بن عمرو، و ضبيعة بن الحارث العبسي.
وذكر "ابن حبيب" أسماء قبائل عرفت ب "الربائع". هي في "تميم". وهي: "ربيعة الجوع بن مالك بن زيد مناة بن تميم"، و "ربيعة بن حنظلة ابن مالك بن زيد بن تميم"، و "ربيعة بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم"، كل واحد منهم عم صاحبه. و "ربيعة بن كعب بن سعد ابن زيد مناة"، وهم "الحباق". وورد: في تميم ربيعتان: الكبرى وهي ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وتدعى: ربيعة الجوع. والصغرى وهي: ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة من تميم.
أسماء أجداد القبائل

(1/2183)


ولكل قبيلة - كما ذكرت - جد تنتمي إليه وتفاخر وتباهي به. وقد يكون هذا الجد جدا حقيقيا، أي إنسانا عاش ومات، وساد القبيلة. وترك أثرا كبيرا في قبيلته، حتى نسبت القبيلة إليه. وقد يكون الجد اسم حلف تكون، وتالف من قبائل عديدة، حتى عرفت به، ودعيت بذلك الحلف، وصار وكأنه اسم جد وإنسان عاش. ومن هذا القبيل اسم "تنوخ" على حد زعم أهل الأخبار، فقد زووا إن تنوخ قبائل عديدة، اجتمعت وتحالفت، وأقامت في مواضعها.
وقد يكون اسم بوضع، أقامت قبيلة به، فنسبت إليه. كما يذكر أهل الأخبار من اسم "غسان". وقد يكون اسم إله عبد، فنسب عباده إليه مثل "بنو سعد العشرة"، و "تالب ريام" جد قبيلة "همدان"، و قد يكون اسم حيوان أو نبات أو ما شابه ذلك، مما يدخل في دراسة أصول الأسماء ومصادرها واشتقاقها، وهو شيء مألوف نراه عند غير العرب أيضا، فليس العرب بدعا وحسهم في هذه الأمور.
وما يذكره ويرويه أهل الأخبار عن أزمنة أجداد القبائل، فيه أغلاط وأوهام. فقد يرفعون زمان رجل فيبعدونه كثيرا عن الإسلام، بينما هو من الرجال الذين عاشوا قبيل الإسلام. وقد يجعلون الرجل من الجاهلية القريبة من الإسلام، بينما يجب وضعه قبل الإسلام بقرون. ثم هناك أخطاء فاضحة في سرد سلاسل النسب، وفي أسماء الاشخاص، ولا سيما في الأنساب القديمة، بحيث يصعب على الباحث. الأخذ بها والتأكد منها. أما بالنسبة إلى الأنساب القريبة من الإسلام، فان وضعها يختلف عن وضع الأنساب المذكورة، إذ يغلب عليها طابع الصحة والضبط.

(1/2184)


وقد ذهب المستشرق "بلاشير" إلى إن طريقة النسابين بالنسبة إلى الأرهاط، هي طريقة إيجابية مقبولة، ولكنها لا تستند إلى أسس صحيحة بالنسبة للقبائل و الأحلاف. بسبب إن تحالف القبائل وتكتلها، راجع إلى عوامل المصلحة الخاصة والمنافع السياسية، وهي تتغير دوما بتغير المصالح، تتولد تبعا لذلك أحلاف لم تكن موجودة وتموت أحلاف قديمة. وتظهر قبائل كبيروة وتموت غيرها. ولهذا التغير. فعل قوي في تكوين الأنساب وفي نشوئها إذ تتبدل وتتغير الأنساب تبعا لذلك التغير، ومن ثم فلا يمكن الاعتماد على الأنساب الكبرى، التي دونها علماء النسب وجمعوها في مجموعات، وشجروها حفدة وآباء و أجدادا.
والمصالح السياسية للقبائل لا تقيم وزنا. للاخوة وللنسب. فإذا اختلفت المصلحة، فلا تجد القبائل عندئذ أي غضاضة في الانفصال عن قبيلة مؤاخية لها لتتحالف مع قبيلة غريبة عنها في النسب، ومحاربة أختها التي انفصمت عنها. فعبس مثلا تحالفت مع "بني عامر" في حرب البسوس على "ذبيان"، وهي اختها، وتحالفت ذبيان مع "تميم" على "عبس"، مع ما بين "تميم" و "عبس" و "ذبيان" من عداء قديم. وقد وقعت أيام بين "تغلب" و "بكر" مع صلة الرحم والقرابة القوية التي ربطت بين القبيلتين الأختين. وقع كل ذلك وحدث بسبب تغير المصالح التي كانت تربط فيما بين هذه القبائل.
ارض القبيلة
ولكل قبيلة ارض تعيش عليها وتنزل بها وتعتبرها ملكا لها، تنتشر بها بطونها وعشائرها، ولا تسمح لغريب النزول بها والمرور بها إلا. بموافقتها وبرضاها. وقد اختص كل بطن منها بناحيته فانفرد بها واعتبرها أرضا خاصة به.

(1/2185)


وتكون الأرض التي تحل القبيلة بها "منزلا" لها، و "منازل" لأبنائها الذين ينزلون بها. يضربون بها، خيامهم. فتكون الأرض مضارب لها. تستوطنها وتقيم بها وتصير وطنا لها، أي دار إقامة، ما دامت تقيم بها. وموضع بيوتها. لذلك يعبر عن الأرض التي تقيم بها القبيلة ب "بيوت القبيلة" و ب "بيوت العشيرة"، لأنها مضرب البيوت.
وتمتد ارض القبيلة إلى المواضع التي تصل بيوتها أليها. فما يقع إلى الداخل فهو من موطن القبيلة، وما وقع خارج حدود نفوذ القبيلة خرج عن مواطنها. وتعين الحدود بالظواهر الطبيعية البارزة، مثل تلال أو أودية أو رمال أو ما شاكل ذلك. ونظرا إلى عدم تثبيت القبائل لحدودها على الأرض برسم معالم بارزة لها، صارت الحدود سببا من أسباب النزاع المستمر والقتال الدائم بين القبائل.
وتكون مواضع الماء في أرض القبيلة قبلة أبنائها، يستقون منها ما يحتاجون إليه من "اكسير الحياة". وتكون هذه المواضع آبارا أو عيون ماء أو حسيا وما شاكل ذلك. وتتفق القبيلة فيما بينها على حقوق السقي. ويؤدي الإخلال بحقوق السقي إلى وقوع نزاع، قد يؤدي إلى قتال، ولا سيما في أيام القيظ وانحباس المطر، حيث تشتد الحاجة إلى الماء، ويصير افتقاده سببا لهلاك الأنفس والمال. والقاعدة إن ماء القبيلة مشاع في القبيلة. أما المياه المحمية: المياه التي تحمى للسادة والرؤساء، والمياه الخاصة، كالآبار التي يحفرها أصحابها، فتكون خاصة بهم. لا يجوز الاستقاء منها إلا بآذن.

(1/2186)


ولكل قبيلة حق حماية أرضها. شأنها في ذلك شان الدول. و إذا أراد غريب اجتياز أرضها فلا بد من إن يكون في حماية إنسان منها. و إذا كان المجتاز جماعة، كأن يكون قافلة أو قبيلة أو حيا يريد التنقل إلى ارض أخرى، ولا بد له من المرور بأرض هذه القبيلة للوصول إلى هدفه، فعليه اخذ أذن من القبيلة يخوله جواز المرور بها، و إلا تعرض للمنع والقتال. لذا كان لا بد للتجار من ترضية سادات القبائل للسماح لهم بالمرور، بدفع حق المرور، وهي إتاوات تعارفت القبائل آنذاك على آخذها من المارة.
سادات القبائل
وسيد القبيلة بالنسبة للقبيلة، مثل ملك مملكة بالنسبة لمملكته. فهو الرئيس والمرجع والمسؤول عن أتباعه في السلم والحرب. يقصده ذوو الحاجات من أبناء القبيلة إن احتاجوا إلى حاجة. وقد يجمع هذا الرئيس شمل جملة قبائل، ويترأسها، وقد ينصب نفسه ملكا عليها، كالذي فعله ملوك كندة من بني "آل اكل المرار" و غيرهم من الملوك. وقد لا تخطئ إذا ما قلنا إن اكثر مؤسسي الأسر المالكة في بلاد العرب، كانوا سادات قبائل في الأصل، استغلوا مواهبهم وقابليتهم، و إمكانية قبيلتهم، وسخروها في سبيل الحصول على الملك، وعلى التلقب بلقب "ملك"، فنالوه.

(1/2187)


ويقال للسيد: المسود. ويذكر علماء اللغة إن السيد يطلق على الرب والمالك والشريف والفاضل والكريم والحليم ومحتمل أذى قومه والزوج والمقدم والرئيس. وسيد القبيلة هو رئيسها. تقول العرب: "فلان سيدنا" أي رئيسنا والذي نعظمه، ونقول "ساد قومه". وهي من الألفاظ المستعملة عند عرب الحجاز ونجد والعراق وبلاد الشام، أما العربية الجنوبية، فقد استخدمت ألفاظا أخرى بدلا عنها. ويقال لسيد القبيلة "رئيس القبيلة". والرئيس، سيد القوم. والرياسة: السيادة. ويقال فلان راس ورئيس القوم. ورؤساء القبائل هم سادات القبائل والمتولون لأمورها. كما يقال فلان: ساد قومه، وهو سيد القوم وسيدهم. فاللفظتان مترادفتان وفي معنى واحد. ووردت لفظة "زعيم" بمعنى سيد القوم ورئيسهم والمتكلم عنهم. والجمع زعماء. كما وردت الزعامة، الشرف و الرياسة على القوم وحظ السيد من المغم. غير إن استعمال "زعيم القبيلة"، أقل في الكلام من استعمال "سيد" و "رئيس".
و أنا حين استعمل "سيد قبيلة"، اقصد بها الرئيس الفعلي لقبيلة، المسؤول عنا، والمدبر لأمورها والمرجع الآخر لها، والذي يكون كالملك أو الحاكم بالنسبة لقبيلته لأن هناك سادات آخرين سادوا في القبيلة وقد عرف خبرهم في كل مكان، وربما اشتهر ذكرهم اكثر من اشتهار اسم سيد قبيلتهم، ومع ذلك فانهم لا يعدون رأس تلك القبيلة. لأن الرأس المسؤول عن القبيلة رأس واحد، إلا إن العرف إن يسود الرؤساء في القبائل، هو كما يترأس الأشراف أمر مدينة، بان يترأسوا عمائر القبيلة ثم فروعها الدنيا التي تلي العمائر، فهم رؤساء في قبيلة بالمعنى المجازي، الذي جوز إطلاق لفظة "القبيلة" حتى على الأفخاذ والبطون، بل و البيوت. بأن يبزوا الرئيس بالخصال الحميدة، التي تجلب لهم الشهرة والسيادة، و تجعل اسمهم يعلو اسم رئيس القبيلة في كثير من الاحايين.
صفات الرئيس

(1/2188)


وعلى من يسود في قومه إن يتحلى بخلال حميدة وسجايا طيبة، تجعل الناس يعترفون، بسيادته عليهم، كأن يتحمل أذى قومه، ولذلك قيل للسيد "محتمل أذى قومه"، وأن يكون شريفا في أفعاله حليما كريما، يغض نظره عن أعمال الحمقى والجهلة، وأن يتجاهل السفلة والسفهاء الجاهلين. فلا يغضب ولا يثور، وأن "يكظم غيظه جاء في المثل: "احلم تسد".وان يحترم الناس مهما كانت منازلهم، وأن يؤلف بينهم و يكتسب محبتهم، وأن يكون ملاذهم، وأن يجعل بيته بيتا للجميع، ومضيفا لكل من يفد إليه من كبير أو حقير أو صغير، وأن يفتح قلبه للجميع.
وعلى الرئيس إن يكون في مقدمة القوم في الحروب والغزو، وأن يكون شجاعا لا يهاب الموت، حتى يكسب النصر لنفسه ولقومه، وعليه إن يكون قائد قبيلته وواضع خطط الحرب. لأنه رمز القبيلة ورمز النصر وباعث الهمم في نفوس أبنائه، وهو أب القبيلة. و إذا لا يكون قدوة لأبنائه في ساعات الشدة والخطر، فترت همم أبناء القبيلة. ولا يثير القبائل إلا الشعارات و النخوة وإلهاب المشاعر، حتى تندفع اندفاعا في القتال. والرئيس هو روح القبيلة وشعارها، فإذا أصيب بمكروه أو جبن في القتال، و إذا خر صريعا في المعركة، هربت قبيلته في الغالب، وتراجعت القهقرى، إلا إذا وجد في القبيلة من يؤجج فيها نار الحماسة ويبث فيها العزيمة للوقوف والصمود. ويكون مثل هذا الرجل من الشجعان الأقوياء أصحاب الإرادة القوية الذين يعرفون نفسية قبيلتهم، و إلا فليس من السهل على رجل التأثير على قبيلة وهي في مثل هذا الوضع.

(1/2189)


ولأثر الرئيس في مصير الحرب، كان الفرسان يوجهون كل قوتهم نحو الرؤساء، لأنهم على علم بأنهم إن تمكنوا من الرئيس فقتلوه، غلبوا عدوهم في الغالب وقضوا عليه. فهو الروح المعنوية عند الأعراب. يليه حامل اللواء فإذا سقط حامل اللواء قتيلا أسرع من عين ليكون خليفته في التقاط الراية وحملها، و إذا سقط هذا أيضا أسرع من يأتي بعده، وهكذا. فان سقوط الراية معناه هزيمة منكرة ستحيق بمن سقطت رايته، ولهذا كانوا يختارون رجالا شجعانا يولونهم أمر اللواء، بحيث. إذا سقط أحدهم اخذ من يليه مكانه، وهكذا حتى النصر.
صعوبة انقياد القبائل
وليست قيادة القبيلة بأمر سهل يسير، لا سيما إذا كانت القبيلة قبيلة كبيرة ذات عشائر وأرهاط منتشرة في مواضع متباعدة. فان رؤساء العشائر يستغلون. فرصة ابتعادهم عن ارض الأم، ويعلنون انفصالهم عنها، وتوليهم آمرهم بأنفسهم.
فيحدث الانفصام و الانقسام، وقد يعلن الرئيس حربا على العشيرة العاقة المنشقة، لهذا يعد سيد القبيلة الذي تجتمع له، رئاسة قبيلة كبيرة من السادات المحظوظين. وحظه هو ثمرة ذكائه ومواهبه و قابلياته ولا شك. ومن هؤلاء المحظوظين الذين دون أهل الأخبار أسماءهم: "جهبل بن ثعلبة اليشكري"، سيد "بكر بن وائل"، فقد اجتمعت ". بكر" حوله، و "عمرو بن شيبان بن ذهل"، و "عمرو بن قيس الأمم" و،"، الكلح" و "بشر بن عمرو بن مسعود"، و "همام بن مرة" و "الحارث بن عباد"، وقد، اجتمعت حولهم "بكر ابن وائل"، وانضوت تحت لوائهم، وذلك في مناسبات أشار إليها أهل الأخبار، مثل وقوع بعض الأيام. ولولا هذه الأيام، وتلك المناسبات التي اضطرت القبيلة على التكتل، والتجمع فيها حول زعيم واحد، ليخلصها من المخاطر، لما تجمعت حوله، لأن التجمع لا يلتئم مع طبع أهل البادية، الذين جبلتهم الطبيعة على التشتت والتفرق.


_________________
مصطفى سليمان أبوالطيب الهوارى
مصطفى سليمان أبوالطيب
مصطفى سليمان أبوالطيب
مدير عام

عدد المساهمات : 8782
السٌّمعَة : 27
تاريخ التسجيل : 02/09/2010
العمر : 47

الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام Empty رد: الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

مُساهمة  مصطفى سليمان أبوالطيب الثلاثاء يونيو 18, 2019 3:22 pm

(1/2190)


وذكر أهل الأخبار إن "خالد بن جعفر بن كلاب"، و "عروة الرحال ابن عتيبة بن جعفر"، و " الأحوص بن جعفر"، و "عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب"، هم أربعة اجتمعت عليهم "هوازن"، و لم تجتمع "هوازن" كلها في الجاهلية إلا على هؤلاء الأربعة. وهم كلهم من "بنى جعفر بن كلاب". مما يدل على صعوبة انقياد عشائر "هوازن" لزعامة رجل واحد. وهذا مثل واحد من أمثلة صعوبة انقياد القبائل برئاسة رئيس، لأن الانقياد لرئيس واحد، معناه في نظر رؤساء العشائر، خضوعهم لغيرهم و إستذلالهم له وتنازلهم عن حريتهم وعن استقلالهم في إدارة شؤون عشائرهم لغيرهم و لو كان هذا الرئيس منهم، أضف إلى ذلك الخسائر المادية التي قد يصابون بها من هذا الانقياد.
وقد عرفت قبائل "ربيعة" خاصة بتخاصمها و بتباغضها وبتحاسد رؤسائها، لذلك لم تقبل في الغالب بتملك رئيس منها عليها. بل كان سادتها يراجعون التبابعة على ما يقوله أهل الأخبار لتمليك سيد منهم عليهم. كانوا يراجعون اليمن كلما اختلفوا فيما بينهم على تمليك ملك عليهم. وقد ذكر أهل الأخبار إن من جملة أسباب تعين والد الشاعر "امرئ القيس" الكندي ملكا على بني أسد وتعيين أعمامه ملوكا على القبائل الاخرى، هو تناحر سادات ربيعة فيما بينهم، و تباغضهم وتفرق كلمتهم، حتى كان كل واحد منهم يرى انه أولى من غيره بالملك، فدب الخلاف بين القبائل، وتطاول السفهاء على الأشراف وأهل البيوتات، وعندئذ وجد سادات القبائل إن الآمن لا يرجع إليهم إلا بذهابهم إلى كندة لتنصيب ملوك منها عليهم. فكان ما كان من تنصيب والد الشاعر على "بني أسد وتنصيب أعمامه على القبائل الأخرى. إلا إن الأمن لم يستتب ولم يستقر، طويلا بين هذه القبائل المتنازعة، إذ قرر الرحيل عنها، وعاد الخصام داء "ربيعة" إلى وطنه. وعادت حليمة إلى عادتها القديمة على ما يقوله أهل الأمثال.

(1/2191)


وقد أشار أهل الأخبار إلى رجال ذكروا انهم تمكنوا من حكم معد و ربيعة. ومعنى ذلك انهم كانوا من ذوي الشخصيات القوية. وبذلك تمكنوا من فرض. أنفسهم على هذه القبائل المتباغضة. من هؤلاء: حذيفة بن بدر. وهو من سادات غطفان وبيتهم. وهو والد "حصن" أبو عيينة. وقد أدرك "عيينة" النبي، فأسلم ثم ارتد وأسلم بعد ذلك على يد أبي بكر. وقد قاد "حذيفة" "بني فزارة" و "مرة" يوم النسار، و يوم الجفار، و في حرب داحس حتى قتل فيها يوم الهباءة. وقد عرف ب "رب معد". وما كان ليعرف بذلك لو لم يكن من أصحاب القوة والمكانة حتى ساد قبائل معد.
ومن سادات "ربيعة" "الأفكل"، و "عمرو بن جعيد" من "بني الديل". وكان ذا بغي، فسارت إليه "بنو عصر" فقتلوه. و "الحارث الأضجم بن عبد الله بن ربيعة بن دوفن"، من "بني دوفن". قدم السؤدد فهم كانت تجبى إليه إتاوتهم. و "عامر الضحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم بن النمر بن قاسط"، وكان سيد "النمر بن قاسط" في الجاهلية وصاحب مرباعهم.
وكان "القدار بن الحارث" رئيس ربيعة في أول الإسلام. وورد إن "القدار بن عمرو بن ضبيعة"، كان رئيس ربيعة، يلي العز والشرف فيهم.
و يمتاز سيد القبيلة عن سائر رجال قبيلته ببيته الكبير، المكون من خيمة ضخمة، والتي قد تتكون من جملة قطع من للنسيج خيطت بعضها إلى بعض لتتكون منها خيمة كبيرة. تكون مضيفا للرئيس ومجلسا للقوم، يؤبه سادات القبيلة. وأشراف الأحياء. وموئلا لذوي الحاجات من الناس. وله خيام أخرى، أعدت لحريمه. ولأهله. فهي منازل رئيس. القبيلة الخاصة به وبأفراد أسرته.

(1/2192)


و امتاز الرئيس عن أفراد قبيلته بكثرة عدد نسائه. فسيد القبيلة مزواج في الغالب، عنده المال، وعنده الجاه والرئاسة، فلا يجد صعوبة في الحصول على ع زوجات صغيرات السن لينجبن له أولادا، يكونون له حصنا حصينا وأمنا له على ماله، وعونا له على القبيلة. فيحمي بهم نفسه ممن قد يطمع في الرئاسة وفي انتزاع السيادة منه بالقوة.
ومن واجب الرئيس الأشراف على تقديم الغنائم، ومن حقه المرباع إن كان من ذوي المرباع، وله إن ع ينفق من جيبه على الضيوف، وان يفتح بيته للقادمين إليه من مختلف الناس، وان يستقبل ضيوف القبيلة بوجه فرح بشوش. وآن يرعى شؤون قبيلته، ويسأل عن أبنائها، وعليه إن يسعى لفك من يقع من أبناء عشيرته أسيرا في أيدي قبيلة أخرى، وان يشارك قومه في تحمل الديات، حين يعجز رجال القبيلة عن حملها، وعليه إن يعين أتباعه في كل جناية يجنونها، فهي وان صدرت من غيره لكنها تقع في النهاية على رأس سيد القبيلة. فعليه وحده إيجاد حل لها و مخرج. و من هنا كنت العرب عن سيد القبيلة بقولها "سيد معمم"، يريدون إن كل جناية يجنيها أحد من عشيرته معصوبة برأسه.
رئاسة القبائل
لا تملك نصا جاهليا فيه شيء عن الشروط التي يجب إن تتوفر في الرجل كي يكون رئيسا على قبيلة. ولا نجد في روايات أهل الأخبار أخبارا واضحة صريحة عن طريقة تولي الرئاسة عند الجاهليين. لذا لا نستطيع البت في موضوع شروط انتقال الرئاسة من رئيس قبيلة متوفى أو مخلوع إلى رئيس جديد. وهل كانت الرئاسة وراثية على طريقة انتقال العروش في النظام الملكي، أم كانت اختيارا وانتخابا وشورى، بمعنى إن اختيار الرئيس يكون برأي من رؤساء القبيلة، وليس بسنة الإرث. والذي ظهر لنا من دراسة أخبار أهل الأخبار في هذا الموضوع إن الجاهليين كانوا قد ساروا على سنة الإرث في تولي الرئاسة كما ساروا على طريقة الاختيار.

(1/2193)


أما إنها كانت رئاسة وراثية، فلأنها رئاسة مثل سائر الرئاسات عند العرب، كرئاسة المكربين والملوك والأقيال و الأذواء والأقيان وكل الرئاسات الجاهلية الأخرى. وقد كانت هذه الرئاسات رئاسات وراثية في الأغلب، لذا كانت رئاسة القبيلة بالوراثة أيضا. تنتقل الرئاسة من الأب إلى الابن الأكبر. ويؤيد هذا الاستنتاج ما نجده في أكثر روايات القبائل، وتولي الأبناء رئاستها بعد الآباء.
وأما إنها بالنص والتعيين، فكالذي ذكروه من أمر اختيار "حصن بن حذيفة ابن بدر" ابنه "عيينة" لرئاسة قومه من بعده. ولم يكن عيينة أليق. من غيره بأن يكون سيد قومه، فاستدعى أولاده وقال لعيينة: أنت خليفتي ورئيس قومك من بعدي. ثم قال لقومه "بني بدر": لوائي و رياستي لعيينة، ثم أوصاهم بما يجب إن يفعلوه على عادة السادات عند اشتداد المرض بهم و شعورهم بدنو أجلهم. من وجوب التكتل والتهيؤ للقتال وعدم التجرؤ على الملوك، فان أيديهم أطول من أيدي الرعية. فسمعوا له وأطاعوا، واختاروه رئيسا عليهم.
وأما إنها شورى ورأي، فعند عدم وجود عقب للرئيس المتوفى، أو عند وجود تنافس وتباغض بين أبناء الرئيس المتوفى بسبب كونهم من زوجات مختلفات فيما بينهن، يخشى عندئذ من انقسام القبيلة على نفسها، ويحسم الخلاف باختيار أحزم الأبناء أو تنصيب رجل قريب أو بعيد عن الرئيس، يجدونه أهلا و كفؤا لتولي الرئاسة فيولونها إياه. وقد يلجئون إلى الرأي في حالة. تشتت شمل القبيلة، بظهور رجال أشراف فيها، لهم كفاءات و قابليات وشهرة تفوق شهرة أسرة الرئيس المتوفى، يطمعون في الرئاسة، فينتخبون اكفأهم و أقواهم ليكون الرئيس الجديد.

(1/2194)


وقد لا تجتمع كلمة المتنافسين على الرئاسة، ولا تتفق على اختيار رئيس، فلا يكون أمام القبيلة في مثل هذه الحالة سوى اللجوء إلى الملوك في الغالب لتعيين رئيس عليهم يختارونه من جماعتهم وينصبونه سيدا عليهم. وقد كان هذا شأن قبائل "معد" في الغالب، إذ كانت قبائلها متبدية متنافرة، ذات رؤساء متحاسدين، لا يقرون برئاسة واحد منهم، لذلك كانوا يلجأون إلى ملوك اليمن لتعين رئيس من غيرهم عليهم، وبذلك يحل الخلاف.
ونجد في شعر "عامر بن الطفيل"، وهو أحد مشاهير فرسان العرب، تغنيا بفعاله وبشجاعته وبدفاعه عن قومه، وتبجحا بسيادته على قومه: واعتزازا بأن سيادته هذه لم تأت إليه عن وراثة، و إنما جاءته بفعاله وبدفاعه عن قومه وذبه عن حماهم، فسودوه لهذه الخلال عليهم، ولم يسودوه لأنه "ابن سيد عامر"، وفي هذا الشعر دلالة على إن الرئاسة كانت بالوراثة، وان والد "عامر" كان سيدا، فأراد "عامر" إن يتبجح بنفسه على غيره، بأنه ليس من أولئك الرؤساء الذين يرثوا السيادة إرثا، فلا دخل لهم بمجيئها إليهم، و إنما أخذها عن جدارة واستحقاق، ولو لم يكن أبوه سدا، لجاءته السيادة تركض إليه، لما فيه من محامد ومكارم. فسيادته سياحة وراثة لأنه ورثها عن أبيه، وسيادة جدارة شجاعته لما فيه من خصال السادة الأشراف.
خصال السادة
يذكر أهل الأخبار إن أهل الجاهلية كانوا لا يسودون إلا من تكاملت فيه ست خصال: السخاء والنجدة والصبر والحلم والتواضع والبيان وقالوا: قيل:

(1/2195)


لقيس بن عاصم بم سدت قومك ? قال ببذل الندى وكف الأذى ونصرة المولى، وتعجيل القرى. وقد يسود الرجل بالعقل والعفة والأدب والعلم. ووصف بعضهم السؤدد: بأنه اصطناع العشيرة و احتمال الجريرة. وقد سئل أحد السادات بأي شيء سدت قومك ? فقال: "إني - والله - لأعفو عن سفيههم، وأحلم عن جاهلهم، وأسعى في حوائجهم وأعطي سائلهم، فمن فعل فعلي فهو مثلي، ومن فعل احسن من فعلي فهو أفضل مني، ومن قصر عن فعلي فأنا خير منه".
وذكر أهل الأخبار أيضا، إن العرب كانت تسود على أشياء. فكانت مضر تسود ذا رأيها. وأما ربيعة فمن أطعم الطعام، وأما اليمن فعلى النسب.
والرئيس الناجح، هو الرئيس الذكي الفطن الذي تكون له قدرة وقابلية على التصرف بذكاء ومحذر وفقا لعقلية القبائل. فيجرف كيف يعامل كل شخص يأتي إليه المعاملة التي تلائمه وتليق به، بحلم وصبر وأناة. و بقساوة وغلظة أحيانا من أجل إخافة أتباعه، لخوف القبائل من البطاش الظالم على إلا يسرف في ظلمه ويمعن في غيه، فيقع له ما وقع لكليب وائل ولأمثاله من الذين أسرفوا في الاعتماد على أنفسهم وعلى قابليتهم، فأهلكوا أنفسهم. ولهذا كان من شأن عقلاء سادات القبائل عرض المنازعات والخصومات القبلية للحكم فيها وبذلك يخلصون أنفسهم من مشكلات صعبة كانت ستقع تبعتها على أكتافهم فيما إذا انفردوا بالنظر.بها دون سائر الرؤساء.

(1/2196)


ومن أعراف الحكم عند القبائل، إن سيد القبيلة يستمد رأيه من رأي أشراف قبيلته ووجوهها في الأمور الهامة التي تخص حياة القبيلة. ليستنير برايهم، وليعرف رأي أتباعه في معالجتها. وتساعد هذه المشورة سادات القبائل مساعدة كبيرة في التمكن من إدارة القبيلة إدارة حسنة ترضي الغالبية. وقد توصل الرئيس إلى النجاح والنصر في الغزو. فيرتفع اسمه ويعلو نجمه. ولا زال سادات القبائل يستمعون إلى مشورة رؤساء القبيلة، ويقيمون لرأيهم وزنا إلى يومنا هذا. ورأيهم هذا هو مجرد مشورة ونصيه. بمعنى انه لا يلزم سيد القبيلة بوجوب العمل بموجبه. فقد ينبذه ويعمل برأيه و بقراره، لا سيما إذا كان قوي الشخصية متجبرا عنيدا.
وقد يكون النجاح حليفه، فتزداد بذلك هيبته على أتباعه، وقد يمنى بخسارة فادحة، فتقضي عليه وعلى رئاسته وربما تقضي على حياته أيضا. و النظام القبلي يعد، هو نظام استشاري، الرأي فيه لأصحاب الرأي فقط، أما الأفراد أي أبناء القبيلة وسوادها، فلا رأي لهم في تسيير الأمور، إلا إذا برز أحدهم وظهر في قبيلته بمواهب يعترف بها، كالحكمة أو الشرف، فقد يدخل في عداد أولي الرأي، ويكون له عندئذ عندهم رأي مسموع.
وعلى الرغم من استبداد بعض السادة برأيهم، و حكمهم بما يوحي إليه به حسهم وشعورهم، وتصرفهم في الأمور تصرفا كيفيا، فانهم كانوا يقيمون مع كل ذلك وزنا للرأي، وقد يكون هذا الرأي رأي رحل مغمور من عامة أبناء القبيلة، أو رأي شاعر أو خطيب أو أي شخص آخر من أبناء القبيلة. فالحكم عند القبائل بهذا، حكم فردي استشاري يتوقف الرأي فيه على شخصية وكفاءة، رئيس القبيلة، وعلى شخصية وكفاءة رؤساء البطون والأحياء.

(1/2197)


وقد أدت غطرسة وعنجهية بعض سادات القبائل بهم إلى الموت فقد لجأوا إلى القسوة والقهر في الحكم واستبدوا برأيهم استبدادا فرق بينهم وبين رؤساء قبيلتهم، مما دفع بعض فرسان القبيلة و شجعانها على قتلهم للتخلص منهم كالذي كان من أمر "كليب وائل"، الذي تعسف في حكمه وتجبر فاختار خيرة الأرضين الخصبة، فجعلها حمى له لا يحق لأحد الرعي بها، إلا بأذن منه. فأزعج عمله هذا من خضع لحكمه، فكانت عاقبته القتل.
والحلم عند العرب من أهم الصفات التي تؤهل الإنسان لحكم الناس. وهو، عندهم الأناة والعقل، وقيل ضبط النفس و الطبع عن هيجان الغضب. ومعالجة الأمور بهدوء وضبط أعصاب. وهو أحزم سياسة تلائم طبع الحكم. وقد عدوه من خلال الحكماء.
وممن عرف واشتهر أكثر من غيره بالحلم: "الأحنف بن قيس". حتى ضربت العرب به المثل. فقالت: هو أحلم من الأحنف. وقد نسب أهل الأخبار
له حكما كثيرة وأمثالا، هي من الأمثال التي ينسبونها في العادة إلى الحكماء. وذكروا من أمثلة حلمه انه كان قاعدا يوما بفناء داره. محتبيا بحمائل سيفه يحدث قومه، حتى أتي بمكتوف ورجل مقتول، فقيل له: هذا ابن أخيك قتل أبنك، فما قطع كلامه حتى انتهى، ثم كلم ابن أخيه وأنبه و عفى عنه، ثم قال لأبن آخر له: وار أخاك وحل كتاف ابن عمك وسق إلى أمك مائة ناقة دية ابنها فإنها غريبة. إلى قصص آخر من هذا القبيل.
النسب
النسب هو جرثومة العصبية وأساسها ولهذا حرص العربي على حفظ نسبه، ولا يزال يحرص عليه، فيروي لك شجرة نسبه حفظا ويرفعها إلى جملة أجداد.
وقد وجد السياح أعرابا سرحوا لهم نسبهم سردا من غير كتاب مكتوب إلى عشرات من الأجداد، وقد تأكدوا بعد فحوص واختبارات إن ما قيل لهم وسرد عليهم كان صحيحا في الغالب.

(1/2198)


و أما أهل المدر، فإن حرصهم على حفظ نسبهم، وإن لم يكن حرص أهل الوبر، غير إن فيهم من يحفظ شجرة نسبه، و فيهم من يحتفظ بها مكتوبة، وقت شهد على صحتها جماعة من النسابين. وفي جملة من يعتني بنسبه اعتناء كبيرا، ويأبى الزواج من غير الأسر الكفوءة له، السادة المنتمون إلى الرسول، من ذوي الجاه و الحسب والنسب، والأشراف السادات من أهل الحضر والوبر.
وحفظ النسب هذا هو استمرار لما كان عليه الجاهليون من حرص على حفظ أنسابهم. و إذا كنا لا نملك اليوم جرائد جاهلية في النسب، فإن في بعض الكتابات الجاهلية تأييدا لما نقول. فبين أيدينا في هذا اليوم كتابات جاهلية ذكرت أسماء جملة أجداد لأشخاص دونوا أسمائهم في تلك الكتابات. وقد دون على شاهد قبر "معنو" "معن"، اسم أبيه وجدين من أجداده، كما عثر على أسماء عشرة أجداد في بعض الكتابات الصفوية. وهنالك أمثلة أخرى من هذا القبيل، تثبت عناية العرب في الجاهلية بتدوين أنسابهم وحفظها. وهي من أهم المزايا التي حافظ عليها العرب إلى هذا اليوم.
ويبدأ النسب بالأب في الغالب، وب "الأم" في الأقل في حالات تتغلب فيها شهرة الأم على شهرة الأب، ويكون "البيت" إذن جرثومة النسب. وحين ينسب إنسان يقول انه: "ابن فلان". ويشمل نسب البيت الأب و الأولاد و البنات والزوجة أو الزوجات، وهم أكثر الناس التصاقا بالأب. وقد يقال انه من "بيت فلان" تعبيرا عن الانتساب إلى رئيس ذلك البيت. وقد عرف بعض علماء اللغة النسب: انه القرابة، أو هو في الآباء خاصة، وان النسب إن تذكر الرجل فتقول: هو فلان ابن فلان، وذكر انه يكون من قبل الأم والأب.
والبيت هو بيت أب. ولما كان المجتمع مجتمع بيوت، صار النظام فيه نظاما أبويا. السلطة العليا فيه للاب، إليه ينتسب وهو المسؤول قانونا عن العائلة. يتساوى في ذلك مجتمع الحضر ومجتمع أهل الوبر.

(1/2199)


ويذكر أهل الأخبار إن العرب تنسب ولد المرأة إلى زوجها الذي يخلف عليها بعد أبيهم. وذلك عنى حسان بن ثابت بقوله: ضربوا عليا يوم بدر ضربة دانت لوقعتها جميع نزار.
أراد بني كل هؤلاء من كنانة. وهم بنو عبد مناة. و إنما قيل لهم بنو علي عزوة إلى علي بن مسعود الأزدي. وهو أخو عبد مناة لأمه، فخلف على أم ولد عبد مناة. وهم: بكر وعامر ومرة و أمهم: هند بنت بكر بن وائل النزارية فرباهم في حجره فنسبوا إليه.
و إذا توفي والد وله مولود في بطن زوجته، أو كان طفلا رضيعا وكان له أعمام، تركه أعمامه عند أمه حتى يكبر، ثم يأخذه أعمامه. وقد تأتي أمه معه. و لكن العادة إن الأم تبع أهلها أي عشيرتها، فإذا توفي زوجها و هي من عشيرة أخرى، تركت عشيرته لتعود إلى عشيرتها، فإذا كبر المولود خير بين البقاء مع أمه أو الالتحاق بأعمامه، أي بعشيرة والده. والأغلب إن يختار الولد عشيرة الوالد، لأن نسب الولد من نسب والده. فيلتحق المولود بعشيرة الأب. وتقدم عشيرته على عشيرة الأم. إذ يشعر إن عشيرة أمه وان كانت قريبة منه، إلا إن قربه منها ليس كقربه من عشيرة والده، وقد يعير باختياره عشرة أمه عشيرة له. ولدينا أمثلة تشير إلى تعيير الأولاد أولادا آخرين، لالتحافهم بعشيرة أمهم وتركهم عشيرة والدهم، كالذي كان، من أمر عبد المطل في يوم كان طفلا، إذ عيره أطفال عشيرة أمه بلجوئه إلى عشيرتهم، إذ لا عشيرة له. ولو كانت له عشيرة للحق بها. مما حمله على ترك يثرب والرجوع إلى أعمامه بمكة. فالعم في نظرهم بمنزلة الوالد. وهو اقرب الناس إليه، وهو وريثه في العصبات.. وبهذه الحجة احتج العباسيون على العلويين في تقدمهم عليهم بحق الخلافة.
ومن هنا في العرب يوصون بأولاد العم خيرا، و إلا يتهاتروا معهم ولا يختلفوا مهما وقع بينهم من خلاف. وفي هذا المعنى يقول أبو الطمحان: إذا كان في صدر ابن عمك إحنة فلا تستثرها سوف يبدو دفينها


_________________
مصطفى سليمان أبوالطيب الهوارى
مصطفى سليمان أبوالطيب
مصطفى سليمان أبوالطيب
مدير عام

عدد المساهمات : 8782
السٌّمعَة : 27
تاريخ التسجيل : 02/09/2010
العمر : 47

الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام Empty رد: الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

مُساهمة  مصطفى سليمان أبوالطيب الثلاثاء يونيو 18, 2019 3:23 pm

(1/2200)


وللخؤولة مكانة كبيرة في العصبة عند العرب. قد تقوى على العمومة، فإذا هلك إنسان، وكان إخوته على خلاف مع زوجته أو كان حالهم ضعيفا، قامت الخؤولة مقام العمومة في رعاية الأولاد وحمايتهم ومدهم بالعصبية. بل قد نجد إن عصبية الخؤولة أقوى عند العرب في الغالب من عصبية العمومة وفي تأريخ الجاهلية. والإسلام أمثلة كثيرة على ذلك.
ومن حسن حظ الإنسان في الجاهلية إن يكون له أعمام وأخوال كثيرون، خاصة إذا كانوا أصحاب جاه وسيادة. لأنه سيعتز بهم، ويفتخر بكثرتهم. وكان الجاهليون يقولون: رجل معم ورجل مخول وأخول، إذا كان له أعمام وأخوال. ويقال: كريم الأعمام والأخوال، على سبيل المدح والتقدير ومنه قول امرئ القيس: بجيد معم في العشرة مخول. وقول الشاعر: تروح بالعشي بكل خرق كريم الأعممين وكل خال
والنسب، نسب أهل، ويقوم على الدم القريب، ونسب قبيلة، و يقوم على العصبية للدم الأبعد. دم جد القبيلة يجري في عروق المنتسبين إليه.
والعرب من حيث النسب صرحاء. وحلفاء و جيران وموالي وشركاء يستلحقون بالنسب. أما الصريح، فهو المحض من كل شيء، والخالص النسب. ويقال جاء بنو فلان صريحة إذا لم يخالطهم غيرهم.
والنسب إذن، نسب آباء، و هو نسب الصرحاء الخلص من العرب المنحدرين من صلب جد القبيلة، على حد تعبير أهل الأنساب، ونسب حلف أو جوار، أي نسب استلحاق. والغالب إن يتحول نسب الاستلحاق إلى نسب صريح، حين تطول إقامة الدخيل بين من دخل بينهم: فينسى أصله، ويأخذ أحفاده نسب من دخل جدهم فيهم. ويشمل ذلك نسب القبائل أيضا. وفي في كتب أهل الأخبار أمثلة كثيرة من أمثلة تحول الأنساب، حيث نجدها تنص على دخول نسب فلان في نسب بني فلان، ونسب قبيلة في نسب قبيلة أخرى.

(1/2201)


ويقال للقوم الذين ينسبون إلى من ليسوا منهم "الدخل". والدخيل هو الرجل الغريب الذي ينتسب إلى قوم ليس هو بواحد منهم. وذكر أيضا إن "الدخل" بمعنى الخاصة، وأيضا الحشوة الذين يدخلون في قوم وليسوا منهم، أي في المعنى المتقدم.
وفي كتب أهل الأخبار أمثلة عديدة على تنقل الأنساب واثبات نسب قوم في قوم ليسوا منهم لغاية ومأرب. وقع ذلك في الجاهلية وفي الإسلام. قال "الكندي": "كان أبو رجب الخولاني وفلان وفلان يتحرشون أهل الحرس ويؤذونهم، فمشى أهل الحرس إلى زكريا بن يحيى كاتب العمري، فقالوا له حتى متى نؤذى ويطعن في أنسابنا. فأشار. عليهم زكريا بجمع مال يدفعونه إلى العمري ليسجل لهم سجلا بإثبات أنسابهم، فجمعوا له ستة آلاف دينار، فلما صار المال إلى العمري لم يجسر على إن يسجل لهم، وقال: ارفعوا إلى الرشيد في ذلك، فخرج وفد منهم إلى العراق وانفق مالا عظيما هناك، وادعى الوفد إن المفضل بن فضالة قد كان حكم لهم بإثبات أنسابهم وانهم بنو خوتكة بن الحاف ابن قضاعة، ثم عاد الوفد بكتاب محمد الأمين إلى العمري بالتسجيل لهم، فدعاهم العمري إلى إقامة البينة عنده على أنسابهم فأتوا بأهل الجوف الشرفي و آهل الشرقية. وقدم جماعة من بادية الشام، فشهدوا. انهم عرب فسجل لهم العمري. ثم تجدد نظر القضية فيما بعد وفسخ حكم القاضي العمري. ورد أهل الحرس إلى أصلهم القبطي".
وأشار أهل الأخبار إلى قبائل كانت تتنقل من قوم إلى قوم، فتنتمي إليهم، قالوا لها: "النواقل". والنواقل من انتقل من قبيلة إلى قبيلة أخرى فانتمى إليها. والتنقل دليل على إن النسب لم يكن من الصرامة والشدة على نحو ما يصوره لنا النسابون المتأخرون.

(1/2202)


وفي الذي يذكره علماء النسب عن أنساب القبائل، أمور لا يمكن لنا قبولها، لا سيما ما يتعلق منها بالتعصب القبلي وبسرد الأنساب وتشجيرها وفي تفرعها. وأنساب القبائل موضوع لم يبحث بعد بحثا علميا، وهو يحتاج إلى تفرغ وتتبع والى مقارنة ما جاء عند العرب فيه بما جاء عند غيرهم من الساميين وغيرهم عنه. فقد لعبت الأنساب دورا خطيرا عند البشرية، لأنها كانت الحماية والوقاية للإنسان، قبل إن تتولد الحكومات الكبيرة التي رعت الأمن وبسطت سلطانها، وبذلك خففت من غلواء النسب و الانتساب.
الاستلحاق
والاستلحاق، هو إن يستلحق انسان شخصا فيلحقه بنسبه، و يجعله في حمايته ورعايته، أي في عصبيته. وقد يكون الرجل صريحا معروف النسب، وقد يكون أسيرا أو مولى أو عبدا، فيسميه مولاه وينسبه إليه.
ومن هذا القبيل ما كان يفعله أهل الجاهلية من استلحاق أبناء الإماء البغايا بهم. وذلك انه كان لأهل الجاهلية إماء بغايا. وكان سادتهن يلمون بهن، فإذا جاءت إحداهن بولد ربما ادعاه السيد والزاني، فيقع خلاف بينهما على الولد. و قد وقع مثل هذا الخلاف في أيام الرسول، في أول زمان الشريعة، فقضى الرسول بإلحاقه بالسيد، لأن الأمة فراش كالحرة، فان مات السيد ولم يستلحقه ثم استلحقه ورثته بعده لحق بابيه. وفي ورثته خلاف.
الدعي
ويقال للمستلحق "الدعي". والدعي المنسوب إلى غير أبيه. و "الدعوة" في النسب إن ينتسب الإنسان إلى غير أبيه وعشرته وقد كانوا يفعلونه فنهي عنه وجعل الولد للفراش. ومن هذا القبيل المتبنى. الذي تبناه رجل فدعاه أبنه. ونسبه إلى غيره، وكان للنبي، تبنى "زيد بن حارثة"، ثم ألحقه بنسبه، بعد إن نزل الوحي عليه )ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم. فإخوانكم في الدين ومواليكم(.. وقال: )ما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلك قولكم بأفواهكم(.

(1/2203)


ويكون حكم الدعي من الناحية القانونية في حكم النسب الصحيح و البنوة الشرعية عند الجاهليين، لذلك كان الجاهليون يورثونه كما يورثون الأبناء.
ويقال للدعي ينتمي إلى قوم: منوط مذبذب، سمي مذبذبا لأنه لا يدري إلى من ينتمي. وقد يكون الرجل دعي أدعياء، فيكون هو دعيا في رهطه، ورهطه دعي في قبيلة مثل "ابن هرمة"، فقد كان دعيا في الخلج وكان الخلج دعيا في قريش. ويقال للدعي "ملصقا"، والملصق، هو المقيم في الحي وليس منهم بنسب.
وقد ورد في حديث "علي بن الحسين": المستلاط لا يرث، و يدعى له ويدعى به، المستلاط المستلحق في النسب، ويدعى له، أي ينسب إليه، فيقال: فلان بن فلان، ويدعى به أي يكنى، فيقال: هو أبو فلان، وهو مع ذلك لا يرث لأنه ليس بولد حقيقي. ومن ذلك قولهم: "لاط القاضي فلانا بفلان ألحقه به"، وورد إن أناسا في الجاهلية. كانوا يليطون الأولاد بآبائهم، أي يلحقونهم. والظاهر إن استلحاق الأبناء بالآباء، كان معروفا بين الجاهليين بسبب الاتصال بالإماء وببعض الأعراف الأخرى التي حرمت في الإسلام.
ويقال للدعي: المخضرم وقيل هو من لا يعرف أبوه أو أبواه ورجل مخضرم أسود وأبوه أبيض، أو هو من ولدته السراري. وذلك ذم في الإنسان.
ويقال رجل "خلط ملط"، بمعنى: مختلط النسب. وذكر إن الملط الذي لا يعرف له نسب ولا أب. وأما خلط، فإما بمعنى المختلط النسب، وإما بمعنى ولد الزنا. والخليط المشارك في حقوق الملك كالشرب والطريق و نحو ذلك. ومنه الحديث: الشريك أولى من الخليط، والخليط أولى من الجار. والشريك المشارك في الشيوع. و الخليط القوم الذين أمرهم واحد.
و "الأهل" أهل إلا الرجال وأهل الدار، وأهل الرجل أخص الناس به. وأهل الدار أهل البيت. و "آل الرجل" أهله. ويقال في النسب: هو من آل فلان.

(1/2204)


وينتهي النسب بجد القبيلة الأكبر. فلكل قبيلة جد اكبر ينتمي إليه، وتتسمى به، وله ابن ينتسب إليه أو أبناء ينتسبون إليهم، ويكون هذا الجد محور "النسب" و "العصبية" للقبيلة. ونجد هذا النوع من النسب معروفا عند غير العرب أيضا.. عند العبرانيين و الآراميين وعند الإغريق والرومان مثلا.
الجوار
وللجوار صلة كبيرة ب "النسب" وبالعصبية عند للعرب، فقد يتوثق الجوار، وتتقوى أواصره فيصير نسبا، فيدخل عندئذ نسب "المستجير" بنسب "المجير"، ويصير وكأنه نسب واحد، هو نسب "المجير". وقد اندمجت ب "الجوار" أنساب كثيرة من القبائل الصغيرة، أو القبائل التي تشعر بخوف من قبيلة أخرى أكبر منها، فتضطر إلى طلب "جوار" قبيلة أكبر منها، نتدافع عنها، ولتكون بذلك قوة رادعة تحمي حياتها و تحافظ على نفسها ومالها بهذا الجوار.
وهو من السنن التي حافظ عليها الجاهليون، و إعتدوها كالقوانين. فإذا استجار شخص بآخر، أو استجارت قبيلة بأخرى، اكتسب هذا الجواز صيغة قانونية، ووجب على المجير المحافظة على حق الجوار. و إلا نزلت السبة بالمجير، وازدراه الناس.
ويكتسب الجوار حكمه بإعلان الطرفين قبولهم له على الملأ، في أماكن الاجتماع في الغالب، في مثل المواسم من حج أو سوق. فإذا أعلن ذلك، و علم الناس الخبر، صار المجار في ذمة المجر، وترتب على المجير إن يكون مسؤولا عن كل ما يقع على المجير وما يصدر منه.
وقد ورد في القرآن الكريم، )والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل(. والجار ذو القربى هو نسيبك النازل معك في الحواء، ويكون نازلا في بلدة وأنت في أخرى، فله حرمة جوار القرابة. والجار الجنب إن لا ينهون له مناسب في جيء إليه ويسأله إن يجيره، أي يمنعه فينزل معه، فهذا الجار الجنب له حرمة نزوله في جواره ومنعته وركونه إلى أمانه وعهده. لأنه جاوره وان كان نسبه في قوم آخرين ولا قرابة له به.

(1/2205)


وكان سيد العشيرة إذا أجار عليها إنسانا لم يخفروه. و إذا دخل قبته أو خباءه أو دار حول خيمته، ونادى بالجوار والأمان صار آمنا وقد وجب على صاحب القبة أو الخباء أو الخيمة حمايته، حتى وان كان من سائر أبناء القبيلة.
والجار والمجير والمعيذ واحد. ومن عاذ بشخض استجار به. ومن هذا القبيل استجارة أهل الجاهلية بالجن. "قبل: إن أهل الجاهلية كانوا إذا نزلت رفقة منهم في واد، قالت: نعوذ بعزيز هذا الوادي من مرد الجن وسفهائهم. أي نلوذ به ونستجير".
وللجوار حرمة كبيرة عند الجاهليين. فإذا استجار شخص بشخص آخر، وقبل ذلك الشخص إن بجعله جارا ومستجيرا به، وجبت عليه حمايته، وحق
على المجار الدفاع عن مجيره: و الذب عنه. وإلا عد ناقضا، للعهد، ناكثا للوعد، مخالفا لحق الجوار. وعلى القبائل استجارة من يستجير بها، و الدفاع عنه دفاعها عن أبنائها. ويقال للذي يستجير بك "جار". والجار. الذي أجرته من إن يظلمه ظالم. و جارك المستجير بك، والمجير هو الذي يمنعك ويجيرك. و أجاره: أنقذه من شيء يقع عليه.
وقد أوصوا بالجار خيرا، ورجوا من الجار إن يكون كذلك قدوة حسنة في جواره، فلا يسيء إلى جاره أو إلى جيرانه، و على الجار إن يغض نظره من عيوب جاره، وأن يكون يقظا في حفظ حقوق جاره، فطنا في الدفاع عنه. ليس له أن يتملص من حقوق الجوار إذا استحقت ووجبت، لأن للجار حقا عليك.

(1/2206)


وكان يقال في الجاهلية للرجل إذا استجار بيثرب: قوقل في هذا الجبل ثم قد أمنت. فإذا فعل أحد ذلك، وجب على أهل يثرب قبول جواره والدفاع عنه. وذكر إن "قوقل" رجل من الخزرج، اسمه "غنم بن عوف بن عمرو ابن عوف بن الخزرج"، سمي به "لأنه كان إذا أتاه إنسان يستجير به أو بيثرب قال له: قوقل في هذا الجبل، وقد أمنت. أي ارتق". وقيل: "لأنهم كانوا إذا أجاروا أحدا أعطوه سهما. وقالوا: قوقل به حيث شئت. أي سر به حيث شئت". وذكروا. أيضا أن "القوقل" اسم أبي بطن من الأنصار، اسمه ثعلبة بن دعد بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف بن الخزرج. وقالوا: هو النعمان بن مالك بن ثعلبة.
والغاية من الجوار طلب الحماية والمحافظة على النفس والأهل والمال، لذلك لا يطلبه في العادة إلا المحتاج إليه. ولا يشتط في الجوار نزول الجار قرب المجير، أو في جواره أي أن يكون بيته ملتصقا ببيته. فقد يكون على البعد كذلك. لأن الجوار حماية ورعاية، وتكون الحماية. حيث تصل سلطة المجير، وتراعى فيه حرمته و ذمته. ويكون في إمكانه الدفاع عن جاره. ولهذا كان على الجار أن يعرف حدود "الجوار"، وقد يعلقانه بأجل احترازا وتحفظا من الجوار المطلق، الذي لا يعلق بزمن و إنما يكون عاما.
ولا يجير أحد إنسانا إلا إذا أحس إن في إمكانه أداء أمانة الجوار. و إلا عرض نفسه وأهله وقبيلته للأذى والسبة، إن قبل شخص جوار أحد، وهو في وضع، لا يمكنه من الوفاء بحقوق الجوار. ولا يطلب رجل مجاورة رجل آخر إلا إذا شعر أن من سيستجير به هو كفؤ لأن يجيره. و إلا فما الفائدة من الاستجارة برجل ضعيف قد يكون هو نفسه في حاجة إذ الاستجارة بأحد.

(1/2207)


ولا يشترط في الجوار أن يكون جوار أحياء. فقد يستجير إنسان بقبر، فيصير في جواره وفي حرمة ذلك القبر. وعلى أصحاب ذلك القبر الذب عن هذا الجار والدفاع عنه. ومن هذا القبيل استجارة الناس بقبر "عامر بن الطفيل". فقد ذكر أن قومه من "بني عامر"، وضعوا حول قبره أنصابا على مسافة منه، إذا اجتازها اللاجئ ودخل "الحرم" المحيط بالقبر، صار آمنا على ماله ونفسه، لا يخشى خشية. أحد، يريد إنزال سوء به. وقد منعوا دخول حيوان إليه أو مرور راكب به، احتراما لحرمة صاحب هذا القبر. وكالذي كان من أمر قبر "تميم بن مر"" جد قبيلة تميم في عرف النسابين.
وقد يستجير الإنسان بمعبد أو بأي موضع مقدس، فيكون في جوار وحرمة ذلك المكان. وعلى أصحابه أداء حقوق الجوار. ومن هذا القبيل جوار مكة. فمن دخل حرم "البيت" صار في جواره، آمنا مطمئا لا يجوز الاعتداء عليه و لا إخافته، لأنه في حرمة "البيت" وعلى قريش الذب عنة.
وقد كان لآل "محلم بن ذهل" قبة بوادي "عوف" عرفت ب "قبة المعاذة"، من لجأ إليها أعاذوه. و "آل عوف" من اشرافهم في الجاهلية ومن رجالهم "عوف" التي يضرب به المثل: لا حر بوادي عوف. والعوذ الالتجاء. وهذا. عرفت بتلك التسمية. وهو "عوف بن محلم بن ذهل بن شيبان". وقد ضرب به المثل في الوفاء. فورد: "هو أوفى من عوف". وذلك لأن عمرو ابن هند طلب منه مروان القرظ. وكان قد أجاره فمنعه عوف وأبى إن يسلمه، فقال عمرو: لا حر بوادي عوف. أي أنه يقهر من حل بواديه وكل من فيه كالعبيد له لطاعتهم إياه. وهو من أمثال العرب في الرجل العزيز المنيع الذي يعز به الذليل ويذل به العزيز. و قيل إن كل من صار في ناحيته خضع له. أو قيل ذلك لأنه كان يقتل الأسارى. ولما توفي "عوف" دفن بواديه، و أقاموا قبة على قبره صارت ملاذا لمن يطلب الجوار.

(1/2208)


ومن طرق الجوار، أن يأتي رجل إلى رجل ليستجير به فلا يجده، فيعقد طرف ثوبه إلى طنب البيت، فإذا فعل ذلك عد جارا، ووجب على صاحب البيت أن يجيره.
والجوار جواران: جوار جماعة كجوار بيت أو فخذ أو بطن أو ظهر أو عشيرة أو قبيلة، وجوار أفراد. و للجوارين حرمة وقدسية ليس أحدهما دون الآخر في الحرمة والوفاء.
و إذا نزل انسان على انسان آخر جارا، فان من المتعارف عليه أن تكون حرمة جواره ثلاثة أيام،: "وكانت خفرة الجار ثلاثا" فإذا انتهت، انتهت مدة الجوار. وعلى الجار الارتحال، إلا إذا جدد "المجير" جواره له، وطلب منه البقاء في جواره. فيكون عندئذ لهذا الجوار حكم آخر، إذ يبقى الجوار قائما ما دام عقده باقيا. وقد استفاد من حق الجوار الغرباء والمسافرون، والمحتاجون وأمثالهم. فقد أمنوا على راحتهم و رزقهم وهم في محيط صعب، كما أمنوا على حياتهم، حتى أن المجير ليغفر لجاره ما قد يبدر منه من سوء بسبب حكم الجوار. قال مجير لجاره: "لولا أنك جار لقتلناك". ويشمل هذا الجوار المسافر والضيف.
ومن عاداتهم في الجوار، أن أحدهم إذا خاف، فورد على من يريد الاستجارة به، نكس رمحه، فإذا عرفه المجير، رفع رمحه. فيصير في جواره. فلما هرب "الحارث بن ظالم المري" من ملك الحرة، وأخذ يتنقل بين القبائل حتى وصل عكاظ وبها "عبد الله بن جدعان"، نكس رمحه أمام مضرب "ابن جدعان"، ثم رفعه حين عرفوه، وأمن وأقام بمكة، حتى أتاه أمان ملك الحيرة.
وقد يحدد الجوار بحدوده. كأن يذكر من يطلب الاستجارة لمن يريد إن يستجير به، إن استجارته به من قبيلة كذا أو من القبائل الفلانية أو من الشخص الفلاني. فإذا قبل المجير ذلك حسد جواره بما حسد في عقد الجوار. فإذا اعتدت على المستجير قبيلة أخرى لم تذكر في نص الجوار، فلا ذمة للمستجير على المجير، و ليس من حقه طلب مساعدته له. كما قد يحدد الجوار بزمن، كاقامة شخص في مكان، أو ايصاله من موضع إلى موضع، أو تعيين أمد له.

(1/2209)


و الخفارة الخفرة: الأمان، والخفير:المجير، والخفارة: الذمة. ويقال: خفرت الرجل: أجرته وحفظته، و تخفرت به إذا استجرت به. و أخفرت الرجل إذا نقضت عهده وذمامه. بان يعلن ذلك ليقف عليه الناس، والا بقيت التبعة في عنق الخفير.
وعلى من أعطى خفارته لأحد، الوفاء بما أعطى، والوفاء بما ألزم نفسه به عليه، و إلا عد ناكثا للعهد حقيرا.
المؤاخاة
لا وتكون المؤاخاة بين الأفراد كما تكون بين الجماعات، كالعشائر والقبائل. وهي تدعو إلى العناصر والمؤازرة والمساعدة. وتؤدي إلى الموارثة. وخير مثل على المؤاخاة، ما فعله الرسول يوم مقدمه المدينة من مؤاخاته بين الأنصار والمهاجرين لتوحيد الكلمة وليساعد بعضهم بعضا.
ولا يشترط في المؤاخاة أن تكون بين أعراب وأعراب، أو بين حضر وحضر، إذ يجوز أن تعقد أيضا بين العرب والأعراب، أي بين الحضر والبدو. لأن المؤاخاة عقد، والعقد يقع بين كل الناس، كما قد تقع بين عربي وأعجمي، فقد آخى الرسول بين سلمان الفارس وأبي الدرداء.
الموالي
والمولى: الولي والعصبة والحليف وابن العم وللعم والأخ و الابن و ابن الأخت و العصبات كلهم والجار والشريك. فللفظة إذن معان عديدة، أهمها. بالنسبة لنا، إن المولى: العبد، أي المملوك الذي يمن عليه صاحبه، بان يفك رقبته، فيعتقه، ويصير المملوك بذلك مولى لعاتقه. وسوف نرى إن الموالي أنواع. وهم الذين نبحث عنهم في هذا المكان.
و "الموالي: العصبة. هم كانوا في الجاهلية الموالي، فلما دخلت العجم على العرب لم يجدوا لهم اسما، فقال الله تبارك وتعالى: )فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم(. فسموا الموالي.. والمولى اليوم موليان: مولى يرث ويورث، فهؤلاء ذوو الأرحام، ومولى يورث ولا يرث. فهؤلاء العتاقة".
والعرب تسمي ابن العم المولى، ومنه قول الشاعر: ومولى رمينا حوله وهو مدغل بأعراضنا والمنسبات سروع

(1/2210)


_________________
مصطفى سليمان أبوالطيب الهوارى

    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة مارس 05, 2021 10:50 pm