منتديات السادة الهوارة

د/مصطفى أبو الطيب الهوارى

<<span style="font-size: 18px;">div align="justify"><<span style="font-size: >الحمد لله رب العالمين تم حصولى على درجة الدكتوراة فى الدعوة والثقافة الاسلامية (عن القبائل العربية المصرية) من أكاديمية مشكاة للدرسات العربية والإسلامية انظروا قاموس القبائل العربية المصرية للدكتور/مصطفى سليمان أبوالطيب الهوارى/ و تم بحمد الله تعالى انشاء الجمعية الخيرية لأبناء الهوارة وقامت الجمعية على التواصل والمحبة بين أبناء العمومة والترابط ومساعدة كل من يحتاج مساعدة وعون كل من يحتاج أولادعمومته وهو تحالف لم يقم مذ مئات السنين ومقر الجمعية الرئيسى الدخيلة محافظة الأسكندرية وللجمعية الحق فى أنشاء كثير الفروع على مستوى جمهورية مصر العربية وللتواصل مع أدارة الجمعية جروب اتحاد جمعيات أبناء هوارة الخيرية على الفيس بوك أو التواصل مع د/مصطفى سليمان أبوالطيب الهوارى/رئيس مجلس أدارة جمعية أبناء الهوارة الخيرية01224369577 /01002920977/01119825377
>>
<br />بشرى سارة لكل محبى البحث فى الأنساب العربية فى مصر سيتم إصدار الجزء الأول للقاموس قريبا إن شاء الله إعداد وتجميع الدكتور/مصطفى سليمان أبوالطيب الهوارى
>>

غزوة حنين--

شاطر
avatar
مصطفى سليمان أبوالطيب
مدير عام

عدد المساهمات : 5397
السٌّمعَة : 23
تاريخ التسجيل : 02/09/2010
العمر : 44

غزوة حنين--

مُساهمة  مصطفى سليمان أبوالطيب في الأحد يونيو 18, 2017 7:26 am

( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ( 24 ) لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ( 25 ) .

ثم قال تعالى : ( قل ) يا محمد للمتخلفين عن الهجرة : ( إن كان آباؤكم ) وذلك أنه لما نزلت الآية الأولى قال الذين أسلموا ولم يهاجروا : إن نحن هاجرنا ضاعت أموالنا وذهبت تجاراتنا وخربت دورنا وقطعنا أرحامنا ، فنزل : ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم ) قرأ أبو بكر عن عاصم : " عشيراتكم " بالألف على الجمع ، والآخرون بلا ألف على التوحيد ، لأن جمع العشيرة عشائر ( وأموال اقترفتموها ) اكتسبتموها ( وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها ) أي : تستطيبونها يعني القصور والمنازل ، ( أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا ) فانتظروا ، ( حتى يأتي الله بأمره ) قال عطاء : بقضائه . وقال مجاهد ومقاتل : بفتح مكة وهذا أمر تهديد ، ( والله لا يهدي ) لا يوفق ولا يرشد ( القوم الفاسقين ) الخارجين عن الطاعة .

قوله تعالى : ( لقد نصركم الله في مواطن ) أي مشاهد ، ( كثيرة ويوم حنين ) وحنين واد بين مكة والطائف . وقال عروة : إلى جنب ذي المجاز .

وكانت قصة حنين على ما نقله الرواة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وقد بقيت عليه أيام من شهر رمضان ، ثم خرج إلى حنين لقتال هوازن وثقيف في اثني عشر ألفا ، - عشرة آلاف من المهاجرين [ ص: 26 ] وألفان من الطلقاء ، قال عطاء كانوا ستة عشر ألفا .

وقال الكلبي : كانوا عشرة آلاف ، وكانوا يومئذ أكثر ما كانوا قط ، والمشركون أربعة آلاف من هوازن وثقيف ، وعلى هوازن مالك بن عوف النصري ، وعلى ثقيف كنانة بن عبد ياليل الثقفي ، فلما التقى الجمعان قال رجل من الأنصار يقال له سلمة بن سلامة بن وقش : لن نغلب اليوم عن قلة ، فساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه ، ووكلوا إلى كلمة الرجل . وفي رواية : فلم يرض الله قوله ، ووكلهم إلى أنفسهم فاقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزم المشركون وخلوا عن الذراري ، ثم نادوا : يا حماة السواد اذكروا الفضائح ، فتراجعوا وانكشف المسلمون .

قال قتادة : وذكر لنا أن الطلقاء انجفلوا يومئذ بالناس فلما انجفل القوم هربوا .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد العزيز أخبرنا عبد الغافر بن محمد ، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثنا يحيى بن يحيى ، أخبرنا أبو خيثمة عن أبي إسحاق قال : قال رجل للبراء بن عازب : يا أبا عمارة فررتم يوم حنين؟ قال : لا والله ما ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم وهم حسر ليس عليهم سلاح ، أو كثير سلاح ، فلقوا قوما رماة لا يكاد يسقط لهم سهم ، جمع هوازن وبني نصر ، فرشقوهم رشقا ما يكادون يخطئون ، فأقبلوا هناك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء ، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به ، فنزل واستنصر وقال : أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب ، ثم صفهم .

ورواه محمد بن إسماعيل عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق . وزاد قال : فما رئي من الناس يومئذ أشد منه .

ورواه زكريا عن أبي إسحاق . وزاد قال البراء : كنا إذا احمر البأس نتقي به ، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به يعني النبي صلى الله عليه وسلم . [ ص: 27 ] وروى شعبة عن أبي إسحاق قال : قال البراء : إن هوازن كانوا قوما رماة ، وإنا لما لقيناهم حملنا عليهم ، فانهزموا ، فأقبل المسلمون على الغنائم فاستقبلونا بالسهام ، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفر .

قال الكلبي : كان حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة من المسلمين وانهزم سائر الناس .

وقال آخرون : لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ غير : العباس بن عبد المطلب ، وأبي سفيان بن الحارث ، وأيمن بن أم أيمن ، فقتل يومئذ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد ، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج ، قال : حدثنا أبو طاهر ، أحمد بن عمرو بن سرح ، حدثنا أبو وهب ، أخبرنا يونس عن ابن شهاب ، قال : حدثني كثير بن عباس بن عبد المطلب قال : قال عباس : شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نفارقه ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي ، فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين ، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار ، وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها إرادة أن لا تسرع ، وأبو سفيان آخذ بركابه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أي عباس : ناد أصحاب السمرة ، فقال عباس - وكان رجلا صيتا - فقلت بأعلى صوتي : أين أصحاب السمرة ؟ قال : فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها ، فقالوا : يا لبيك يا لبيك ، قال : فاقتتلوا والكفار ، والدعوة في الأنصار يقولون : يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار ، ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم ، فقال : هذا حين حمي الوطيس ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ، ثم قال : انهزموا ورب محمد ، فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى ، قال : فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا .

وقال سلمة بن الأكوع : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا قال فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن البغلة ، ثم قبض قبضة من تراب الأرض ، ثم استقبل به وجوههم ، فقال " شاهت الوجوه " ، فما خلق [ ص: 28 ] الله منهم إنسانا إلا ملأ عينه ترابا بتلك القبضة ، فولوا مدبرين ، فهزمهم الله عز وجل فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين .

قال سعيد بن جبير : أمد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين .

وفي الخبر : أن رجلا من بني نضر يقال له شجرة ، قال للمؤمنين بعد القتال : أين الخيل البلق والرجال الذين عليهم ثياب بيض ، ما كنا نراكم فيهم إلا كهيئة الشامة وما كنا قتلنا إلا بأيديهم؟ فأخبروا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : تلك الملائكة .

قال الزهري : وبلغني أن شيبة بن عثمان بن طلحة قال : استدبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وأنا أريد قتله بطلحة بن عثمان وعثمان بن طلحة ، وكانا قد قتلا يوم أحد ، فأطلع الله رسوله صلى الله عليه وسلم على ما في نفسي فالتفت إلي وضرب في صدري وقال : أعيذك بالله ياشيبة ، فأرعدت فرائصي ، فنظرت إليه فهو أحب إلي من سمعي وبصري ، فقلت : أشهد أنك رسول الله ، وأن الله قد أطلعك على ما في نفسي .

فلما هزم الله المشركين وولوا مدبرين ، انطلقوا حتى أتوا أوطاس وبها عيالهم وأموالهم ، فبعث رسول الله رجلا من الأشعريين يقال له أبو عامر وأمره على جيش المسلمين إلى أوطاس ، فسار إليهم فاقتتلوا ، وقتل دريد بن الصمة ، وهزم الله المشركين وسبى المسلمون عيالهم ، وهرب أميرهم مالك بن عوف النصري ، فأتى الطائف فتحصن بها وأخذ ماله وأهله فيمن أخذ . وقتل أمير المسلمين أبو عامر .

قال الزهري : أخبرني سعيد بن المسيب أنهم أصابوا يومئذ ستة آلاف سبي ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى الطائف فحاصرهم بقية ذلك الشهر ، فلما دخل ذو القعدة وهو شهر حرام انصرف عنهم ، فأتى الجعرانة فأحرم منها بعمرة وقسم فيها غنائم حنين وأوطاس ، وتألف أناسا ، منهم أبو سفيان بن حرب ، والحارث بن هشام ، وسهيل بن عمرو ، والأقرع بن حابس ، فأعطاهم . [ ص: 29 ] أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا أبو اليمان ، حدثنا شعيب ، حدثنا الزهري ، أخبرني أنس بن مالك رضي الله عنه أن أناسا من الأنصار قالوا لرسول الله - حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء ، فطفق يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل - فقالوا : يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشا ويدعنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ قال أنس : فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم ، فأرسل إلى الأنصار ، فجمعهم في قبة من أدم ولم يدع معهم أحدا غيرهم ، فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما كان حديث بلغني عنكم؟ فقال له فقهاؤهم أما ذوو رأينا يا رسول الله ، فلم يقولوا شيئا ، وأما أناس منا حديثة أسنانهم فقالوا : يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشا ويترك الأنصار وسيوفنا تقطر من دمائهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لأعطي رجالا حديثي عهد بكفر ، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون إلى رحالكم برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فوالله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به ، قالوا : بلى يا رسول الله قد رضينا ، فقال لهم : " إنكم سترون بعدي أثرة شديدة ، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض " .

وقال يونس عن ابن شهاب : " فإني أعطي رجالا حديثي عهد بالكفر أتألفهم " ، وقال : " فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض " ، قالوا : سنصبر .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا وهيب ، حدثنا عمرو بن يحيى عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال : لما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا ، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصابه الناس ، فخطبهم فقال : " يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي وكنتم متفرقين فألفكم الله بي وكنتم عالة فأغناكم الله بي؟ كلما قال شيئا قالوا : الله ورسوله أمن قال : ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله كلما قال شيئا قالوا : الله ورسوله أمن قال : لو شئتم قلتم كذا وكذا ، أترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير ، وتذهبوا بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ، ولو سلك الناس واديا أو شعبا لسلكت وادي [ ص: 30 ] الأنصار وشعبهم ، الأنصار شعار والناس دثار ، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض " .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد ، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثنا محمد بن أبي عمر المكي ، حدثنا سفيان عن عمر بن سعيد بن مسروق عن أبيه عن عباية بن رفاعة ، عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال : أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس كل إنسان منهم مائة من الإبل ، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك ، فقال عباس بن مرداس :

فما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في المجمع أتجعل نهبي ونهب العبي
د بين عيينة والأقرع وما كنت دون امرئ منهما
ومن تخفض اليوم لا يرفع


قال : فأتم له رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة .

وفي الحديث : أن ناسا من هوازن أقبلوا مسلمين بعد ذلك ، فقالوا : يا رسول الله أنت خير الناس وأبر الناس ، وقد أخذت أبناؤنا ونساؤنا وأموالنا .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا سعيد بن عفير ، حدثني الليث ، حدثني عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير : أن مروان والمسور بن مخرمة أخبراه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين ، فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن معي من ترون وأحب الحديث إلي أصدقه ، فاختاروا إحدى الطائفتين : إما السبي ، وإما المال . قالوا : فإنا نختار سبينا . فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأثنى على الله عز وجل بما هو أهله ثم قال : أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء جاؤوا تائبين ، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم ، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك لهم فليفعل ، ومن أحب أن يكون على حظ حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا ، فليفعل فقال الناس : قد طيبنا ذلك [ ص: 31 ] يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم ، فرجع الناس ، فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا . فأنزل الله تعالى في قصة حنين : ( لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ) حتى قلتم : لن نغلب اليوم من قلة ، ( فلم تغن عنكم ) كثرتكم ، ( شيئا ) يعني أن الظفر لا يكون بالكثرة ، ( وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ) أي برحبها وسعتها ، ( ثم وليتم مدبرين ) منهزمين .


_________________
مصطفى سليمان أبوالطيب الهوارى
avatar
مصطفى سليمان أبوالطيب
مدير عام

عدد المساهمات : 5397
السٌّمعَة : 23
تاريخ التسجيل : 02/09/2010
العمر : 44

رد: غزوة حنين--

مُساهمة  مصطفى سليمان أبوالطيب في الأحد يونيو 18, 2017 7:33 am

ص: 5 ] غزوة هوازن يوم حنين .

قال الله تعالى لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم [ التوبة : 25 - 27 ] . وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في كتابه أن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هوازن بعد الفتح في خامس شوال سنة ثمان ، وزعم أن الفتح كان لعشر بقين من شهر رمضان قبل خروجه إليهم بخمس عشرة ليلة . وهكذا روي عن ابن مسعود وبه قال عروة بن الزبير واختاره ابن جرير [ ص: 6 ] في " تاريخه " .

وقال الواقدي خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هوازن لست خلون من شوال ، فانتهى إلى حنين في عاشره . وقال أبو بكر الصديق لن نغلب اليوم من قلة . فانهزموا ، فكان أول من انهزم بنو سليم ، ثم أهل مكة ثم بقية الناس .

قال ابن إسحاق ولما سمعت هوازن برسول الله صلى الله عليه وسلم وما فتح الله عليه من مكة جمعها ملكها مالك بن عوف النصري فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها ، واجتمعت نصر ، وجشم كلها وسعد بن بكر وناس من بني هلال وهم قليل ، ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء ، وغاب عنها ولم يحضرها من هوازن كعب وكلاب ، ولم يشهدها منهم أحد له اسم ، وفي بني جشم دريد بن الصمة شيخ كبير ، ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب ، وكان شيخا مجربا ، وفي ثقيف سيدان لهم ، وفي الأحلاف قارب بن الأسود بن مسعود بن معتب وفي بني مالك ذو الخمار سبيع بن الحارث وأخوه أحمر بن الحارث وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف النصري فلما أجمع السير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حط مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم ، فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس وفيهم دريد بن الصمة في شجار له يقاد به ، [ ص: 7 ] فلما نزل قال بأي واد أنتم؟ قالوا : بأوطاس . قال نعم مجال الخيل ، لا حزن ضرس ، ولا سهل دهس ، ما لي أسمع رغاء البعير ، ونهاق الحمير ، وبكاء الصغير ، ويعار الشاء؟! قالوا : ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم . قال : أين مالك؟ قالوا : هذا مالك . ودعي له . قال : يا مالك إنك قد أصبحت رئيس قومك ، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام ، ما لي أسمع رغاء البعير ، ونهاق الحمير ، وبكاء الصغير ، ويعار الشاء؟ قال : سقت مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم . قال : ولم؟ قال : أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم . قال : فأنقض به . ثم قال : راعي ضأن والله ، هل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه ، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك . ثم قال : ما فعلت كعب وكلاب ؟ قال : لم يشهدها منهم أحد . قال : غاب الحد والجد ، لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب ، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب ، فمن شهدها منكم؟ قالوا : عمرو بن عامر وعوف بن عامر . قال : ذانك الجذعان من عامر لا ينفعان ولا يضران . ثم قال : يا مالك [ ص: 8 ] إنك لم تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا ، ثم قال دريد لمالك بن عوف : ارفعهم إلى متمنع بلادهم وعليا قومهم ، ثم ألق الصبى على متون الخيل ، فإن كانت لك لحق بك من وراءك ، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك . قال والله لا أفعل ، إنك قد كبرت وكبر عقلك . ثم قال مالك : والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري - وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي - فقالوا : أطعناك . فقال دريد : هذا يوم لم أشهده ولم يفتني :



يا ليتني فيها جذع أخب فيها وأضع أقود وطفاء الزمع
كأنها شاة صدع
ثم قال مالك للناس : إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم ، ثم شدوا شدة رجل واحد . قال ابن إسحاق وحدثني أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أنه حدث أن مالك بن عوف بعث عيونا من رجاله ، فأتوه وقد تفرقت أوصالهم ، فقال : ويلكم ، ما شأنكم؟ قالوا : رأينا رجالا بيضا على خيل بلق ، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى . فوالله ما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد .

[ ص: 9 ] قال ابن إسحاق ولما سمع بهم نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم ، ثم يأتيه بخبرهم ، فانطلق ابن أبي حدرد فدخل فيهم فأقام فيهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسمع من مالك وأمر هوازن ما هم عليه ، ثم أقبل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر . فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى هوازن ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعا له وسلاحا ، فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك فقال : " يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلق فيه عدونا غدا " . فقال صفوان : أغصبا يا محمد؟ قال : " بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك " . قال : ليس بهذا بأس . فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح ، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله أن يكفيهم حملها ففعل هكذا أورد هذا ابن إسحاق من غير إسناد .

وقد روى يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبيه . وعن عمرو بن شعيب والزهري وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم وغيرهم - قصة حنين فذكر نحو ما تقدم ، وقصة الأدراع كما تقدم ، وفيه أن ابن أبي حدرد لما رجع فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر هوازن كذبه عمر بن الخطاب فقال له ابن أبي [ ص: 10 ] حدرد : لئن كذبتني يا عمر فربما كذبت بالحق . فقال عمر : ألا تسمع ما يقول يا رسول الله؟ فقال : " قد كنت ضالا فهداك الله " .

وقد قال الإمام أحمد : ثنا يزيد بن هارون أنبأنا شريك ، عن عبد العزيز بن رفيع عن أمية بن صفوان بن أمية عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار منه يوم حنين أدراعا فقال : أغصبا يا محمد؟ فقال : " بل عارية مضمونة " قال : فضاع بعضها ، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضمنها له ، فقال : أنا اليوم يا رسول الله في الإسلام أرغب . ورواه أبو داود والنسائي من حديث يزيد بن هارون به ، وأخرجه النسائي من رواية إسرائيل عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان دروعا ، فذكره . ورواه من حديث هشيم عن حجاج عن عطاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان أدراعا وأفراسا ، وساق الحديث .

وقال أبو داود ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا جرير عن عبد العزيز بن رفيع عن أناس من آل عبد الله بن صفوان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يا صفوان [ ص: 11 ] هل عندك من سلاح؟ " قال : عارية أم غصبا؟ قال : " لا ، بل عارية " . فأعاره ما بين الثلاثين إلى الأربعين درعا ، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا ، فلما هزم المشركون جمعت دروع صفوان ففقد منها أدراعا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصفوان " قد فقدنا من أدراعك أدراعا ، فهل نغرم لك؟ قال لا يا رسول الله ، إن في قلبي اليوم ما لم يكن يومئذ وهذا مرسل أيضا .

قال ابن إسحاق ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معه ألفان من أهل مكة مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه ، ففتح الله بهم مكة فكانوا اثني عشر ألفا .

قلت : وعلى قول عروة والزهري وموسى بن عقبة يكون مجموع الجيشين اللذين سار بهما إلى هوازن أربعة عشر ألفا; لأنه قدم باثني عشر ألفا إلى مكة على قولهم ، وأضيف إليهم ألفان من الطلقاء . وذكر ابن إسحاق أنه خرج من مكة في خامس شوال ، قال : واستخلف على أهل مكة عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس الأموي .

قلت : وكان عمره إذ ذاك قريبا من عشرين سنة . قال : ومضى رسول [ ص: 12 ] الله صلى الله عليه وسلم يريد لقاء هوازن . وذكر قصيدة العباس بن مرداس السلمي في ذلك ، منها قوله :



أبلغ هوازن أعلاها وأسفلها مني رسالة نصح فيه تبيان
إني أظن رسول الله صابحكم جيشا له في فضاء الأرض أركان
فيهم سليم أخوكم غير تارككم والمسلمون عباد الله غسان
وفي عضادته اليمنى بنو أسد والأجربان بنو عبس وذبيان
تكاد ترجف منه الأرض رهبته وفي مقدمه أوس وعثمان

قال ابن إسحاق أوس وعثمان قبيلا مزينة .

قال : وحدثني الزهري عن سنان بن أبي سنان الدئلي عن أبي واقد الليثي أن الحارث بن مالك قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حديثو عهد بالجاهلية . قال : فسرنا معه إلى حنين . قال : وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة خضراء يقال لها : ذات أنواط . يأتونها كل سنة فيعلقون أسلحتهم عليها ، ويذبحون عندها ، ويعكفون عليها يوما . قال : فرأينا ونحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سدرة خضراء عظيمة . قال : فتنادينا من جنبات الطريق : يا رسول الله ، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أكبر ، قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى لموسى : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إنها السنن ، لتركبن سنن من كان قبلكم وقد روى هذا الحديث [ ص: 13 ] الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عن سفيان والنسائي عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر كلاهما عن الزهري كما رواه ابن إسحاق عنه . [ ص: 13 ] وقال الترمذي : حسن صحيح . ورواه ابن أبي حاتم في " تفسيره " من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه ، عن جده مرفوعا .

وقال أبو داود : ثنا أبو توبة ثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام عن السلولي أنه حدثه سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فأطنبوا السير حتى كان عشية ، فحضرت صلاة الظهر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء رجل فارس ، فقال : يا رسول الله ، إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا ، فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم وبنعمهم وشائهم ، اجتمعوا إلى حنين ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله " . ثم قال : " من يحرسنا الليلة " . قال أنس بن أبي مرثد : أنا يا رسول الله . قال : " فاركب " . فركب فرسا له ، وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ولا نغرن من قبلك الليلة " . فلما أصبحنا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصلاه فركع ركعتين ، ثم قال " هل أحسستم فارسكم؟ " قالوا : يا رسول الله ، ما أحسسنا . فثوب بالصلاة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ، ويلتفت إلى [ ص: 14 ] الشعب ، حتى إذا قضى صلاته قال : " أبشروا فقد جاءكم فارسكم " . فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر في الشعب ، وإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما ، فنظرت فلم أر أحدا . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل نزلت الليلة؟ " قال : لا ، إلا مصليا أو قاضي حاجة . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قد أوجبت فلا عليك ألا تعمل بعدها " وهكذا رواه النسائي عن محمد بن يحيى عن محمد بن كثير الحراني عن أبي توبة الربيع بن نافع به .


_________________
مصطفى سليمان أبوالطيب الهوارى
avatar
مصطفى سليمان أبوالطيب
مدير عام

عدد المساهمات : 5397
السٌّمعَة : 23
تاريخ التسجيل : 02/09/2010
العمر : 44

رد: غزوة حنين--

مُساهمة  مصطفى سليمان أبوالطيب في الأحد يونيو 18, 2017 7:35 am

فمن ذلك قول بجير بن زهير بن أبي سلمى  :



لولا الإله وعبده وليتم حين استخف الرعب كل جبان     بالجزع يوم حبا لنا أقراننا
وسوابح يكبون للأذقان     من بين ساع ثوبه في كفه
ومقطر بسنابك ولبان     والله أكرمنا وأظهر ديننا
وأعزنا بعبادة الرحمن     والله أهلكهم وفرق جمعهم
وأذلهم بعبادة الشيطان
قال ابن هشام : ويروي فيها بعض الرواة :



إذ قام عم نبيكم ووليه     يدعون يا لكتيبة الإيمان
أين الذين هم أجابوا ربهم     يوم العريض وبيعة الرضوان

[ ص: 52 ] وقال عباس بن مرداس السلمي  :



فإني والسوابح يوم جمع     وما يتلو الرسول من الكتاب
لقد أحببت ما لقيت ثقيف     بجنب الشعب أمس من العذاب
هم رأس العدو من أهل نجد     فقتلهم ألذ من الشراب
هزمنا الجمع جمع بني قسي     وحكت بركها ببني رئاب
وصرما من هلال غادرتهم     بأوطاس تعفر بالتراب
ولو لاقين جمع بني كلاب     لقام نساؤهم والنقع كابي
ركضنا الخيل فيهم بين بس     إلى الأورال تنحط بالنهاب
بذي لجب رسول الله فيهم     كتيبته تعرض للضراب

وقال عباس بن مرداس أيضا :

[ ص: 53 ]

يا خاتم النبآء إنك مرسل     بالحق ، كل هدى السبيل هداكا
إن الإله بنى عليك محبة     في خلقه ومحمدا سماكا
ثم الذين وفوا بما عاهدتهم     جند بعثت عليهم الضحاكا
رجلا به ذرب السلاح كأنه     لما تكنفه العدو يراكا
يغشى ذوي النسب القريب وإنما     يبغي رضا الرحمن ثم رضاكا
أنبيك أني قد رأيت مكره     تحت العجاجة يدمغ الإشراكا
طورا يعانق باليدين وتارة     يفري الجماجم صارما بتاكا
يغشى به هام الكماة ولو ترى     منه الذي عاينت كان شفاكا
وبنو سليم معنقون أمامه     ضربا وطعنا في العدو دراكا
يمشون تحت لوائه وكأنهم     أسد العرين أردن ثم عراكا
ما يرتجون من القريب قرابة     إلا لطاعة ربهم وهواكا
هذي مشاهدنا التي كانت لنا     معروفة وولينا مولاكا

[ ص: 54 ] وقال عباس بن مرداس أيضا :



عفا مجدل من أهله فمتالع     فمطلى أريك قد خلا فالمصانع
ديار لنا يا جمل إذ جل عيشنا     رخي وصرف الدهر للحي جامع
حبيبة ألوت بها غربة النوى     لبين فهل ماض من العيش راجع
فإن تبتغي الكفار غير ملومة     فإني وزير للنبي وتابع
دعانا إليه خير وفد علمتم     خزيمة والمرار منهم وواسع
فجئنا بألف من سليم عليهم     لبوس لهم من نسج داود رائع
نبايعه بالأخشبين وإنما     يد الله بين الأخشبين نبايع
فجسنا مع المهدي مكة عنوة     بأسيافنا والنقع كاب وساطع
علانية والخيل يغشى متونها     حميم وآن من دم الجوف ناقع
ويوم حنين حين سارت هوازن     إلينا وضاقت بالنفوس الأضالع
[ ص: 55 ] صبرنا مع الضحاك لا يستفزنا     قراع الأعادي منهم والوقائع
أمام رسول الله يخفق فوقنا     لواء كخذروف السحابة لامع
عشية ضحاك بن سفيان معتص     بسيف رسول الله والموت كانع
نذود أخانا عن أخينا ولو نرى     مصالا لكنا الأقربين نتابع
ولكن دين الله دين محمد     رضينا به فيه الهدى والشرائع
أقام به بعد الضلالة أمرنا     وليس لأمر حمه الله دافع

وقال عباس أيضا :



تقطع باقي وصل أم مؤمل     بعاقبة واستبدلت نية خلفا
وقد حلفت بالله لا تقطع القوى     فما صدقت فيه ولا برت الحلفا
خفافية بطن العقيق مصيفها     وتحتل في البادين وجرة فالعرفا
[ ص: 56 ] فإن تتبع الكفار أم مؤمل     فقد زودت قلبي على نأيها شغفا
وسوف ينبئها الخبير بأننا     أبينا ولم نطلب سوى ربنا حلفا
وأنا مع الهادي النبي محمد     وفينا ولم يستوفها معشر ألفا
بفتيان صدق من سليم أعزة     أطاعوا فما يعصون من أمره حرفا
خفاف وذكوان وعوف تخالهم     مصاعب زافت في طروقتها كلفا
كأن النسيج الشهب والبيض ملبس     أسودا تلاقت في مراصدها غضفا
بنا عز دين الله غير تنحل     وزدنا على الحي الذي معه ضعفا
بمكة إذ جئنا كأن لواءنا     عقاب أرادت بعد تحليقها خطفا
على شخص الأبصار تحسب بينها     إذا هي جالت في مراودها عزفا
غداة وطئنا المشركين ولم نجد     لأمر رسول الله عدلا ولا صرفا
بمعترك لا يسمع القوم وسطه     لنا زجمة إلا التذامر والنقفا
ببيض تطير الهام عن مستقرها     ونقطف أعناق الكماة بها قطفا
[ ص: 57 ] فكائن تركنا من قتيل ملحب     وأرملة تدعو على بعلها لهفا
رضا الله ننوي لا رضا الناس نبتغي     ولله ما يبدو جميعا وما يخفى

وقال عباس بن مرداس أيضا :



ما بال عينك فيها عائر سهر     مثل الحماطة أغضى فوقها الشفر
عين تأوبها من شجوها أرق     فالماء يغمرها طورا وينحدر
كأنه نظم در عند ناظمه     تقطع السلك منه فهو منتثر
يا بعد منزل من ترجو مودته     ومن أتى دونه الصمان فالحفر
دع ما تقدم من عهد الشباب فقد     ولى الشباب وزار الشيب والزعر
واذكر بلاء سليم في مواطنها     وفي سليم لأهل الفخر مفتخر
قوم هم نصروا الرحمن واتبعوا     دين الرسول وأمر الناس مشتجر
لا يغرسون فسيل النخل وسطهم     ولا تخاور في مشتاهم البقر
[ ص: 58 ] إلا سوابح كالعقبان مقربة     في دارة حولها الأخطار والعكر
تدعى خفاف وعوف في جوانبها     وحي ذكوان لا ميل ولا ضجر
الضاربون جنود الشرك ضاحية     ببطن مكة والأرواح تبتدر
حتى دفعنا وقتلاهم كأنهم     نخل بظاهرة البطحاء منقعر
ونحن يوم حنين كان مشهدنا     للدين عزا وعند الله مدخر
إذ نركب الموت مخضرا بطائنه     والخيل ينجاب عنها ساطع كدر
تحت اللواء مع الضحاك يقدمنا     كما مشى الليث في غاباته الخدر
في مأزق من مجر الحرب كلكلها     تكاد تأفل منه الشمس والقمر
وقد صبرنا بأوطاس أسنتنا     لله ننصر من شئنا وننتصر
حتى تأوب أقوام منازلهم     لولا المليك ولولا نحن ما صدروا
فما ترى معشرا قلوا ولا كثروا     إلا قد أصبح منا فيهم أثر

[ ص: 59 ] وقال عباس أيضا :



يا أيها الرجل الذي تهوي به     وجناء مجمرة المناسم عرمس
إما أتيت على النبي فقل له     حقا عليك إذا اطمأن المجلس
يا خير من ركب المطي ومن مشى     فوق التراب إذا تعد الأنفس
إنا وفينا بالذي عاهدتنا     والخيل تقدع بالكماة وتضرس
إذ سال من أفناء بهثة كلها     جمع تظل به المخارم ترجس
حتى صبحنا أهل مكة فيلقا     شهباء يقدمها الهمام الأشوس
من كل أغلب من سليم فوقه     بيضاء محكمة الدخال وقونس
يروي القناة إذا تجاسر في الوغى     وتخاله أسدا إذا ما يعبس
يغشى الكتيبة معلما وبكفه     عضب يقد به ولدن مدعس
[ ص: 60 ] وعلى حنين قد وفى من جمعنا     ألف أمد به الرسول عرندس
كانوا أمام المؤمنين دريئة     والشمس يومئذ عليهم أشمس
نمضي ويحرسنا الإله بحفظه     والله ليس بضائع من يحرس
ولقد حبسنا بالمناقب محبسا     رضي الإله به فنعم المحبس
وغداة أوطاس شددنا شدة     كفت العدو وقيل منها يا احبسوا
تدعو هوازن بالإخاوة بيننا     ثدي تمد به هوازن أيبس
حتى تركنا جمعهم وكأنه     عير تعاقبه السباع مفرس

وقال أيضا ، رضي الله عنه :



فمن مبلغ الأقوام أن محمدا     رسول الإله راشد حيث يمما
دعا ربه واستنصر الله وحده     فأصبح قد وفى إليه وأنعما
سرينا وواعدنا قديدا محمدا     يؤم بنا أمرا من الله محكما
[ ص: 61 ] تماروا بنا في الفجر حتى تبينوا     مع الفجر فتيانا وغابا مقوما
على الخيل مشدودا علينا دروعنا     ورجلا كدفاع الأتي عرمرما
فإن سراة الحي إن كنت سائلا     سليم وفيهم منهم من تسلما
وجند من الأنصار لا يخذلونه     أطاعوا فما يعصونه ما تكلما
فإن تك قد أمرت في القوم خالدا     وقدمته فإنه قد تقدما
بجند هداه الله أنت أميره     تصيب به في الحق من كان أظلما
حلفت يمينا برة لمحمد     فأكملتها ألفا من الخيل ملجما
وقال نبي المؤمنين تقدموا     وحب إلينا أن نكون المقدما
وبتنا بنهي المستدير ولم يكن     بنا الخوف إلا رغبة وتحزما
أطعناك حتى أسلم الناس كلهم     وحتى صبحنا الجمع أهل يلملما
يضل الحصان الأبلق الورد وسطه     ولا يطمئن الشيخ حتى يسوما
[ ص: 62 ] سمونا لهم ورد القطا زفه ضحى     وكل تراه عن أخيه قد احجما
لدن غدوة حتى تركنا عشية     حنينا وقد سالت دوافعه دما
إذا شئت من كل رأيت طمرة     وفارسها يهوي ورمحا محطما
وقد أحرزت منا هوازن سربها     وحب إليها أن نخيب ونحرما

هكذا أورد الإمام محمد بن إسحاق هذه القصائد من شعر عباس بن مرداس السلمي رضي الله عنه ، وقد تركنا بعض ما أورده من القصائد خشية الإطالة وخوف الملالة ، ثم أورد من شعر غيره أيضا ، وقد حصل ما فيه كفاية من ذلك . والله أعلم .





 














































































































































































































































عدل سابقا من قبل مصطفى سليمان أبوالطيب في الخميس يونيو 29, 2017 2:37 pm عدل 1 مرات


_________________
مصطفى سليمان أبوالطيب الهوارى
avatar
مصطفى سليمان أبوالطيب
مدير عام

عدد المساهمات : 5397
السٌّمعَة : 23
تاريخ التسجيل : 02/09/2010
العمر : 44

رد: غزوة حنين--

مُساهمة  مصطفى سليمان أبوالطيب في الأحد يونيو 18, 2017 7:37 am

ذكر غزوة هوازن بحنين

وكانت في شوال ، وسببها أنه لما سمعت هوازن بما فتح الله على رسوله من مكة جمعها مالك بن عوف النصري من بني نصر بن معاوية بن بكر ، وكانوا مشفقين من أن يغزوهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد فتح مكة ، وقالوا : لا مانع له من غزونا ، والرأي أن نغزوه [ ص: 133 ] قبل أن يغزونا . واجتمع إليه ثقيف يقودها قارب بن الأسود بن مسعود سيد الأحلاف ، وذو الخمار سبيع بن الحارث ، وأخوه الأحمر بن الحارث سيد بني مالك ، ولم يحضرها من قيس عيلان إلا نصر وجشم وسعد بن بكر ، وناس من بني هلال ، ولم يحضرها كعب ولا كلاب ، وفي جشم دريد بن الصمة ، شيخ كبير ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه ، وكان شيخا مجربا

فلما أجمع مالك بن عوف المسير إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حط مع الناس أموالهم ونساءهم ، فلما نزلوا أوطاس جمع الناس ، وفيهم دريد بن الصمة ، فقال دريد : بأي واد أنتم ؟ فقالوا : بأوطاس . قال : نعم مجال الخيل ، لا حزن شرس ، ولا سهل دهس ، ما لي أسمع رغاء البعير ، ونهاق الحمير ، ويعار الشاء ، وبكاء الصغير ؟ قالوا : ساق مالك مع الناس ذلك . فقال : يا مالك ، إن هذا يوم له ما بعده ، ما حملك على ما صنعت ؟ قال : سقتهم مع الناس ليقاتل كل إنسان عن حريمه وماله . قال دريد : راعي ضأن والله ، هل يرد المنهزم شيء ؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه ، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك . وقال : ما فعلت كعب وكلاب ؟ قالوا : لم يشهدها أحد منهم . قال : غاب الجد والحد ، لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب ولا كلاب ، ووددت أنكم فعلتم ما فعلا . ثم قال : يا مالك ، ارفع من معك إلى عليا بلادهم ، ثم ألق الصباء على الخيل ، فإن كانت لك لحق بك من وراءك ، وإن كانت عليك كنت قد أحرزت أهلك ومالك . قال مالك : والله لا أفعل ذلك ، إنك قد كبرت وكبر علمك ، والله لتطيعنني يا معشر هوازن ، أو لأتكين على هذا السيف حتى يخرج من ظهري . وكره أن يكون لدريد فيها ذكر . فقال دريد : هذا يوم لم أشهده ، ولم يفتني .

ثم قال مالك : أيها الناس ، إذا رأيتم القوم فاكسروا جفون سيوفكم ، وشدوا عليهم شدة رجل واحد .

وبعث مالك عيونه ليأتوه بالخبر ، فرجعوا إليه وقد تفرقت أوصالهم ، فقال : ما [ ص: 134 ] شأنكم ؟ قالوا : رأينا رجالا بيضا على خيل بلق ، فوالله ما تماسكنا أن حل بنا ما ترى ! فلم ينهه ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد .

ولما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر هوازن أجمع المسير إليهم ، وبلغه أن عند صفوان بن أمية أدراعا وسلاحا ، فأرسل إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يومئذ مشرك : أعرنا سلاحك نلق فيه عدونا . فقال له صفوان : أغصبا يا محمد ؟ فقال : بل عارية مضمونة نؤديها إليك . قال : ليس بهذا بأس ، فأعطاه مائة درع بما يصلحها من السلاح . ثم سار النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه ألفان من مسلمة الفتح مع عشرة آلاف من أصحابه ، فكانوا اثني عشر ألفا ، فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثرة من معه قال : لن نغلب اليوم من قلة ، وذلك قوله تعالى : ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ، وقيل : إنما قالها رجل من بكر .

واستعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على من بمكة عتاب بن أسيد .

قال جابر : فلما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد أجوف حطوط ، إنما ننحدر فيه انحدارا في عماية الصبح ، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي ، فكمنوا لنا في شعابه ومضايقه ، قد تهيئوا وأعدوا ، فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدت علينا شدة رجل واحد ، فانهزم الناس أجمعون لا يلوي أحد على أحد ، وانحاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات اليمين ، ثم قال : أيها الناس ، هلموا إلي أنا رسول الله ، أنا محمد بن عبد الله ، قاله ثلاثا ، ثم احتملت الإبل بعضها بعضا ، إلا أنه قد بقي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته ، منهم : أبو بكر ، وعمر ، وعلي ، والعباس ، وابنه الفضل ، وأبو سفيان بن الحارث ، وربيعة بن الحارث ، وأيمن ابن أم أيمن ، وأسامة بن زيد .

قال : وكان رجل من هوازن على جمل أحمر بيده راية سوداء أمام الناس ، فإذا أدرك رجلا طعنه ثم رفع رايته لمن وراءه فاتبعوه ، فحمل عليه علي فقتله .

ولما انهزم الناس تكلم رجال من أهل مكة بما في أنفسهم من الضغن ، فقال أبو سفيان بن حرب : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر ، والأزلام معه . وقال كلدة بن الحنبل ، وهو أخو صفوان بن أمية لأمه ، وكان صفوان بن أمية يومئذ مشركا : الآن بطل السحر . [ ص: 135 ] فقال له صفوان : اسكت فض الله فاك ، فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن !

وقال شيبة بن عثمان : اليوم أدرك ثأري من محمد ، وكان أبوه قتل بأحد ، قال : فأدرت به لأقتله ، فأقبل شيء حتى تغش فؤادي ، فلم أطق ذلك .

وكان العباس مع النبي - صلى الله عليه وسلم - آخذا بحكمة بغلته دلدل وهو عليها ، وكان العباس جسيما شديد الصوت ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم : يا عباس ، اصرخ : يا معشر الأنصار ، يا أصحاب السمرة ! ففعل ، فأجابوه : لبيك لبيك ! فكان الرجل يريد أن يثني بعيره فلا يقدر ، فيأخذ سلاحه ثم ينزل عنه ويؤم الصوت ، فاجتمع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة رجل فاستقبل بهم القوم وقاتلهم ، فلما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - شدة القتال قال :



أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب


الآن حمي الوطيس ، وهو أول من قالها . واقتتل الناس قتالا شديدا ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لبغلته دلدل : البدي دلدل ، فوضعت بطنها على الأرض ، فأخذ حفنة من تراب ، فرمى به في وجوههم ، فكانت الهزيمة ، فما رجع الناس إلا والأسارى في الحبال عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وقيل : بل أقبل شيء أسود من السماء مثل البجاد حتى سقط بين القوم ، فإذا نمل أسود مبثوث ، فكانت الهزيمة .

ولما انهزمت هوازن قتل من ثقيف وبني مالك سبعون رجلا ، فأما الأخلاف من ثقيف فلم يقتل منهم غير رجلين ؛ لأنهم انهزموا سريعا . وقصد بعض المشركين الطائف ومعهم مالك بن عوف ، واتبعت خيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المشركين فقتلهم ، فأدرك ربيعة بن يربوع السلمي دريد بن الصمة ولم يعرفه ؛ لأنه كان في شجار لكبره ، وأناخ بعيره [ ص: 136 ] فإذا هو شيخ كبير ، فقال له دريد : ماذا تريد ؟ قال : أقتلك . قال : ومن أنت ؟ فانتسب له ، ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئا . فقال دريد : بئس ما سلحتك أمك ، خذ سيفي فاضرب به ، ثم ارفع عن العظام واخفض عن الدماغ ، فإني كذلك كنت أقتل الرجال ، وإذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة ، فرب يوم قد منعت فيه نساءك . فقتله . فلما أخبر أمه قالت : والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثا . واستلب أبو طلحة الأنصاري يوم حنين عشرين رجلا وحده ، وقتلهم . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : من قتل قتيلا فله سلبه .

وقتل أبو قتادة الأنصاري قتيلا ، وأجهضه القتال عن أخذ سلبه ، فأخذه غيره ، فلما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك قام أبو قتادة فقال : قتلت قتيلا وأخذ غيري سلبه . فقال الذي أخذ السلب : هو عندي فارضه مني يا رسول الله . فقال أبو بكر : لا والله ، لا تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله تقاسمه ، فرد عليه السلب .

وكان لبعض ثقيف غلام نصراني ، فقتل ، فبينما رجل من الأنصار يستلب قتلى ثقيف إذ كشف العبد فرآه أغرل ، فصرخ بأعلى صوته : يا معشر العرب ، إن ثقيفا لا تختتن . فقال له المغيرة بن شعبة : لا تقل هذا ، إنما هو غلام نصراني ، وأراه قتلى ثقيف مختتنين .

ومر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الطريق بامرأة مقتولة ، فقال : من قتلها ؟ قالوا : خالد بن الوليد . فقال لبعض من معه : أدرك خالدا فقل له : إن رسول الله ينهاك أن تقتل امرأة أو وليدا أو عسيفا . والعسيف الأجير .

وكان بعض المشركين بأوطاس فأرسل إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا عامر الأشعري ، عم أبي موسى ، فرمي أبو عامر بسهم ، قيل رماه سلمة بن دريد بن الصمة ، وقتل أبو موسى سلمة هذا بعمه أبي عامر ، وانهزم المشركون بأوطاس ، وظفر المسلمون بالغنائم [ ص: 137 ] والسبايا ، فساقوا في السبي الشيماء ابنة الحارث بن عبد العزى ، فقالت لهم : إني والله أخت صاحبكم من الرضاعة ، فلم يصدقوها حتى أتوا بها النبي - صلى الله عليه وسلم - . فقالت له : إني أختك . قال : وما علامة ذلك ؟ قالت : عضة عضضتنيها في ظهري وأنا متوركتك . فعرفها وبسط لها رداءه وأجلسها عليه ، وخيرها فقال : إن أحببت فعندي مكرمة محببة ، وإن أحببت أن أمتعك وترجعي إلى قومك . قالت : بل تمتعني وتردني إلى قومي ، ففعل .

وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسبايا والأموال ، فجمعت إلى الجعرانة ، وجعل عليها بديل بن ورقاء الخزاعي .

واستشهد من المسلمين بحنين أيمن ابن أم أيمن ، ويزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن عبد العزى ، وغيرهما .


_________________
مصطفى سليمان أبوالطيب الهوارى
avatar
مصطفى سليمان أبوالطيب
مدير عام

عدد المساهمات : 5397
السٌّمعَة : 23
تاريخ التسجيل : 02/09/2010
العمر : 44

رد: غزوة حنين--

مُساهمة  مصطفى سليمان أبوالطيب في الأحد يونيو 18, 2017 7:39 am

الحديث الثاني حديث البراء

قوله : ( عن أبي إسحاق ) هو السبيعي ، ومدار هذا الحديث عليه ، وقد تقدم في الجهاد من وجه آخر عن سفيان ، وهو الثوري قال : " حدثني أبو إسحاق " .

قوله : ( وجاءه رجل ) لم أقف على اسمه ، وقد ذكر في الرواية الثالثة أنه من قيس .

قوله : ( يا أبا عمارة ) هي كنية البراء .

قوله : ( أتوليت يوم حنين ) الهمزة للاستفهام وتوليت أي انهزمت ، وفي الرواية الثانية " أوليتم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين " وفي الثالثة " أفررتم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " وكلها بمعنى .

قوله : ( أما أنا فأشهد على النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يول ) تضمن جواب البراء إثبات الفرار لهم ، لكن لا على طريق التعميم ، وأراد أن إطلاق السائل يشمل الجميع حتى النبي - صلى الله عليه وسلم - لظاهر الرواية الثانية ، ويمكن الجمع بين الثانية والثالثة بحمل المعية على ما قبل الهزيمة فبادر إلى استثنائه ثم أوضح ذلك ، وختم حديثه بأنه لم يكن أحد يومئذ أشد منه - صلى الله عليه وسلم - . قال النووي : هذا الجواب من بديع الأدب ، لأن تقدير الكلام فررتم كلكم ، فيدخل فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال البراء : لا والله ما فر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن جرى كيت وكيت ، فأوضح أن فرار من فر لم يكن على نية الاستمرار في الفرار ، وإنما انكشفوا من وقع السهام وكأنه لم يستحضر الرواية الثانية . وقد ظهر من الأحاديث الواردة في هذه القصة أن الجميع لم يفروا كما سيأتي بيانه ، ويحتمل أن البراء فهم من السائل أنه اشتبه عليه حديث سلمة بن الأكوع الذي أخرجه مسلم بلفظ " ومررت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهزما " فلذلك حلف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يول ، ودل ذلك على أن منهزما حال من سلمة ، ولهذا وقع في طريق أخرى ومررت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهزما وهو على بغلته فقال : لقد رأى ابن الأكوع فزعا ويحتمل أن يكون السائل أخذ التعميم من قوله تعالى : ثم وليتم مدبرين فبين له أنه من العموم الذي أريد به الخصوص .

قوله : ( ولكن عجل سرعان القوم فرشقتهم هوازن ) فأما سرعان فبفتح المهملة والراء ، ويجوز سكون الراء ، وقد تقدم ضبطه في سجود السهو في الكلام على حديث ذي اليدين ، والرشق بالشين المعجمة والقاف رمي السهام ، وأما هوازن فهي قبيلة كبيرة من العرب فيها عدة بطون ينسبون إلى هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بمعجمة ثم مهملة ثم فاء مفتوحات ابن قيس بن عيلان بن إلياس بن مضر ، والعذر لمن انهزم من غير المؤلفة أن العدو كانوا ضعفهم في العدد وأكثر من ذلك ، وقد بين شعبة في الرواية الثالثة السبب في الإسراع المذكور قال : كانت هوازن رماة ، قال : وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا . وللمصنف في الجهاد " انهزموا " قال : " فأكببنا " وفي روايته في الجهاد في باب من قاد دابة غيره في الحرب " فأقبل الناس على الغنائم فاستقبلونا بالسهام " ، وللمصنف في الجهاد أيضا من رواية زهير بن معاوية عن أبي إسحاق تكملة السبب المذكور قال : " خرج شبان [ ص: 624 ] أصحابه وأخفاؤهم حسرا - بضم المهملة وتشديد السين المهملة - ليس عليهم سلاح ، فاستقبلهم جمع هوازن وبني نضر ما يكادون يسقط لهم سهم ، فرشقوهم رشقا ما يكادون يخطئون " الحديث . وفيه " فنزل واستنصر ، ثم قال : أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب . ثم صف أصحابه " وفي رواية مسلم من طريق زكريا عن أبي إسحاق " فرموهم برشق من نبل كأنها رجل جراد فانكشفوا " وذكر ابن إسحاق من حديث جابر وغيره في سبب انكشافهم أمرا آخر ، وهو أن مالك بن عوف سبق بهم إلى حنين فأعدوا وتهيئوا في مضايق الوادي ، وأقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حتى انحط بهم الوادي في عماية الصبح ، فثارت في وجوههم الخيل فشدت عليهم ، وانكفأ الناس منهزمين . وفي حديث أنس عند مسلم وغيره من رواية سليمان التيمي عن السميط عن أنس قال : " افتتحنا مكة ، ثم إنا غزونا حنينا ، قال : فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت ؛ صف الخيل ، ثم المقاتلة ، ثم النساء من وراء ذلك ، ثم الغنم ثم النعم . قال : ونحن بشر كثير ، وعلى ميمنة خيلنا خالد بن الوليد ، فجعلت خيلنا تلوذ خلف ظهورنا فلم نلبث أن انكشفت خيلنا وفرت الأعراب ومن تعلم من الناس " وسيأتي للمصنف قريبا من رواية هشام بن زيد عن أنس قال : " أقبلت هوازن وغطفان بذراريهم ونعمهم ومع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة آلاف ، ومعه الطلقاء ، قال : فأدبروا عنه حتى بقي وحده " الحديث . ويجمع بين قوله : " حتى بقي وحده " وبين الأخبار الدالة على أنه بقي معه جماعة بأن المراد بقي وحده متقدما مقبلا على العدو ، والذين ثبتوا معه كانوا وراءه ، أو الوحدة بالنسبة لمباشرة القتال ، وأبو سفيان بن الحارث وغيره كانوا يخدمونه في إمساك البغلة ونحو ذلك . ووقع في رواية أبي نعيم في " الدلائل " تفصيل المائة : بضعة وثلاثون من المهاجرين والبقية من الأنصار ومن النساء أم سليم وأم حارثة .

قوله : ( وأبو سفيان بن الحارث ) أي ابن عبد المطلب بن هاشم وهو ابن عم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكان إسلامه قبل فتح مكة ؛ لأنه خرج إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فلقيه في الطريق وهو سائر إلى فتح مكة فأسلم وحسن إسلامه ، وخرج إلى غزوة حنين فكان فيمن ثبت . وعند ابن أبي شيبة من مرسل الحكم بن عتيبة قال : لما فر الناس يوم حنين جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب ، فلم يبق معه إلا أربعة نفر ، ثلاثة من بني هاشم ورجل من غيرهم : علي والعباس بين يديه ، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان ، وابن مسعود من الجانب الأيسر . قال : وليس يقبل نحوه أحد إلا قتل . وروى الترمذي من حديث ابن عمر بإسناد حسن قال : " لقد رأيتنا يوم حنين وإن الناس لمولين ، وما مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة رجل " وهذا أكثر ما وقفت عليه من عدد من ثبت يوم حنين . وروى أحمد والحاكم من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال : " كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين فولى عنه الناس ; وثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين والأنصار ، فكنا على أقدامنا ، ولم نولهم الدبر وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة " وهذا لا يخالف حديث ابن عمر فإنه نفى أن يكونوا مائة ، وابن مسعود أثبت أنهم كانوا ثمانين ، وأما ما ذكره النووي في شرح مسلم أنه ثبت معه اثنا عشر رجلا فكأنه أخذه مما ذكره ابن إسحاق في حديثه أنه ثبت معه العباس وابنه الفضل وعلي وأبو سفيان بن الحارث وأخوه ربيعة وأسامة بن زيد وأخوه من أمه أيمن ابن أم أيمن ، ومن المهاجرين أبو بكر وعمر ، فهؤلاء تسعة ، وقد تقدم ذكر ابن مسعود في مرسل الحاكم فهؤلاء عشرة ، ووقع في شعر العباس بن عبد المطلب أن الذين ثبتوا كانوا عشرة فقط وذلك قوله : [ ص: 625 ]

نصرنا رسول الله في الحرب تسعة وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا


وعاشرنا وافى الحمام بنفسه لما مسه في الله لا يتوجع



ولعل هذا هو الثبت ، ومن زاد على ذلك يكن عجل في الرجوع فعد فيمن لم ينهزم ، وممن ذكر الزبير بن بكار وغيره أنه ثبت يوم حنين أيضا جعفر بن أبي سفيان بن الحارث وقثم بن العباس وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب وشيبة بن عثمان الحجبي ، فقد ثبت عنه أنه لما رأى الناس قد انهزموا استدبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ليقتله ، فأقبل عليه فضربه في صدره وقال له : قاتل الكفار ، فقاتلهم حتى انهزموا . قال الطبري : الانهزام المنهي عنه هو ما وقع على غير نية العود وأما الاستطراد للكثرة فهو كالتحيز إلى فئة .

قوله : ( آخذ برأس بغلته ) في رواية زهير " فأقبلوا أي المشركون هنالك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو على بغلته البيضاء وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به ، فنزل واستنصر " . قال العلماء : في ركوبه - صلى الله عليه وسلم - البغلة يومئذ دلالة على النهاية في الشجاعة والثبات . وقوله : " فنزل " أي عن البغلة " فاستنصر " أي قال : اللهم أنزل نصرك . وقع مصرحا به في رواية مسلم من طريق زكريا عن أبي إسحاق . وفي حديث العباس عند مسلم " شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين فلزمته أنا وأبو سفيان بن الحارث فلم نفارقه " الحديث ، وفيه " ولى المسلمون مدبرين ، فطفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركض بغلته قبل الكفار ، قال العباس : وأنا آخذ بلجام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكفها إرادة أن لا تسرع ، وأبو سفيان آخذ بركابه " ويمكن الجمع بأن أبا سفيان كان آخذا أولا بزمامها فلما ركضها النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جهة المشركين خشي العباس فأخذ بلجام البغلة يكفها ، وأخذ أبو سفيان بالركاب وترك اللجام للعباس إجلالا له لأنه كان عمه .

قوله : ( بغلته ) هذه البغلة هي البيضاء ، وعند مسلم من حديث العباس " وكان على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي " وله من حديث سلمة " وكان على بغلته الشهباء " ووقع عند ابن سعد وتبعه جماعة ممن صنف السيرة أنه - صلى الله عليه وسلم - كان على بغلته دلدل ، وفيه نظر لأن دلدل أهداها له المقوقس ; وقد ذكر القطب الحلبي أنه استشكل عند الدمياطي ما ذكره ابن سعد فقال له : كنت تبعته فذكرت ذلك في السيرة وكنت حينئذ سيريا محضا ، وكان ينبغي لنا أن نذكر الخلاف . قال القطب الحلبي : يحتمل أن يكون يومئذ ركب كلا من البغلتين إن ثبت أنها كانت صحبته ، وإلا فما في الصحيح أصح . ودل قول الدمياطي أنه كان يعتقد الرجوع عن كثير مما وافق فيه أهل السير وخالف الأحاديث الصحيحة ، وأن ذلك كان منه قبل أن يتضلع من الأحاديث الصحيحة ولخروج نسخ من كتابه وانتشاره لم يتمكن من تغييره . وقد أغرب النووي فقال : وقع عند مسلم " على بغلته البيضاء " وفي أخرى " الشهباء " وهي واحدة ولا نعرف له بغلة غيرها . وتعقب بدلدل فقد ذكرها غير واحد ، لكن قيل إن الاسمين لواحدة .

قوله : ( أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب ) قال ابن التين : كان بعض أهل العلم يقوله بفتح الباء من قوله : " لا كذب " ليخرجه عن الوزن ، وقد أجيب عن مقالته - صلى الله عليه وسلم - هذا الرجز بأجوبة : أحدها أنه [ ص: 626 ] نظم غيره ، وأنه كان فيه : أنت النبي لا كذب أنت ابن عبد المطلب ، فذكره بلفظ " أنا " في الموضعين . ثانيها أن هذا رجز وليس من أقسام الشعر ، وهذا مردود . ثالثها أنه لا يكون شعرا حتى يتم قطعة ، وهذه كلمات يسيرة ولا تسمى شعرا . رابعها أنه خرج موزونا ولم يقصد به الشعر ، وهذا أعدل الأجوبة ، وقد تقدم هذا المعنى في غير هذا المكان ، ويأتي تاما في كتاب الأدب . وأما نسبته إلى عبد المطلب دون أبيه عبد الله فكأنها لشهرة عبد المطلب بين الناس لما رزق من نباهة الذكر وطول العمر ، بخلاف عبد الله فإنه مات شابا ، ولهذا كان كثير من العرب يدعونه ابن عبد المطلب ، كما قال ضمام بن ثعلبة لما قدم : أيكم ابن عبد المطلب ؟ وقيل : لأنه كان اشتهر بين الناس أنه يخرج من ذرية عبد المطلب رجل يدعو إلى الله ويهدي الله الخلق على يديه ويكون خاتم الأنبياء ، فانتسب إليه ليتذكر ذلك من كان يعرفه ، وقد اشتهر ذلك بينهم ، وذكره سيف بن ذي يزن قديما لعبد المطلب قبل أن يتزوج عبد الله آمنة وأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - تنبيه أصحابه بأنه لا بد من ظهوره وأن العاقبة له لتقوى قلوبهم إذا عرفوا أنه ثابت غير منهزم . وأما قوله " لا كذب " ففيه إشارة إلى أن صفة النبوة يستحيل معها الكذب ، فكأنه قال : أنا النبي ، والنبي لا يكذب ، فلست بكاذب فيما أقول حتى أنهزم ، وأنا متيقن بأن الذي وعدني الله به من النصر حق ، فلا يجوز علي الفرار . وقيل : معنى قوله : " لا كذب " أي أنا النبي حقا لا كذب في ذلك .

( تنبيهان ) : أحدهما ساق البخاري الحديث عاليا عن أبي الوليد عن شعبة ، لكنه مختصر جدا . ثم ساقه من رواية غندر عن شعبة مطولا بنزول درجة . وقد أخرجه الإسماعيلي عن أبي خليفة الفضل بن الحباب عن أبي الوليد مطولا ، فكأنه لما حدث به البخاري حدثه به مختصرا .

( الثاني ) اتفقت الطرق التي أخرجها البخاري لهذا الحديث من سياق هذا الحديث إلى قوله : " أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب " إلا رواية زهير بن معاوية فزاد في آخرها " ثم صف أصحابه " وزاد مسلم في حديث البراء من رواية زكريا عن أبي إسحاق قال البراء : كنا والله إذا احمر البأس نتقي به ، وإن الشجاع منا للذي يحاذيه يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - . ولمسلم من حديث العباس " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذ صار يركض بغلته إلى جهة الكفار " وزاد فقال : أي عباس ناد أصحاب الشجرة ، وكان العباس صيتا ، قال : فناديت بأعلى صوتي أين أصحاب الشجرة ، قال فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها ، فقالوا : يا لبيك . قال فاقتتلوا والكفار ، فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على بغلته كالمتطاول إلى قتالهم فقال هذا حين حمي الوطيس . ثم أخذ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال : انهزموا ورب الكعبة ، قال : فما زلت أرى حدهم كليلا ، وأمرهم مدبرا ولابن إسحاق نحوه ، وزاد " فجعل الرجل يعطف بغيره فلا يقدر ، فيقذف درعه ثم يأخذ بسيفه ودرقته ثم يؤم الصوت " .


_________________
مصطفى سليمان أبوالطيب الهوارى
avatar
مصطفى سليمان أبوالطيب
مدير عام

عدد المساهمات : 5397
السٌّمعَة : 23
تاريخ التسجيل : 02/09/2010
العمر : 44

رد: غزوة حنين--

مُساهمة  مصطفى سليمان أبوالطيب في الأحد يونيو 18, 2017 7:40 am

قوله : ( عن أبي إسحاق ) هو السبيعي ، ومدار هذا الحديث عليه ، وقد تقدم في الجهاد من وجه آخر عن سفيان ، وهو الثوري قال : " حدثني أبو إسحاق " .

قوله : ( وجاءه رجل ) لم أقف على اسمه ، وقد ذكر في الرواية الثالثة أنه من قيس .

قوله : ( يا أبا عمارة ) هي كنية البراء .

قوله : ( أتوليت يوم حنين ) الهمزة للاستفهام وتوليت أي انهزمت ، وفي الرواية الثانية " أوليتم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين " وفي الثالثة " أفررتم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " وكلها بمعنى .

قوله : ( أما أنا فأشهد على النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يول ) تضمن جواب البراء إثبات الفرار لهم ، لكن لا على طريق التعميم ، وأراد أن إطلاق السائل يشمل الجميع حتى النبي - صلى الله عليه وسلم - لظاهر الرواية الثانية ، ويمكن الجمع بين الثانية والثالثة بحمل المعية على ما قبل الهزيمة فبادر إلى استثنائه ثم أوضح ذلك ، وختم حديثه بأنه لم يكن أحد يومئذ أشد منه - صلى الله عليه وسلم - . قال النووي : هذا الجواب من بديع الأدب ، لأن تقدير الكلام فررتم كلكم ، فيدخل فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال البراء : لا والله ما فر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن جرى كيت وكيت ، فأوضح أن فرار من فر لم يكن على نية الاستمرار في الفرار ، وإنما انكشفوا من وقع السهام وكأنه لم يستحضر الرواية الثانية . وقد ظهر من الأحاديث الواردة في هذه القصة أن الجميع لم يفروا كما سيأتي بيانه ، ويحتمل أن البراء فهم من السائل أنه اشتبه عليه حديث سلمة بن الأكوع الذي أخرجه مسلم بلفظ " ومررت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهزما " فلذلك حلف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يول ، ودل ذلك على أن منهزما حال من سلمة ، ولهذا وقع في طريق أخرى ومررت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهزما وهو على بغلته فقال : لقد رأى ابن الأكوع فزعا ويحتمل أن يكون السائل أخذ التعميم من قوله تعالى : ثم وليتم مدبرين فبين له أنه من العموم الذي أريد به الخصوص .

قوله : ( ولكن عجل سرعان القوم فرشقتهم هوازن ) فأما سرعان فبفتح المهملة والراء ، ويجوز سكون الراء ، وقد تقدم ضبطه في سجود السهو في الكلام على حديث ذي اليدين ، والرشق بالشين المعجمة والقاف رمي السهام ، وأما هوازن فهي قبيلة كبيرة من العرب فيها عدة بطون ينسبون إلى هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بمعجمة ثم مهملة ثم فاء مفتوحات ابن قيس بن عيلان بن إلياس بن مضر ، والعذر لمن انهزم من غير المؤلفة أن العدو كانوا ضعفهم في العدد وأكثر من ذلك ، وقد بين شعبة في الرواية الثالثة السبب في الإسراع المذكور قال : كانت هوازن رماة ، قال : وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا . وللمصنف في الجهاد " انهزموا " قال : " فأكببنا " وفي روايته في الجهاد في باب من قاد دابة غيره في الحرب " فأقبل الناس على الغنائم فاستقبلونا بالسهام " ، وللمصنف في الجهاد أيضا من رواية زهير بن معاوية عن أبي إسحاق تكملة السبب المذكور قال : " خرج شبان [ ص: 624 ] أصحابه وأخفاؤهم حسرا - بضم المهملة وتشديد السين المهملة - ليس عليهم سلاح ، فاستقبلهم جمع هوازن وبني نضر ما يكادون يسقط لهم سهم ، فرشقوهم رشقا ما يكادون يخطئون " الحديث . وفيه " فنزل واستنصر ، ثم قال : أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب . ثم صف أصحابه " وفي رواية مسلم من طريق زكريا عن أبي إسحاق " فرموهم برشق من نبل كأنها رجل جراد فانكشفوا " وذكر ابن إسحاق من حديث جابر وغيره في سبب انكشافهم أمرا آخر ، وهو أن مالك بن عوف سبق بهم إلى حنين فأعدوا وتهيئوا في مضايق الوادي ، وأقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حتى انحط بهم الوادي في عماية الصبح ، فثارت في وجوههم الخيل فشدت عليهم ، وانكفأ الناس منهزمين . وفي حديث أنس عند مسلم وغيره من رواية سليمان التيمي عن السميط عن أنس قال : " افتتحنا مكة ، ثم إنا غزونا حنينا ، قال : فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت ؛ صف الخيل ، ثم المقاتلة ، ثم النساء من وراء ذلك ، ثم الغنم ثم النعم . قال : ونحن بشر كثير ، وعلى ميمنة خيلنا خالد بن الوليد ، فجعلت خيلنا تلوذ خلف ظهورنا فلم نلبث أن انكشفت خيلنا وفرت الأعراب ومن تعلم من الناس " وسيأتي للمصنف قريبا من رواية هشام بن زيد عن أنس قال : " أقبلت هوازن وغطفان بذراريهم ونعمهم ومع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة آلاف ، ومعه الطلقاء ، قال : فأدبروا عنه حتى بقي وحده " الحديث . ويجمع بين قوله : " حتى بقي وحده " وبين الأخبار الدالة على أنه بقي معه جماعة بأن المراد بقي وحده متقدما مقبلا على العدو ، والذين ثبتوا معه كانوا وراءه ، أو الوحدة بالنسبة لمباشرة القتال ، وأبو سفيان بن الحارث وغيره كانوا يخدمونه في إمساك البغلة ونحو ذلك . ووقع في رواية أبي نعيم في " الدلائل " تفصيل المائة : بضعة وثلاثون من المهاجرين والبقية من الأنصار ومن النساء أم سليم وأم حارثة .

قوله : ( وأبو سفيان بن الحارث ) أي ابن عبد المطلب بن هاشم وهو ابن عم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكان إسلامه قبل فتح مكة ؛ لأنه خرج إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فلقيه في الطريق وهو سائر إلى فتح مكة فأسلم وحسن إسلامه ، وخرج إلى غزوة حنين فكان فيمن ثبت . وعند ابن أبي شيبة من مرسل الحكم بن عتيبة قال : لما فر الناس يوم حنين جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب ، فلم يبق معه إلا أربعة نفر ، ثلاثة من بني هاشم ورجل من غيرهم : علي والعباس بين يديه ، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان ، وابن مسعود من الجانب الأيسر . قال : وليس يقبل نحوه أحد إلا قتل . وروى الترمذي من حديث ابن عمر بإسناد حسن قال : " لقد رأيتنا يوم حنين وإن الناس لمولين ، وما مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة رجل " وهذا أكثر ما وقفت عليه من عدد من ثبت يوم حنين . وروى أحمد والحاكم من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال : " كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين فولى عنه الناس ; وثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين والأنصار ، فكنا على أقدامنا ، ولم نولهم الدبر وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة " وهذا لا يخالف حديث ابن عمر فإنه نفى أن يكونوا مائة ، وابن مسعود أثبت أنهم كانوا ثمانين ، وأما ما ذكره النووي في شرح مسلم أنه ثبت معه اثنا عشر رجلا فكأنه أخذه مما ذكره ابن إسحاق في حديثه أنه ثبت معه العباس وابنه الفضل وعلي وأبو سفيان بن الحارث وأخوه ربيعة وأسامة بن زيد وأخوه من أمه أيمن ابن أم أيمن ، ومن المهاجرين أبو بكر وعمر ، فهؤلاء تسعة ، وقد تقدم ذكر ابن مسعود في مرسل الحاكم فهؤلاء عشرة ، ووقع في شعر العباس بن عبد المطلب أن الذين ثبتوا كانوا عشرة فقط وذلك قوله : [ ص: 625 ]

نصرنا رسول الله في الحرب تسعة وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا


وعاشرنا وافى الحمام بنفسه لما مسه في الله لا يتوجع



ولعل هذا هو الثبت ، ومن زاد على ذلك يكن عجل في الرجوع فعد فيمن لم ينهزم ، وممن ذكر الزبير بن بكار وغيره أنه ثبت يوم حنين أيضا جعفر بن أبي سفيان بن الحارث وقثم بن العباس وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب وشيبة بن عثمان الحجبي ، فقد ثبت عنه أنه لما رأى الناس قد انهزموا استدبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ليقتله ، فأقبل عليه فضربه في صدره وقال له : قاتل الكفار ، فقاتلهم حتى انهزموا . قال الطبري : الانهزام المنهي عنه هو ما وقع على غير نية العود وأما الاستطراد للكثرة فهو كالتحيز إلى فئة .

قوله : ( آخذ برأس بغلته ) في رواية زهير " فأقبلوا أي المشركون هنالك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو على بغلته البيضاء وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به ، فنزل واستنصر " . قال العلماء : في ركوبه - صلى الله عليه وسلم - البغلة يومئذ دلالة على النهاية في الشجاعة والثبات . وقوله : " فنزل " أي عن البغلة " فاستنصر " أي قال : اللهم أنزل نصرك . وقع مصرحا به في رواية مسلم من طريق زكريا عن أبي إسحاق . وفي حديث العباس عند مسلم " شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين فلزمته أنا وأبو سفيان بن الحارث فلم نفارقه " الحديث ، وفيه " ولى المسلمون مدبرين ، فطفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركض بغلته قبل الكفار ، قال العباس : وأنا آخذ بلجام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكفها إرادة أن لا تسرع ، وأبو سفيان آخذ بركابه " ويمكن الجمع بأن أبا سفيان كان آخذا أولا بزمامها فلما ركضها النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جهة المشركين خشي العباس فأخذ بلجام البغلة يكفها ، وأخذ أبو سفيان بالركاب وترك اللجام للعباس إجلالا له لأنه كان عمه .

قوله : ( بغلته ) هذه البغلة هي البيضاء ، وعند مسلم من حديث العباس " وكان على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي " وله من حديث سلمة " وكان على بغلته الشهباء " ووقع عند ابن سعد وتبعه جماعة ممن صنف السيرة أنه - صلى الله عليه وسلم - كان على بغلته دلدل ، وفيه نظر لأن دلدل أهداها له المقوقس ; وقد ذكر القطب الحلبي أنه استشكل عند الدمياطي ما ذكره ابن سعد فقال له : كنت تبعته فذكرت ذلك في السيرة وكنت حينئذ سيريا محضا ، وكان ينبغي لنا أن نذكر الخلاف . قال القطب الحلبي : يحتمل أن يكون يومئذ ركب كلا من البغلتين إن ثبت أنها كانت صحبته ، وإلا فما في الصحيح أصح . ودل قول الدمياطي أنه كان يعتقد الرجوع عن كثير مما وافق فيه أهل السير وخالف الأحاديث الصحيحة ، وأن ذلك كان منه قبل أن يتضلع من الأحاديث الصحيحة ولخروج نسخ من كتابه وانتشاره لم يتمكن من تغييره . وقد أغرب النووي فقال : وقع عند مسلم " على بغلته البيضاء " وفي أخرى " الشهباء " وهي واحدة ولا نعرف له بغلة غيرها . وتعقب بدلدل فقد ذكرها غير واحد ، لكن قيل إن الاسمين لواحدة .

قوله : ( أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب ) قال ابن التين : كان بعض أهل العلم يقوله بفتح الباء من قوله : " لا كذب " ليخرجه عن الوزن ، وقد أجيب عن مقالته - صلى الله عليه وسلم - هذا الرجز بأجوبة : أحدها أنه [ ص: 626 ] نظم غيره ، وأنه كان فيه : أنت النبي لا كذب أنت ابن عبد المطلب ، فذكره بلفظ " أنا " في الموضعين . ثانيها أن هذا رجز وليس من أقسام الشعر ، وهذا مردود . ثالثها أنه لا يكون شعرا حتى يتم قطعة ، وهذه كلمات يسيرة ولا تسمى شعرا . رابعها أنه خرج موزونا ولم يقصد به الشعر ، وهذا أعدل الأجوبة ، وقد تقدم هذا المعنى في غير هذا المكان ، ويأتي تاما في كتاب الأدب . وأما نسبته إلى عبد المطلب دون أبيه عبد الله فكأنها لشهرة عبد المطلب بين الناس لما رزق من نباهة الذكر وطول العمر ، بخلاف عبد الله فإنه مات شابا ، ولهذا كان كثير من العرب يدعونه ابن عبد المطلب ، كما قال ضمام بن ثعلبة لما قدم : أيكم ابن عبد المطلب ؟ وقيل : لأنه كان اشتهر بين الناس أنه يخرج من ذرية عبد المطلب رجل يدعو إلى الله ويهدي الله الخلق على يديه ويكون خاتم الأنبياء ، فانتسب إليه ليتذكر ذلك من كان يعرفه ، وقد اشتهر ذلك بينهم ، وذكره سيف بن ذي يزن قديما لعبد المطلب قبل أن يتزوج عبد الله آمنة وأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - تنبيه أصحابه بأنه لا بد من ظهوره وأن العاقبة له لتقوى قلوبهم إذا عرفوا أنه ثابت غير منهزم . وأما قوله " لا كذب " ففيه إشارة إلى أن صفة النبوة يستحيل معها الكذب ، فكأنه قال : أنا النبي ، والنبي لا يكذب ، فلست بكاذب فيما أقول حتى أنهزم ، وأنا متيقن بأن الذي وعدني الله به من النصر حق ، فلا يجوز علي الفرار . وقيل : معنى قوله : " لا كذب " أي أنا النبي حقا لا كذب في ذلك .

( تنبيهان ) : أحدهما ساق البخاري الحديث عاليا عن أبي الوليد عن شعبة ، لكنه مختصر جدا . ثم ساقه من رواية غندر عن شعبة مطولا بنزول درجة . وقد أخرجه الإسماعيلي عن أبي خليفة الفضل بن الحباب عن أبي الوليد مطولا ، فكأنه لما حدث به البخاري حدثه به مختصرا .

( الثاني ) اتفقت الطرق التي أخرجها البخاري لهذا الحديث من سياق هذا الحديث إلى قوله : " أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب " إلا رواية زهير بن معاوية فزاد في آخرها " ثم صف أصحابه " وزاد مسلم في حديث البراء من رواية زكريا عن أبي إسحاق قال البراء : كنا والله إذا احمر البأس نتقي به ، وإن الشجاع منا للذي يحاذيه يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - . ولمسلم من حديث العباس " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذ صار يركض بغلته إلى جهة الكفار " وزاد فقال : أي عباس ناد أصحاب الشجرة ، وكان العباس صيتا ، قال : فناديت بأعلى صوتي أين أصحاب الشجرة ، قال فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها ، فقالوا : يا لبيك . قال فاقتتلوا والكفار ، فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على بغلته كالمتطاول إلى قتالهم فقال هذا حين حمي الوطيس . ثم أخذ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال : انهزموا ورب الكعبة ، قال : فما زلت أرى حدهم كليلا ، وأمرهم مدبرا ولابن إسحاق نحوه ، وزاد " فجعل الرجل يعطف بغيره فلا يقدر ، فيقذف درعه ثم يأخذ بسيفه ودرقته ثم يؤم الصوت " .




_________________
مصطفى سليمان أبوالطيب الهوارى
avatar
مصطفى سليمان أبوالطيب
مدير عام

عدد المساهمات : 5397
السٌّمعَة : 23
تاريخ التسجيل : 02/09/2010
العمر : 44

رد: غزوة حنين--

مُساهمة  مصطفى سليمان أبوالطيب في الأحد يونيو 18, 2017 7:43 am

باب قتل من لا قتال فيه من الكفار جائز وإن كان الاشتغال بغيره أولى .

( أخبرنا ) أبو عبد الله الحافظ ، ثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب ، ثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثي ، ثنا ، ح قال وأخبرني أبو عمرو هو ابن حمدان ، ثنا الحسن بن سفيان ، ثنا عبد الله بن براد ، ثنا أبو أسامة ، عن بريد ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، عن أبيه قال : لما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حنين بعث أبا عامر على جيش أوطاس ، فلقي دريد بن الصمة ، فقتل دريد وهزم الله أصحابه ، وذكر الحديث إلى أن قال عن أبي موسى : فلما رجعت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - دخلت عليه وهو في بيت على سرير مرمل ، وعنده فراش قد أثر رمال السرير بظهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجنبه ، فأخبرته بخبري وخبر أبي عامر

[ ص: 92 ] وذكر الحديث . رواه مسلم في الصحيح عن عبد الله بن براد وأخرجاه جميعا عن أبي كريب ، عن أبي أسامة .
( أخبرنا ) أبو عبد الله الحافظ ، ثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب ، ثنا أحمد بن عبد الجبار ، ثنا يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق بن يسار في قصة أوطاس ، قال : فأدرك ربيعة بن رفيع دريد بن الصمة ، فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة ؛ وذلك أنه كان في شجار له فإذا هو برجل ، فأناخ به فإذا هو شيخ كبير ، وإذا هو دريد ولا يعرفه الغلام ، فقال دريد : ماذا تريد ؟ قال : قتلك . قال : ومن أنت ؟ قال : أنا ربيعة بن رفيع السلمي ، ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئا . فقال دريد : بئس ما سلحتك أمك ، خذ سيفي هذا من مؤخر الشجار ، ثم اضرب به وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ ؛ فإني كذلك كنت أقتل الرجال ، فقتله .


_________________
مصطفى سليمان أبوالطيب الهوارى
avatar
مصطفى سليمان أبوالطيب
مدير عام

عدد المساهمات : 5397
السٌّمعَة : 23
تاريخ التسجيل : 02/09/2010
العمر : 44

رد: غزوة حنين--

مُساهمة  مصطفى سليمان أبوالطيب في الأحد يونيو 18, 2017 7:45 am

( حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا سفيان الثوري حدثنا أبو إسحاق عن البراء بن عازب ) صحابيان جليلان ( قال : قال له رجل ) جاء في رواية أنه قيس لكن لا يعرف اسمه ( أفررتم ) أي : يوم حنين كما جاء في رواية الصحيحين ( عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) أي : معرضين عنه ، وتاركين له وإلا فالفرار من الكفار ( يا أبا عمارة ) بضم العين ، وتخفيف الميم كنية البراء والاستفهام للإنكار أو للاستعلام ( فقال لا ) أي : ما فررنا جميعا (والله ما ولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن ولى سرعان الناس ) بفتح السين والراء ويسكن أي : أوائلهم ففي النهاية : السرعان بفتح السين والراء : أوائل الناس الذين يتسارعون على الشيء ، ويقبلون عليه بسرعة ، ويجوز تسكين الراء .

ومنه حديث حنين خرج سرعان الناس ، وإخاؤهم وقال العلامة الكرماني في قوله سرعان بفتح السين ، وكسرها جمع سريع ، وبفتح السين والراء ويسكن أي أوائلهم .

قال ميرك : هذا الجواب من البراء ظاهر على تقدير الكلام في السؤال هكذا أفررتم من الكفار ، وعلى رواية أفررتم كلكم يوم حنين ، وأما على هذه الرواية ، وهي أفررتم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يخلوا عن تكلف ، ويمكن أن يوجه بأن البراء أشار على أنه - صلى الله عليه وسلم - فلا يخلو عن تكلف ، ويمكن أن يوجه بأن البراء أشار إلى أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يفر ، وأظهر الشجاعة ، وقد قال الله تعالى والله يعصمك من الناس فحينئذ لا يتصور فرار الصحابة عنه لشدة موافقتهم له ، وعلمهم بأنه مؤيد بالتأييدات الإلهية ; وإنما يتوهم فرارهم عنه إذا فر هو وتولى ، وهو محال عنه - صلى الله عليه وسلم - انتهى .

وفيه أنه لا يلزم من وجود كونه معصوما من الناس عدم تصور فرار أصحابه كما لا يخفى ، وقيل هذا الجواب الذي أجابه البراء من بديع أدب الفضلاء ; لأن تقدير الكلام أفررتم كلكم فيقتضي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وافقهم في ذلك فقال البراء : لا والله ما فر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن جماعة من أصحابه جرى لهم كذا وكذا انتهى كلامه . وهو منسوب إلى محيي الدين النووي ، وهو مسلم في حديث مسلم إذ ليس فيها : " عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " وأما على رواية الترمذي فقول السائل : أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدل إلى أنه - صلى الله عليه وسلم - فر ، بل على أنهم فروا ، وبقي هو منفردا ، فالأولى أن يقال تقدير الكلام أفررتم كلكم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال البراء : لا نفيا لفرار الكل كما يدل عليه الاستدراك ، وصرح بنفي توليته - صلى الله عليه وسلم - على سبيل الاستطراد دفعا لما قد يتوهم أنه يلزم من فرار العسكر تولية الأمير على ما هو المعتاد المتعارف ، وقيل قول البراء : " لا " . رفع الإيجاب الكلي الذي توهمه السائل ، وقوله : " ما ولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " تعليل لذلك الرفع سواء كان القسم لتأكيد هذا النفي أو للرفع السابق يعني لما لم يفر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف يفر جميع أصحابه عنه ، نعم سرعان الناس جرى لهم ذلك كذا وكذا انتهى . واعتمده شيخنا ابن حجر ، وأطنب في [ ص: 46 ] توضيحه حيث قال : وقوله ( لا ) أي : لم نفر بأجمعنا بل فر بعضنا ، وبقي بعضنا وأكد بقاء البعض بقوله ما ولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويلزم من بقائه بقاء طائفة معه لما جبلوا عليه من إيثارهم نفسه الكريمة على نفوسهم ، وهذا من بديع أدب البراء رضي الله عنه ، وبلاغته ; لأن الاستفهام ربما يتوهم منه ، وإن دفع ذلك التوهم تعبير السائل : " بعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أنه فر معهم ، وزاد في التأدب نفي التولي دون الفرار نزاهة لمقامه الرفيع عن أن يستعمل فيه لفظ الفرار في النفي فضلا عن الإثبات ; لأنه أشنع من لفظ التولي إذ هو قد يكون لتحيز أو انحراف بخلاف الفرار ; فإنه لا يكون إلا للخوف ، والجبن أي : غالبا وإلا فرار الصحابة هنا لم يتمحض لذلك قطعا ، ومن ثمة قال الطبراني : هذا الانهزام المنهي عنه هو ما وقع على غير نية العود ، وأما الاستعداد للكرة ، فهو كالتحيز إلى فئة ، ويحتمل أن البراء أشار إلى قيام الحجة الواضحة ، والبينة الظاهرة على عدم فرار أكابر الصحابة بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا لم يقع منه تول فهم كذلك لمثابرتهم على بذلهم نفوسهم دونه ، وعلمهم بأن الله تعالى لا يخذله ، وأنه يعصمه من الناس ، ولا ينافي ذلك ما في مسلم عن سلمة بن الأكوع من قوله : فأرجع منهزما ، إلى قوله : درت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهزما فقال : لقد رأى ابن الأكوع فزعا فقال العلماء : قوله منهزما حال من ابن الأكوع كما صرح أولا بانهزامه ، ولم يرد أنه - صلى الله عليه وسلم - انهزم إذ لم يقل أحد من الصحابة أنه - صلى الله عليه وسلم - انهزم في موطن من مواطن الحرب .

ومن ثمة أجمع المسلمون على أنه لا يجوز عليه الانهزام فمن زعم أنه انهزم في موطن من مواطن الحرب أدب تأديبا عظيما لائقا بعظيم جريمته إلا أن يقوله على جهة التنقيص ; فإنه يكفر ، فيقتل ما لم يتب على الأصح عندنا ، ومطلقا عند مالك ، وجماعة من أصحابنا ، وبالغ بعضهم فنقل فيه الإجماع بل لو أطلق ذلك قتل عندهم على ما أشار إليه بعض محققيهم انتهى .

فما وقع لبعض سلاطين ما وراء النهر ، وهو عبيد خان في بيته المشهور المنسوب إلى الملاجامي حيث جعل هجرته - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة فرارا أقبح من ذلك كله ، فالحذر الحذر من التلفظ ببيته على وجه الاستحسان ; فإنه كفر صريح عند العلماء الأعيان العارفين بالمعاني ، والبيان ثم مما رسخ بالبال ، وخطر في الحال أن تقدير الكلام لا والله ما ولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن كان وراءه ; وإنما ولى مقدمة العسكر ، كما يدل عليه قوله ، ولكن ولى سرعان الناس أي : أوائلهم المسرعين في السير أو المستعجلين في الأمر لعدم رسوخهم ، ووقوفهم بحاله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر سبب فرارهم بقوله ( تلقتهم ) تفعل من اللقي أي : قابلتهم وواجهتهم ( هوازن ) بفتح الهاء وكسر الزاي قبيلة مشهورة بشدة السهم لا يكاد تخطئ سهامهم ( بالنبل ) ، الباء للتعدية أي : برميه وهو اسم جنس يراد به السهام العربية لا واحد له من لفظه ، وقيل أنه جمع نبلة ، ويجمع على نبال بالكسر ، وأنبال ( ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلته ) [ ص: 47 ] أي : الدالة على كمال شجاعته المشعرة بعدم التولية إذ لا يتصور الفرار بها أصلا لا نقلا ، ولا عقلا ، والجملة حال ، وبما ذكرنا يجمع بين ما ورد من الأحاديث من أنه لما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين ، فطفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركض بغلته قبل الكفار بعدما صاح بهم العباس ، وكان رجلا صيتا ، وفي رواية ذهب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عقبهم فقال : يا أنصار الله ، وأنصار رسول الله أنا عبد الله ورسوله . وفي رواية أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : إلى أين أيها الناس ، وكان الأصحاب مشغولين بالفرار بحيث لم ينظر أحد منهم على خلف أصلا .

وأما ما روي أنه بقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منفردا فيما بين الكفار ، فقد يقال أنه محمول على الكناية عن قلة من كان عنده من الأصحاب أو على أنه كان كذلك في أول الأمر ثم جمعوا عنده ، ويؤيد الحمل الأول قوله ( وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بلجامها ) وقد سبق أيضا أن العباس ممن صاح على الناس ، فيؤخذ منه توجيه آخر أنه إنما فر من فر لما توهم من أنه - صلى الله عليه وسلم - قتل أو ما لحق أو رجع ونحو ذلك فلما سمعوا صياح عباس يا أصحاب الشجرة أو كلامه صلى الله عليه وسلم أيها الناس إلي إلي ; فرجعوا مسرعين قائلين يا لبيك يا لبيك ، وقد صح عن عباس أنه قال : فطفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركض بغلته قبل الكفار ، وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكفها إرادة ألا تسرع وأبو سفيان بن الحارث آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فالجمع بأنه كان آخذ اللجام على سبيل المناوبة في خدمة المقام .

ومما يؤيد ما ذكرناه من تحقيق المرام ما قاله بعض الشراح ، وتبعه ابن حجر من أن قوله ، ولكن ولى سرعان الناس فيه تصريح بأن الفرار لم يكن من جميعهم ، وإنما كان ممن في قلبه مرض من مسلمة الفتح ، ومؤلفتهم وأخلاطهم الذين لم يتمكن الإسلام في قلوبهم ، بل كان فيهم من يتربص بالمسلمين الدوائر ، وجماعة خرجوا للغنيمة ; فلما انكشفوا من العدو ، وظن من فر من الصحابة أنه لم يبق فيهم غناء فكدوا ليعرفوا الخبر ، فأطلق على فعلهم الفرار في بعض الآثار أخذا بالظاهر هذا وقد وقع عند البخاري على بغلته البيضاء ، وعند مسلم أن البغلة التي كانت تحته يوم حنين أهداها له فروة بن نغاثة ، هذا هو الصحيح وذكر أبو الحسن بن عبدوس أن البغلة التي ركبها يوم حنين هي دلدل ، وكانت شهباء أهداها له المقوقس وأما التي أهداها له فروة يقال لها فضة ، وذكر ذلك ابن سعد وذكر عكسه ، والصحيح ما في مسلم ، نقله ميرك عن الشيخ ، وقال العلماء ركوبه - صلى الله عليه وسلم - البغلة في مواطن الحرب هو النهاية في الشجاعة ، وليكون أيضا معتمدا يرجع إليه المسلمون ، وتطمئن قلوبهم به ، وبمكانه وليكون ممتازا عن غيره ، وإنما فعله هذا عمدا ، وإلا فقد كانت له أفراس معروفة ( ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ) أي : وبحول ربه يحول ، وعلى عدوه يصول مظهرا نسبه وحسبه اعتمادا على ما وعده من العصمة عن الناس ربه (

أنا النبي لا كذب
) أي : حقا وصدقا ، فلا أفر ، ولا أزول عما أقر إذ صفة النبوة يستحيل معها الكذب ، فكأنه قال : أنا النبي لا يكذب فلست بكاذب فيما [ ص: 48 ] أقول حتى أنهزم ، ولا أجول بل أنا متيقن أن ما وعدني الله من النصر حق ، وإن خذلان أعدائي صدق (

أنا ابن عبد المطلب
) انتسب بجده عبد المطلب دون أبيه عبد الله إما مراعاة للوزن والقافية ، أو لأن أباه توفي شابا في حياة عبد المطلب ، ولم يشتهر كاشتهاره عند العرب ; فإنه كان سيد قريش ، ورئيس أهل مكة ، وكان الناس يدعون النبي - صلى الله عليه وسلم - بابن عبد المطلب ، وأيضا فاشتهر عندهم أن عبد المطلب بشر بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سيظهر ، ويكون له شأن عظيم لما أخبره سيف بن ذي يزن .

وقيل ; لأنه رأى رؤيا تدل على ظهوره وكمال جمال نوره صلى الله عليه وسلم فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يذكرهم بجميع ذلك . وبأنه لا بد من ظهوره على الأعداء لتقوى نفوس المؤلفة ، ونحوهم على رجاء الإعلاء .

وفيه دليل لجواز قول الإنسان أنا فلان بن فلان ، ومنه قول علي رضي الله عنه .



أنا الذي سمتني أمي حيدره .


أي : أسدا وقول سلمة :



أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع .


والمنهي عنه قول ذلك على وجه الافتخار كما كانت تفعله الجاهلية من الكفار ثم الرواية الصحيحة في البيت سكون الباء في المصراعين ، وشذ ما قيل من فتح الباء الأولى ، وكسر الثانية قال القاضي عياض : وقد غفل بعض الناس فقال : الرواية : أنا النبي لا كذب بفتح الباء ، وعبد المطلب بالخفض ، وكذا قوله دميت من غير مد حرصا على أن يغير الرواية ليستغني عن الاعتذار ، وإنما الرواية بإسكان الباء والمد انتهى .

واعلم أن مجمل قصة حنين ، وهو واد وراء عرفة دون الطائف قيل بينه ، وبين مكة ثلاث ليال على ما ذكره أهل الآثار ، وأحبار الأخيار أنه - صلى الله عليه وسلم - لما فرغ من فتح مكة وتمهيدها وأسلم عامة أهلها اجتمعت أشراف هوازن وثقيف ، وقصدوا حرب المسلمين فسار - صلى الله عليه وسلم - إليهم في اثني عشر ألفا ، عشرة من أهل المدينة ، وألفان من مسلمة الفتح وهم الطلقاء أي : عن الاسترقاق ، وخرج معه ثمانون مشركا منهم صفوان بن أمية ، وورد بسند حسن أن رجلا أطلع على جبل ، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن هوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم وغنمهم اجتمعوا إلى حنين ، فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال : " تلك غنيمة للمسلمين غدا إن شاء الله " .

وقوله عن بكرة أبيهم كناية عن كثرتهم وإردة جميعهم بطريق المبالغة ، حتى كان بكرة أبيهم أيضا معهم ، وهي ما يستقى عليها الماء ، والمراد بالظعن : النساء ، واحدتها ظعينة ثم لأجل كثرة المسلمين قال بعضهم أو رجل من الأنصار قال ابن حجر : وزعم أنه الصديق كذب من المبتدعة لعنهم الله ، قلت على تقدير صحة نقله ، فلا محذور في قوله : " لن نغلب اليوم من قلة " ، لما روي مرفوعا : " لن يغلب اثنى عشر ألفا من قلة " إذ فيه الإشارة إلى أن هذا القدر من العسكر يقدر أن يقاوم ألوفا كثيرة ، وأما حقيقة الغلبة ، فهي من عند الله لا من كثرة ، ولا من قلة ، ولكن لما كان فيه نوع عجب ، وتوهم غرور مما قد يفضي إلى عدم التضرع ، والابتهال إلى الملك المتعال أخبر الله سبحانه ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم الآية ، وشق ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم - فركب بغلته البيضاء ولبس [ ص: 49 ] درعين والمغفر والبيضة ، فاستقبلهم من هوازن ما لم يروا مثله قط من السواد ، والكثرة ، وذلك في غبش الصبح ، وخرجت الكتائب من مضيق الوادي حملة واحدة فانكشفت خيل بني سليم مولية ، وتبعهم أهل مكة والناس .

وقيل ولم يثبت معه يومئذ إلا عمه العباس ، وأبو سفيان ابن عمه الحارث ، وأبو بكر الصديق ، وأبو أمامة الباهلي ، وأناس من أهل بيته وأصحابه ، قال العباس : وأنا آخذ بلجام بغلته أكفها مخافة أن تصل إلى العدو لأنه كان يتقدم في نحرهم وأبو سفيان آخذ بركابه وجعل - صلى الله عليه وسلم - يأمر العباس بمناداة الأنصار ، وأصحاب الشجرة أي : شجرة بيعة الرضوان فناداهم ، وكان صيتا يسمع صوته نحو ثمانية أميال فلما سمعوه أقبلوا كأنهم الإبل حنت على أولادها يقولون : يا لبيك يا لبيك ، فتراجعوا حتى أن من لم يطاوعه بعيره نزل عنه ورجع ماشيا فأمرهم - صلى الله عليه وسلم - أن يصدقوا الحملة فاقتتلوا مع الكفار ، ولما نظر - صلى الله عليه وسلم - إلى قتالهم قال : الآن حمي الوطيس أي : تنور الخبز ضربه مثلا لشدة الحرب التي يشبه حرها حره ، ولم يسمع من أحد قبله وتناول - صلى الله عليه وسلم - حصيات من الأرض ثم قال : شاهت الوجوه أي : قبحت ثم رمى فامتلأت عينا كل من المشركين منها ، وفي رواية عند أحمد ، وأبي داود ، والدارمي أن المسلمين لما ولوا نزل - صلى الله عليه وسلم - عن فرسه وضرب وجوههم بكف من تراب فحدث أبناؤهم عنهم أنهم قالوا : لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه ترابا ، وسمعنا صلصلة من السماء كإمرار الحديد على الطشت الجديد بالجيم . .

ولأحمد والحاكم عن ابن مسعود أن سرج بغلته - صلى الله عليه وسلم - مال ، فقلت ارتفع رفعك الله تعالى فقال : ناولني كفا من تراب ، فضرب وجوههم ، وامتلأت أعينهم ترابا ، وجاء المهاجرون ، والأنصار بسيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب فولى المشركون الأدبار .

وفي رواية عن رجل كان منهم أي : من الكفار لما لقيناهم أي : المسلمين لم يقفوا لنا حلب شاة فجعلنا نسوقهم حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء ; فإذا هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتلقانا عدة رجال بيض الوجوه حسان فقالوا : لنا شاهت الوجوه ارجعوا قال : فانهزمنا وركبوا أكتافنا .

وفي سيرة الدمياطي كان سيما الملائكة يوم حنين عمائم حمراء أرخوها بين أكتافهم ، وأمر - صلى الله عليه وسلم - أن يقتل من قدر عليه فأفضوا فيه إلى الذرية فنهاهم عنه ، وقال : " من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه " ، واستلب أبو طلحة ذلك اليوم عشرين رجلا ، وكان في إمساكه تعالى لقلوب هوازن عن الدخول في الإسلام بعد الفتح المجعول علامة على دخول الناس في دين الله أفواجا إتمام لإعزاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومزيد لنصرته بقهر هذه الشوكة العظيمة التي لم يلقوا قبلها مثلها ، وأذيقوا أولا مرارة الهزيمة مع كثرتهم لتتواضع رءوس رفعت بالفتح ولم يدخل بلده وحرمه على هيئة تواضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وليتبين لمن قال : لن نغلب اليوم من قلة ، أن النصر إنما هو من عند الله ، وأنه المتولي لنصر دينه ورسوله دون كثرتهم التي أعجبتهم بأنها [ ص: 50 ] لم تغن عنهم شيئا فلما انكسرت قلوبهم جبرها الله بأن أنزل سكينته على رسوله وعليهم ، وأنزل جنودا لم تروها ، ولم تقاتل الملائكة معه إلا هنا وفي بدر ، واختصتا أيضا برميه - صلى الله عليه وسلم - وجوه المشركين بالحصباء ، ولعل تخصيصهما لأن القصة الأولى كانت في أول أمر الدين ، وقلة المسلمين كما قال تعالى واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض الآية .

والقصة الثانية في آخر الأمر بعد كثرتهم وإعزازهم للإشارة إلى أن العبد لا يستغني عن معاونة الرب في كل حال ، ثم أمر - صلى الله عليه وسلم - بطلب العدو ، فانتهى بعضهم إلى الطائف ، وبعضهم نحو نخلة ، وقوم منهم فروا إلى أوطاس ، واستشهد من المسلمين أربعة ، وقتل من المشركين أكثر من سبعين والله الموفق والمعين .


_________________
مصطفى سليمان أبوالطيب الهوارى

    الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 14, 2017 8:17 am